ذكر الجاحظ: أنه كان أجن من جعيفران وأشعر. وروى المبرد عن الأصمعي أنه سئل عن المجنون المسمى قيس بن معاذ، فقال: لم يكن مجنونًا، وإنما كانت به لوثة كلوثة أبي حية. يقال: رجل ألوث، إذا كان به هوج. ورجل به لوثة، أي اختلاط وفساد واسترخاء. ولأبي حية:
ألا حيِّ أطلالَ الرسومِ، البواليا لبسنَ البلى، لما لبسنَ اللياليا
تحملَ منها الحيُّ، وانصرفتْ بهم نوىً، لم يكنْ منَ قادها لكَ آويا
حنتكَ الليالي، بعدما كنتَ مرةً سوىً كالعصا، لو كنَّ يبقينَ باقيا
إذا ما تقاضى المرءَ يومٌ وليلةٌ تقاضاهُ شيءٌ لا يملُّ التقاضيا
وهمّ طرا من بعد ليلٍ، ولا ترى لهمٍّ طرا مثل الصريمةِ ماضيا
وإني لمما أنْ أجشمَ صحبتي ونفسي والعيسَ العمومَ الأقاصيا
ويقول فيها:
أصابوا رجالًا آمنينَ، وربما أصابَ بريئًا جرمُ منْ كان جانيا
فلما سعى فينا الصريخُ، وطالما نلبيهِ، أنجدنا اللهيفَ المناديا
بأسدٍ على أكتافهنَّ إذا عصوا بأسيافهم كانوا حتوفًا قواضيا
بأسيافِ صدقٍ في أكفِّ عصابةٍ كرامِ أبوا في الحربِ إلا
ومن نادر شعره ورقيق غزله يصف امرأة حال استتارها:
فأرختْ قناعًا دونهُ الشمسُ، وأتقتْ بأحسنِ موصولينِ: كفٍّ ومعصمِ
وهذا البيت يفضل على بيت النابغة في قوله:
سقطَض النصيفُ، ولم تردْ إسقاطهُ فتناولتهُ، واتقتنا باليدِ
ومن شعر أبي الحية المشهور المستطرف، من قصيدة أولها:
أأبكاكَ رسمُ المنزلِ المتقادمِ
وخبركِ الواشونَ أنْ لا أحبكمْ بلى وستورِ الله ذاتِ المحارمِ
[ ٦٣ ]
أصدُّ، وما الهجرُ الذي تحسبينهُ عزاءً بنا، إلا ابتلاع العلاقمِ
حياءً وبقيا أن تشيعَ نميمةٌ بنا، وبكم، أفٍ لأهلِ النمائمِ
وإنَّ دمًا لو تعلمين جنيتهُ على الحيّ جانٍ مثله غير سالمِ
أما إنهُ لو كان غيرك أرقلتْ إليه القنا بالراعفاتِ اللهاذمِ
ولكنْ، وبيتِ الله ما طلَّ مسلمًا كغرّ الثنايا واضحاتِ الملاغمِ
إذا هنَّ ساقطنَ الأحاديثَ للفتى سقوطَ حصى المرجانِ من سلكِ ناظمِ
رمينَ فأقصدنَ القلوبَ، ولا ترى دمًا مائرًا إلا جوىً في الحيازمِ
قوله: ساقطنا الأحاديث من قول جميل بن معمر العذري، وعمر بن أبي ربيعة.
فأما قول جميل:
ما صائبٌ من نابلٍ قذفتْ بهِ يدٌ وممرُّ العقدتينِ وثيقُ
له من خوافي النسرِ حمٌّ نظائرٌ ونصلٌ كنصلِ الزاغبي فتيقُ
قوله: فتيق يعني حاد، والزاغبي منسوب إلى رجل من الخزرج يقال له: زاغب.
على نبعةٍ روداء، أما خطامها فمتنٌ، وأما عودها فعتيقُ
بأوشكَ قتلًا منكِ يومَ رميتني نوافذَ لم يظهر لهنَّ خروقُ
والذي قاله عمر بن أبي ربيعة:
وأصابتْ مقاتلي بسهامٍ نافذاتٍ، وما تبينَ كلمُ
بحديثٍ بمثلهِ تنزلُ العص مُ، رخيمٍ، يشوبُ ذلك حلمُ
ومن مراثيه المستحسنة:
يرومُ جسيماتِ العلى فينالها فتىً من جسيماتِ المكارمِ راغبُ
فإن تمسِ وحشًا دراهُ، فلربما تواضحُ أفواجًا إليها المواكبُ
يحييونَ بسامًا كأنَّ جبينهُ هلالٌ بدا، وانجابَ عنه السحائبُ
وما غائبٌ منْ يرجى إيابهُ ولكنهُ من غيبَ الموتُ غائبُ
وقال الآخر:
ولم تنأ دارٌ من مرجىً إيابهُ وتنأى بمن رصتْ عليهِ الحفائرُ
وقال الآخر:
كلُّ ذي غربةٍ سيرجعُ يومًا غيرَ غيابِ زائراتِ القبورِ
وأول من ابتدع هذا المعنى في قوله:
وكلُّ ذي غيبةٍ يؤوبُ وغائبُ الموتِ لا يؤوبُ
وأنشد محمد بن يزيد لأبي حية، وهو مما يفضل لتلخصه من التكلف:
رمتني، وسترُ الله بيني وبينها ولكنَّ عهدي بالنضالِ قديمُ