كان الحسن كثير الشعر الحسن، وإنما كان يطول فيسقط من شعره كثير. وأما سليمان فليس بغزير الشعر، وله أبيت صالحة المعاني، حلوة الألفاظ. ومنها أنه لما حبس الواثق سليمان والحسن ابني وهب، كتب الحسن إلى المتوكل كتابًا في اسفله:
أقولُ، والليل ممدودٌ سردقهُ وقد مضى الثلثُ منه، أو قد انتصفا
ودمعُ عيني على الخدينِ منحدرٌ وليسَ تملكُ في الأجفانِ إن وقفا
يا ربِّ ألهمْ أميرَ المؤمنينَ رضىً عن خادمينِ له قد شارفا التلفا
فإنْ يكونا أساءا في الذي سلفا فلنْ يسيئا، بإذن الله، مؤتنفا
وقال يذكر أخاه سليمان:
خليليَّ من عبد المدانِ تروحا ونصا صدورَ العيسِ حسرى، وطلحا
فإنَّ سليمانَ بن وهبٍ بمنزلٍ أصابَ صميم القلبِ مني، فأقرحا
أسائلُ عنه الحارسينَ لحبسه إذا ما أتوني: كيفَ أمسى وأصبحا
فلا يهنئ الأعداءَ أسُر ابن حرةٍ يراهُ العدى أندى بنانًا وأسمحا
وأنهضَ في الأمر المهمِّ بعزمهِ وأقرعَ للباب الأصمِّ، وافتحا
فإنَّ أمورَ الملكِ أضحى مدارها عليه، كما دارتْ على قطبها الرحا
وكتب إلى سليمان أخيه:
صبرًا أبا أيوبَ حلَّ مجلجٌ وإذا جزعتَ من الخطوبِ، فمن لها
إنَّ الذي عقدَ الذي انعقدتْ به عقدُ المكارهِ فيهِ، يملكُ حلها
فاصبرْ، فعلَّ الصبرَ يعقب راحةً وعسى تكون قريبةً، ولعلها
فأجابه سليمان:
صبرتني، ووعظتني، فأنا لها وسنجلي، بل لا أقولُ: لعلها
ويحلها منْ كانَ صاحبَ عقدها ثقةً به، إذ كانَ يملكُ حلها
وللحسن شعر يلتحق بشعر العرب، كتب به إلى أبي عبد الله أحمد بن ابي دؤاد الإيادي:
يا واحدَ العربِ الذي كرمتْ له منها منابتها، وطابَ حجورها
وعميها المأمولَ فيها نابها فيه، إذا وهنتْ، تناطُ أمورها
ومقيمَ حكم الله في توحيدهِ بمقالةٍ قد كانَ خيف وقورها
حتى تلافاها الإمامُ، وحاطها بكَ، فاكتستْ عزًا، وأشرقَ نورها
وخبتْ من التشبيهِ نارُ ضلالةٍ قد كانَ أضرمَ، بالنفاقِ، سعيرها
هل أنتَ سامعُ دعوةٍ، فمعيرها غوثًا، ومنقذُ أمةٍ، فمجيرها
تحتَ الحوادثِ من رجالك عصبةٌ ما إنْ ينام ُمن الهمومِ سميرها
هل غيرَ أنْ ربعوا مرابعَ وخمةً قد كان َغيبَ عنهمُ محذورها
فأذاقهم حكمُ الإمامِ وبالها بنوازلٍ كانَ الزمانُ يديرها
فليعفِ عنهم، إنما هي عثرةٌ ما إنْ يعزُ على الأمام جبورها
أترى الأمامُ، ابنُ الأئمةِ، والذي بطحاءُ مكةَ بيتهُ، فثبيرها
وهو المرددُ في الخلافةِ عودها منها، ومنبرها له، وسريرها
يعطيكَ يومًا في تخلصِ أنفسٍ تسعى لفكِّ رقابها، فيثيرها
فإذا لينتصحنَّ رأيكَ فيهمُ ويسرهُ، في ملكهِ، تدبيرها
فليحم أنفكَ للكرامِ، فإنما نعشُ الرجالِ شريفها وخطيرها
ولكَ الذؤابةُ في نزارٍ كلها وعليكَ ترخى حجبها وستورها
لا زلتَ في نعمٍ، يعمكَ حفظها ودوامها، وسرورها، وحبورها
فأصلح ابن ابي دؤاد مرهما عند الواثق، فقال الحسن فيه يمدحه ويشكره:
وإذا الزمانُ أرادني بملمةٍ يومًا، دعوتُ لها الوزيرَ الأكبرا
لا زالَ حظكَ، في الحياةِ، موفرًا وعدوكَ الباغي عليكَ مثبرا
[ ٤٩ ]
أضحى سليمانُ بنُ وهبٍ شاكرًا نعماكَ، حقَّ لمثلها أنْ يشكرا
ومن مشهور غزل الحسن:
بأبي كرهتُ النارَ حتى أبعدت فعرفتُ ما معناكِ في إبعادها
هي ضرةٌ لكِ في التماعِ ضيائها وبحسنِ صورتها لدى إيقادها
وأرى صنيعكِ بالقلوبِ صنيعها بسيالها، وأراكها، وعرادها
شركتكِ من كلِّ الجهاتِ بحسنها وضيائها، وصلاحها، وفسادها
يا بؤسَ نفسٍ أولعتْ بسعادها لعبتْ سعادُ بعقلها وفؤادها
ما إنْ حوتْ من قبلها مثلًا لها كفا محمدها، ولا حمادها
غادِ المدامةَ، يا خليلي، غادها وأنعمْ بظلماءِ الدجى، فسوادها
واجعلْ شهادكَ في احتساءِش سلافها إذْ حظُّ عينك في طويلِ سهادها
وإنما جعل يذكر بنانًا جارية محمد بن حماد، لأنه كان يعشقها عشقًا مبرحًا، وكان يكني عنها بسعاد، فاجتمعا في مجلس فيه نار، فكرهتها وتأذت بها، فأمر الحسن بإخراجها، وقال ما تقدم.
ومن شعره:
قالتْ: تصنعَ بالبكاءِ، فقلتُ: هلْ يبكي الفتى إلا لما في قلبهِ؟
فلقدْ ألفتُ الدمعَ، حتى ربما جرتِ الدموعُ به، ولم أعلمْ بهِ
وكتب إلى بعض أصدقائه:
سركَ الله بمن تلهو بهِ وبنوروزكَ يومَ الجمعهْ
وبدجنٍ ألبسَ الشمسَ، على أنها طورًا ترى ملتمعهْ
كفتاةِ الخدرِ أبدتْ وجهها من أعالي قصرها، مطلعهْ
عندنا وردٌ ومسكٌ عبقٌ ورياحينٌ لنا مجتمعهْ
خبرٌ خبرتهُ، فاسمعْ، ولا تقعدنْ من بعدِ أن تستمعهْ