ولد العجاج وأبو النجم جميعًا بالقاعة. والقاعة أرض بكر بن وائل دون البحرين. وهو العجاج بن رؤبة، وهو أول من أطال الرجز، وكان في الرجاز ك امرئ القيس في الشعراء. وقيل ليونس: من أشعر الناس؟ فقال: العجاج، قيل: لم نسأل عن الرجاز، قال: واشعر أصحاب القصيد، إنما الشعر كله كلام، فأجودهم كلامًا أشعرهم، ليس في شيء من شعر العجاج شيء من الكلام يستطيع قائل أن يقول: لو كان مكانه غيره كان أجود. قال العجاج:
قد جبرَ الدينَ الإلهُ فجبرْ
وهي نحو من مائتي بيت، وهي مقيدة القافية، فلو أطلقت قوافيها كلها كانت منصوبة.
وسئل الأصمعي عن أشعر الرجاز، فقال: العجلي، ثم السعدي، ثم العجلي، ثم السعدي. يريد بالعجلي الأول: الأغلب، وبالسعدي الأول: العجاج، وبالعجلي الثاني: أبا النجم، وبالسعدي الأخير: سليمان بن رؤبة.
وإنما سمي شعر الرجز رجزًا لتدارك أجزائه. وهو مأخوذ من الإرتجاز، وهو صوت الرعد المتدارك. والرجز مصدر يرجزون ويرتجزون إرتجازًا. الواحدة أرجوزة، والجمع الأراجيز. قال أبو عبيدة: قال العجاج أبياتًا من رجزه في الجاهلية، ولم يدرك سلطان سليمان بن عبد الملك. وقال له عبد الملك بن مروان: أتحسن الهجاء؟ قال: إن لنا حلمًا يمنعنا أن نظلم، وعزًا يمنعنا أن نظلم.
[ ٢٧ ]
وكان العجاج يرى المتعة بغير شاهد. وقيل: إنه قدم إلى والي اليمامة إمرأة، ادعى تزويجها، فأنكرت المرأة، فسأله البينة، فأنشد:
وفالقِ الحبِّ، وفلاقِ النوى
لقد مددنا أيديًا تحتَ الدجى
تحت. . . الليلِ، والليلُ يرى
صفتًا، وكلٌ معجبٌ بما اشترى
وله يهجو بنيه:
إنَّ بنيَّ للئامٌ زهدهْ
ما عندهمْ لأحدٍ من موددهْ
إلاّ كودِّ مسدٍ لقرمدهْ
فقال ولده رؤبة يجيبه:
عجاجُ ما كنتَ بأرضٍ مأسدهْ
إنَّ بنيكَ لكرامٌ مجدهْ
ولو دعوتَ، لأتوكَ حفدهْ
الاحتفاد: السرعة، والحفد في الخدمة.
وقيل: إن العجاج استقرض من بنته حومة بكرًا، فمطلها به سنة وشهرًا، وكان له جمل، يقال له جوجله، فسألته حومة أن يدفع إليها ذلك الجمل، بدلًا من بكرها، فقال العجاج:
قد أقرضتْ حومةُ قرضًا عسرا
ثمَّ تعدتْ بازلًا ضبطرا
حوجلة القبعثري الدمثرا
الدمثر: الكبير الفم.
فأجابته حومة:
يا أبتي زادكَ ربِّ وفرا
وزادَ في عمركَ، أيضًا، عمرا
بعد نسائي سنةً وشهرا
تمتعني حوجلةَ الدمثرا
وقال العجاج:
والشمسُ قد كادتْ تكونُ دنفا
أدفعها بالراحِ كي تزحلفا دنفا: تموت، أو تصفر للغروب. وتزحلف: تنحى وقال الآخر:
تنورتها من أذرعاتٍ، وأهلها بيثربَ، أدنى، أدنى دارها نظرٌ عالِ
تنورتها: رأيت نارها.
ومثله:
أليسَ بصيرًا من يرى، وهو قاعدٌ بمكةَ، أهلَ الشامِ يختبزونا
قال بعضهم: رأى أهل الشام بمكة وهم يختبزون.
وقال إبن شبة: إجتمع على باب عبد العزيز كثير والعجاج ونصيب، فأبطأت عليهم جوائزهم، فأرادوا تحريكة، فقال كثير في ذلك:
ولقدْ علمتَ، وأنتَ تعلمهُ أنَّ العطاءَ يشينهُ الحبسُ
وقال العجاج:
إني امرؤٌ قد ثبتتْ فراستي
فأنجزنَّ، يا هديتَ، حاجتي
وقال نصيب:
حتى متى حاجةٌ، لو شئتَ، قد قضيتْ محبوسةٌ ما لها وردٌ ولا صدرُ
ويروى أن العجاج أنشد سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز حاضر قوله:
يا خيرَ نفسٍ خرجتْ من نفسِ
خرجتَ بينَ قمرٍ وشمسِ
ومما يشبه هذا أن كعب بن زهير أشد أبا بكر، ﵁، قصيدة زهير، فلما بلغ إلى قوله:
لو كنتَ من شيءٍ سوى بشرٍ كنتَ المنورَ ليلةَ القدرِ
والستر دون الفاحشاتِ، ولا يلقاكَ، دونَ الخيرِ، من سترِ
فذرفت عينا أبي بكر، وقال: هكذا كان رسول الله صلى الله عيه وسلم.