لما دخل بغداد، وقتل محمدًا الأمين، وجاء برأسه إلى المأمون، ونصب جثته، واستتر في مستتره، بلغه أن إبراهيم المهدي عازم على الخروج للطلب بدم الأمين، واتصل به أن أبراهيم قال:
ألا إنما حزني عليكَ سجيةٌ وما عذرُ مثلي أنْ يكونْ مقصرا
بكيتكَ إذ قلَّ النصيرُ، ولم أجدْ عميرةَ وهن في العدوِّ، فأثأرا
واتصل بالمأمون. فيروى أن المأمون كان إذا رآه بعد ذلك قال: وجدتها بعد يا بن شكلة. وكانت أم إبراهيم اسمها شكلة. فكتب إليه طاهر: عافانا الله وإياك من السوء، أما أنه قد كان يعز علي أن أكتب إلى رجل من أهل الخلافة بغير الإمرة، ولكني ظننت بك، وتوهمت عليك أنك مائل بالرأي، مضيع بالهوى إلى الناكث المخلوع. فإن يك ما ظننت بك كالذي ظننت بك، فكثير ما كتبت به إليك، وإن يكن غير ذلك فالسلام عليك، أيها الأمير، ورحمة الله وبركاته. وقد كتبت إليك بأبيات:
ركوبكَ الأمر ما لم تبلُ فرصتهُ جهلٌ، ورأيكُ بالأقحامِ تغريرُ
أقذرْ بدنيا ينالُ المخطئونَ بها حظَّ المصيبينَ، والمغرورُ مغرورُ
تالله ما زالتِ الدنيا، وصاحبها يضحي سليمًا، ويمسي وهو مقبورُ
فإنْ ظفرتَ مصيبًا، أو هلكتَ بهِ فأنتَ، عندَ ذوي الألبابِ، معذورُ
فاعملْ صوابًا، وخذْ بالحزمِ مأثرةً فلنْ يذمَّ لأهلِ الحزمِ تدبيرُ
فإنْ ظفرتَ، على جهلٍ، ففزتَ بهِ قالوا: جهولٌ أعانتهُ المقاديرُ
[ ٣٤ ]
وهذه أبيات رضية حسنة جدًا، جزلة بها حكمة. وله أيضًا:
ملكتُ الناسَ قهرًا واقتدارًا وقتلتَ الجبابرةَ الكبارا
ووجهتُ الخلافةَ نحو مروٍ إلى المأمونِ تبتدرُ ابتدارا
نصبتُ لا المنايا فاستدارتْ لقاحًا، بعدَ ما كانت نوارا
حبيتُ المترفَ المخلوعَ حتى نسجتُ من الدماءِ له إزارا
هتكتُ حجابهُ، وسريتُ عنهُ رداءَ الملك ذلًا واقتسارا
فتكتُ به برغم بني أبيهِ ولو نطقوا لصاروا حيثُ صارا
أصمُّ عن العتابِ، ويزدهيني قراعُ الخيلِ، إما النقع ُثارا
وكان طاهر، مع جودة شعره، ظاهر البلاغة. ولما قتل علي بن عيسى بن ماهان، كتب إلى المأمون بخطه: كتابي إلى أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، من مضرب ابن ماهان، ورأسه بين يدي، وخاتمه في إصبعي. والسلام. ولما قتل الأمين ما في الكتاب الآن إنشاء رسالة، لتعرض على طاهر، فيكتب ما يستحسن، فدعا بكاتبه، وقال: اكتب: أما بعد، فإن المخلوع، وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرق بينهما حكم الكتاب في الولاية والحرمة، لمفارقته وفيه عصمة الدين، وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين. يقول الله ﷿ في حق نوح وابنه: " يا نوح إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح " ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وكتابي إلى أمير المؤمنين، وقد قتل الله المخلوع، ورداءه رداء عمله ونكثه، وأحمد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظر من صدق وعده، والحمد لله رب العالمين.
ولما قدم المأمون مدينة السلام ولى طاهرًا خراسان، وصار إلى سمرقند، فصعد المنبر فحمد الله، واثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه، ثم قال: من كان أقلته خوف، أو أرقه جور، فهذا أوان العدل، فلينم. فلما تمكن بخراسان، جعل إبراهيم بي المهدي وغيره يحضون المأمون على قتله، ويحذرونه غائلته، فهم المأمون بالإيقاع به، وإعمال الحيلة عليه. فاتصل به بعض ذلك، فقال:
عتبتُ على الدنيا، فجفتْ ضروعها فما الناسُ إلا بين راج فعايفِ
وأصبحتُ في دهرٍ، كثيرٍ صروفهُ كأني فيه من ملوكِ الطوائفِ
قتلتُ أميرَ المؤمنينَ، وإنما بقيتُ فداءً، بعدهُ، للخلائفِ
وقد بقيت في أمِّ رأسي فتكةٌ تكونُ لحزمٍ، أو لرأيٍ مخالفِ
فاتصل شعره بالمأمون، فأظهر خلاف ما كان عزم عليه.