وأما الأخوة من الشعراء، فالشماخ، واسمه معقل، ومزرد وإسمه يزيد، وجزء، وكلهم كان شاعرًا. وهم أبناء ضرار بن سنان بن أمامة. فأرادت أمهم أن تتزوج رجلًا بعد موت أبيهم، يقال له آوس، وكان أيضًا شاعرًا. فلما رآه بنو ضرار أتى أمهم يخطبها، وهم على بئر يستقون الماء منها، تناول شماخ الدلو، ثم متح، وهو يقول:
أمُّ أويسٍ أويسا
وجاء مزرد، فتناول الحبل، وهو يقول:
أعجبها حدارةً وكيسا
وجاء جزء، فتناول الحبل، وقال:
أصدق منها لجبةً وتيسا
فلما سمع آوس رجز الصبيان هرب، وترك أمهم فهذا أول شيء تفوه به بنو ضرار من الشعر.
وقال أبو عمرو بن العلاء: قيل للحطيأة في اليوم مات فيه: أوص، قال: ويل للشعراء من رواية السوء. قيل: أوص، قال: أخبروا الشماخ أنه أشعر غطفان.
وكان الشماخ يجيد إذا وصف الحمر، حتى قال الوليد: إني لأظن أن أبا الشماخ كان حمارًا، لكثرة وصفه للحمير في شعره.
وروي أن ابن داب خرج من حضرة المهدي، فقيل له: أنشدنا أبياتًا من أشعر ما قالت العرب، فأنشد قول الشماخ:
وأشعثَ قد قدَّ الشفارُ قميصهُ وجرَّ شرابًا بالعصا غيرَ منضجِ
دعوتُ إلى ما فاتني، فأجابني كريمٌ من الفتيانِ غيرُ مزلجِ
فتىً يملأ الشيزى ويروي سنانهُ ويضربُ في رأسِ الكميِّ المدججِ
فتىً ليس بالراضي بأدنى معيشةٍ ولا في بيوتِ الحيِّ بالمتولجِ
ومما يتمثل بشعره:
وكنتُ إذا حاولتُ أمرًا رميتهُ بعيني، حتى تبلغا منتهاهما
وكنتُ إذا ما شعبتا الأمرِ شكتا عليَّ، فلم يصدر جميعًا هواهما
عمدتُ إلى ذات المغبةِ منهما وخليت نفسي من طلابٍ سواهما
ويروى: سدهما، أي المهلة بينهما. قال الأصمعي: قال لي الرشيد يومًا، وقد هم بأخذ العهد لمحمد الأمين، وقد فكر فيه طويلًا: من القائل:
وكنتُ إذا حاولتُ أمرًا رميتهُ بعينيَّ، حتى تبلغا منتهاهما
وأنشدني باقي الأبيات، قلت: الشماخ، وأنشدت باقي القصيدة، فقال: قاتله الله، ما أرصن شعره وأحكمه: ومن شعره السائر:
رأيتُ عرابةَ الأوسيّ يسمو إلى الخيراتِ، منقطعَ القرينِ
أفاد سماحةً، وأفادَ مجدًا فليس كجامدٍ لحزٍ ضنينِ
إذا ما رايةٌ رفعتْ لمجدٍ تلقاها عرابةُ باليمينِ
إذا بلغتني وحللتِ رحلي عرابةَ، فاشرقي بدمِ الوتينِ
فنعم المعتزى ركدت إليهِ رحى حيزومها كرحى الطحينِ
ومن معانيه التي يختلف فيها قوله:
إذا دعتْ غوثها ضراتها فزعتْ أثباجُ نيٍ على الأعقابِ منضودُ
الضرة: مجتمع اللبن، والثبج: أعلى الظهر، النيئ: الشحم كأنها منضودة عقب على عقب. والمعنى قال الأصمعي وغيره: يقول: هذه إبل سمان، إذا احتاجت إلى الدر أتتها شحومها باللبن. وقوله: فزعت، أي لفاثت، والجرت والفزع: الاغاثة.
ومن معانيه المستحسنة:
بها شرقٌ من زعفرانٍ وعنبرٍ أطارتْ من الحسنِ الرداءَ المحبرا
أخذه ابن أبي ربيعة، فقال:
فلما توافقنا وسلمتُ، أشرقتْ وجوهٌ زهاها الحسنٌ أن تتقنعا
أخذه الآخر فقال:
تمشي الهوينا مائلًا خمارها
أي من حسنها، أي لا تخمر بخمار.
ومن معانيه المستطرفة، وقد ادعت عليه إمرأته أنه طلقها، فألزمه عثمان ﵁ باليمين، فأعانها قومها من بني سليم، فقال:
أتتني سليمٌ، قضها وقضيضها تمسحُ حولي بالبقيعِ سبالها
يقولن: إحلفِ، قلتُ لستُ بحالفٍ أخاتلهم عنها، لكيما أنالها
[ ٣٠ ]
ففرجتُ همَّ النفسِ عني بحلفةٍ كمتنِ جوادٍ، شقَّ عنهُ جلالها
أخذ هذا المعنى بعضهم فقال:
خوفوني اليمينَ فارتعت منها كي يغروا بذلك الارتياعِ
ثمَّ أرسلتها كمنحدرِ السيلِ تداعى من المكانِ اليفاعِ
وأخذه الآخر فقال:
وقالوا: اليمين، فمنْ لي بذاكَ ياليتهم يطلبونَ اليمينا
فأمنحهمْ حلفةً لذةْ تنجي المدينَ، وتردي المدينا
وأخذه أخوه مزرد فقال:
إذا أحلفوني باليمينِ منحتهمُ عينًا، كسحقِ الأتحميِّ الممزقِ
وإنْ أحلفوني بالعتاقِ فقد درى دهيمٌ غلامي أنهُ غيرُ معتقِ
وإنْ أحلفوني بالطلاقِ رددتها كأحسنَ ما كانت كأنْ لم تطلقِ
وله التشبيهات الحسنة. فمن ذلك قوله:
رأيتُ، وقد أتى نجرانَ دوني وليلى دونَ منزلها السديرُ
بدالي بالعميمِ ضوءُ نارٍ تلوحُ كأنها الشعرى العبورُ
أخذ هذا المعنى كثير فقال:
رأيتُ وأصحابي بمكةَ موهنًا وقد لاحَ ضوءُ الكوكبِ المتصوبُ
لعزةَ نارٌ ما تبوخُ، كأنها إذا ما رمقناها من البعدِ، كوكبُ
قال الأصمعي: أول درهم أصبته من الرشيد مائة ألف درهم، أعطانيها على بيتي كثير هذين. وذاك أنه كنت في خدمة يحيى بن خالد في بعض أسفاره مع الرشيد. فنظر الرشيد ليلة إلى نار بعيدة، فقال ليحيى بن خالد: هل تحفظ في صفة هذه النار شيئًا، فقال: لا، ولكن معي رواية يقال له الأًصمعي، قال: تحضره. فلما وقفت بين يديه قال: انظر إلى هذه النار، فنظرت، قال: هل تحفظ فيها شيئًا؟ قلت نعم، وأنشدته البيتين، فاستحسنهما، وقال: ما أخطأت ما في قلبي من تشبيهها، وأمر لي بمائة ألف درهم.
وقد ذكرنا مزردًا أولًا، وأردنا بذكره قصيدة له نادرة، فذكرناها ها هنا على غير ترتيب. والقصيدة قوله:
صحى القلبُ من سلمى، وملَّ العواذلُ
وهي قصيدة منعوتة قد جمع فيها أِشياء مما يستجاد منها:
ومنْ يكُ معزالَ اليدين فانهُ إذا كشرتْ عن نابها الحربُ، خاملُ
وقد علمت شيبانُ ذبيان أنني أنا الفارسُ الحامي الذمار المقاتلُ
وأني أردُّ الكبشَ، والكبشُ جامحٌ وأرجعُ رمحي، وهو ريانُ ناهلُ
وعندي، إذا الحربُ العوانُ تلقحتْ وأبدتْ هواديها، الخطوبُ الزلازلُ
طوال القرا قد كادَ يذهبُ كاملًا جوادُ المدى والعقب، والخلقُ كاملُ
أجشّ صريحيٌّ كأنَّ صهيلهُ مزاميرُ شربٍ جاوبتها خلاخلُ
ومسفوجةٌ فضفاضةٌ تبعيةٌ وآها القتيرُ تجتويها المعابلُ
موشحةٌ بيضاءُ، دانٍ حبيكها لها حلقٌ، بعد الأناملِ، فاصلُ
وتسبغةٌ في تركةٍ حميريةٍ دلامصةٌ، ترفضُّ عنها الجنادلُ
وأملسُ هنديٌّ متى يعل حدهُ ذرى البيضِ لا تسأمْ عليه الكواهلُ
ومطردٌ، لدنُ الكعوبِ، كأنما تغشاهُ منباعٌ من الزيتِ سائلُ
أصمٌّ إذا ما هزَّ مارتْ سراتهُ كما مارَ ثعبانُ الرمالِ الموائلُ
وقد عن لنا أن نعود نذكر شيئًا من حديث ذي الرمة. لأنا ذكرنا سبب كنيته في الألقاب. ولم نذكره ها هنا إلا لما أردنا أن نذكر الأخوة من الشعراء، كما ذكرنا الشماخ وأخوته.
كان أبو عمرو بن العلاء يقول: ختم الشعر بذي الرمة. وسئل جرير عنه، فقال: بعر ظباء يفوح، ونقط عروس. أراد به بعر ظباء، يعني أول ما تأخذ بعر الظباء تفوح منه رائحة المسك، ثم يرجع إلى حالته. يعني شعر ذي الرمة أول ما يطرق السمع توجد له حلاوة، ثم لا.
ومن الفرزدق بذي الرمة، وهو ينشد شعره، فلما فرغ قال: كيف ترى شعري؟ قال: أنت شاعر. قال: فلم فضل علي غيري؟ قال: لأنك كثير البكاء على الدمن، وكثير الوصف لأبوال الأبل وذكر الديار البلاقع، فإذا صرت إلى الهجاء والمدح أكديت، وقيل لذي الرمة: إنما أنت رواية الراعي، ومنه تعلمت، فقال: ما مثلي ومثل الراعي، إلا مثل شاب صحب شيخًا، فسلك به طرقًا، ثم فارقه، فسلك الشاب بعده شعابًا وأودية لم يسلكها الشيخ قط.
وكان يقال: أحسن الجاهلية تشبيهًا امرؤ القيس، وأحسن الأسلاميين ذو الرمة. وروي عن ذي الرمة أنه قال: إذا قلت كان فلم أجد، فلا إنطلق لساني.
[ ٣١ ]
ويروى عن أبي بكر عباس أنه قال: كنت إذا أصبت بأمر لم أبك، وكنت أتجلد، وكنت أستضر ويأخذني الكمد. فمررت يومًا، فإذا أنا بذي الرمة ينشد:
لعلَّ انحدارَ الدمع يعقب راحةً من الوجدِ، أو يشفي نجيَّ البلابلِ
فأصيبت بعد ذلك، فبكيت فاسترحت.
وأخذ المعنى الفرزدق فقال:
ألم ترَ أني يومَ جوِّ سويقةٍ بكيتُ، فنادتني هنيدةُ: ماليا
فقلتُ لها: إنَّ البكاءَ لراحةٌ به يشتفي من ظنَّ ألاّ تلاقيا
وذكر أن ذا الرمة كان يشبب بامرأة من بني منقر، وإسمها مي، وما رأى وجهها قط. وكانت تعاديه امرأة من سلبهة، فعملت شعرًا تهجوميًا، ونحلته إياه، ومنه:
على وجهِ ميٍ مسحةٌ من ملاحةٍ وتحتَ الثياب الشينُ، لو كان باديا
فلما بلغ ذلك ذا الرمة امتعض، وحلف أنه ما قاله. وبلغ ذلك ميًا فنذرت إذا رأت ذا الرمة تنحر بدنه. فلما رأته، وكان دميمًا، قالت: واسوأتاه، وابؤساه.
فبلغه ذلك، فقال: ما كنت قلت ذلك الشعر، وإنما أنا الآن أقوله وأزيد عليه.
وقوله فيه:
على وجه ميٍ مسحةٌ من ملاحةٍ وتحتَ الثياب الشينُ، لو كان باديا
ألم ترَ أنَّ الماءَ يخبثُ طعمهُ وإن كان لونَ الماءِ أبيضَ صافيا
وكان أيضًا يشبب بامرأة أخرى اسمها خرقاء، وكانت من ولد ربيعة.
وروى محمد بن الحجاج بن عمرو بن يزيد بن أخي ذي الرمة، قال: حججت، فمررت على خرقاء التي كان يشبب بها ذو الرمة، وهي بفلجة، فملت إليها، فقالت: أقضيت حجك وأتممته؟ قلت نعم، قالت: أما علمت أني منسك من مناسك الحج؟ أما سمعت عمك يقول:
تمامُ الحجِّ أن تقفَ المطايا على خرقاءَ، باديةَ اللثامِ
فقلت: لقد أثر فيك الدهر! فقالت: أما سمعت قوله أيضًا:
وخرقاءُ لا تزدادُ إلا ملاحةٌ ولو عمرتْ تعميرَ نوحٍ، وجلتِ
ثم قالت: رحم الله عمك، شهرني بين الناس، وما رأى وجهي، ولا سمع كلامي. ومما يستحسن من قوله فيها:
لها بشرٌ مثلُ الحرير، ومنطقٌ رخيمُ الحواشي، لا هراءٌ ولا نزرُ
وعينانِ، قال الله: كونا، فكانتا فعولانِ بالألبابِ ما تفعل الخمرُ
وتبسمُ لمح البرقِ عن متوضحٍ كلونِ الأقاحي، شابَ ألوانها القطرُ
ومما يستحسن من معانيه المبتدعة:
وأرمي إلى الأرض التي من ورائكم لترجعني، يومًا، إليكِ الرواجعُ
ووالله، إن هذا معنى حسن، وسبك بديع. وقوله:
لئن قطع اليأسُ الرجاءَ، فإنهُ رقوءٌ لتذرافِ الدموعِ السوافكِ
لقد كنتُ آتي الأرضَ، لا يستفزني لها الشوقُ، إلا أنها من دياركِ
ومن غزله:
ألا لا أرى الهجرانَ يشفي من الهوى ولا واشيًا عندي بسوءٍ يعيبها
إذا هبتِ الأرواحُ من نحو جانبٍ به أهل ميٍ، هاج شوقي هبوبها
هوىً تذرفُ العينانِ منه، وإنما هوى كلِّ نفسٍ حيثُ حلَّ حبيبها
قال المبرد: مات ذو الرمة بأصبهان بالجدري، وآخر ما قاله ساعة مات:
يا مخرجَ الروحِ من جسمي إذا احتضرتْ وفارجَ الكربِ، زحزحني عن النارِ
وكان مسعود أخو ذي الرمة شاعرًا مجيدًا. وله يرثي أوفى ابن دلهم:
نعى الركبُ أوفى، حين آبتْ ركابهم لعمري لقد جاءوا بشرٍّ، فأوجعوا
نعوا باسقَ الأفعالِ، لا يخلفونهُ تكادُ الجبالُ الصمُّ منه تصدعُ
خوى المسجدُ المعمورُ بعدَ ابن دلهمٍ وأضحى بأوفى رهطهُ قد تضعضعوا
تعزيتُ عن أوفى بغيلان بعدهُ عزاءً، وجفنُ العين ملآنُ مترعُ
ولم ينسني غيلانُ من ماتَ قبلهُ لكن نكاءُ القرحِ بالقرحِ أوجعُ
وكان له أخو اسمه هشام. ومن شعره:
وخرقٍ تموتُ الريحُ في حجراتهِ دآميمهُ موصولةٌ، وسباسبهْ
قطعتُ، ويومٍ ذي هماذي تلتظي به القورُ من وهجِ اللظا، وقراهبهْ
القور: الظباء. والقراهب: مسان الخمر. وهماذي من الحر: مثل جمادى بالبرد.
كأني ورحلي فوقَ أحقبَ لاحهُ من الصيف أجاجٌ تلظى صياهبهْ
طوى بطنهُ طولُ الطرادِ، فأصبحتْ تقلقلُ من طول الطرادِ زواجبهْ
[ ٣٢ ]
ومن الأخوة الشعراء: بنو مرة القردي. كان بنو مرة عشرة، وهم أبو خراش، وعروة، وأبو جندب، والأبح، والأسود، وأبو الأسود، وعمرو، وزهير، وجناد، وسفيان. وامهم لبنى، وبها شهرتهم، يقال لهم: بنو لبنى. وذكر أن هؤلاء كلهم قالوا الشعر، وما اشتهر إلا ثلاثة، وسنذكرهم، ونذكر أشعارهم، وهم أبو خراش، واسمه خويلد، وعروة، وأبو جندب.
وكان أبو خراش شاعرًا، وأدرك الإسلام. فمن أجود شعره المختار، الذي لم يسبق إليه قوله يرثي أخاه عروه، وقد سلم ولده خراش:
حمدتُ إلهي بعدَ عروةَ إذ نجا خراشٌ، وبعضُ الشرِّ أهونُ من بعضِ
فوالله لا أنسى قتيلًا رزئتهُ بجانب قوسى ما مشيتُ على الأرضِ
بل إنها تعفو الكلوم، وإنما نوكلُ بالأدنى، وإن جلَّ ما يمضي
ولم أدرِ من ألقى عليه رداءهُ سوى أنهُ قد سلَّ عن ماجدٍ محضِ
ولما قتل عروة ألقى عليه رجل من دارم رداءه.
وقول طرفة:
أبا منذرٍ أفنيتَ، فاستبقِ بعضنا حنانيكَ بعض الشرِّ أهونُ من بعضِ
وقال دعبل:
وإذا انقضى همُّ امرئٍ، فقد انقضى إنَّ الهمومَ أشدهنَّ الأحدثُ
وقال أبو خراش من باقي تلك القصيدة يرثي عروة:
ولم يكُ مثلوجَ الفؤادِ مهبجًا أضاعَ الشبابَ في الربيلةِ والخفضِ
ولكنهُ قد نازعتهُ مخامصٌ على أنهُ ذو مرةٍ، صادقُ النهضِ
يقول: لم يكن مثقلًا مقيمًا في الدعة والأكل والشرب، ولكنه جاذبه الجوع، وكان إذا نهض بحقيقة لم يكذب. ثم وصف سرعة انهزام خراش من القتل، وحسن نجايته وأصحابه:
كأنهمُ يشبثون بطائرٍ خفيف المشاشِ، عظمهُ غيرُ ذي نحضِ
يبادرُ قربَ الليلِ فهو مهابذًّ يحثُّ الجناحَ بالبسيطِ، أو القبضِ
يقول: هؤلاء الذين يعدون خلف خراش كأنهم يتعلقون بطائر. ومهابذ: جاد مسرع.
فقال خراش ولده يذكر مفره وسرعة النجاة من بني خزاعة:
رفوني، وقالوا: يا خويلدُ لا ترعْ فقلتُ: وأنكرتُ الوجوهَ: همُ همُ
تذكرتُ ما أين المفرُّ، وأنني بعونِ الذي ينجي من الموتِ معصمُ
فوالله ما ربداءُ أو علجُ عانةٍ أقبُّ، وما إن بين رملٍ مصممُ
بأسرعَ مني إذ عرفت عديهمْ كأني لأولاهم من القربِ توأمُ
أوائل بالشدِّ الذليقِ، وحثني لدى المتن مشبوحُ الذراعينِ، خلجمُ
فلولا دراكُ الشدّ ظلت حليلتي لدى المتن في خطابها، وهي أيمُ
فتسخطُ، أو ترضى مكاني خليفةً وكادَ خراشٌ، يومَ ذاكَ، ييتمُ
وقل أبو خراش:
لما رأيتُ بني نفاثةَ أقبلوا يشلونَ كلَّ مقلصٍ خنابِ
فنشيتُ ريح الموتِ من تلقائهم وكرهتُ وقع مهندٍ، قرضابِ
أقبلتُ لا يشتدُّ شدي واحدٌ علجٌ أقبُّ، مسيرُ الأقرابِ
ورفعتُ ساقًا لا يخافُ عثارها وطرحتُ عني بالعراءِ ثيابي
وقال أبو خراش يرثي اخاه عروة:
لعمري لقد راعتْ أميمةَ طلعتي وإنْ ثواني عندها لقليلُ
تقولُ: أراهُ بعدَ عروةَ لاهيًا وذلك رزءٌ، لو علمتَ، جليلُ
فلا تحسبي أني تناسيتُ عهدهُ ولكنَّ صبري، يا أميمُ، جميلُ
أبى الصبر أني لا يزالُ يهيجني مبيتٌ لنا، فيما خلا، ومقيلُ
وأني إذا ما الصبحُ آنستُ ضوءهُ يعاودني قطعٌ عليَّ ثقيلُ
ألم تعلمي أن قد تفرقَ قبلنا خليلا صفاءٍ: مالكٌ وعقيلُ
ومن شعره:
وإني لأثوي الجوعَ حتى يملني فيذهبَ لم تدنسْ ثيابي ولا جرمي
أردُّ شجاعَ الجوعِ قد تعلمينهُ وأوثرُ غيري من عيالكِ بالطعمِ
مخافةَ أن أحيا برغمٍ وذلةٍ وللموتُ خيرٌ من حياةٍ على رغمِ
ومات أبو خراش زمن عمر بن الخطاب ﵁، بنهشة حية. فقال قبل موته:
لعمركَ والمنايا غالباتٌ على الإنسانِ تطلعُ كلَّ مجدِ
لقد أهلكتِ حيةَ بطنِ أنفٍ على الفتيانِ ساقا ذات فقدِ