كان سعيد بن حميد كاتبًا مجيدًا، وشاعرًا مفلقًا، وكان كلامه عذبًا، ومعانيه حلوة. فمن مختار شعره الذي كتب به إلى بعض إخوانه في عتاب:
أقللْ عتابكَ، فالبقاءُ قليلُ والدهرُ يعدل مرةً، ويميلُ
لم أبكِ من زمنٍ ذممت صروفهُ إلا بكيتُ عليهِ حين يزولُ
ولكلِّ نابيةٍ ألمت مدةٌ ولكلِّ حالٍ أقبلتْ تحويلُ
وأراكَ تكلفُ بالعتابِ، وودنا صافٍ، عليه من الوفاءِ دليلُ
ولعلَّ أيام الحياةِ قصيرةٌ فعلامَ يكثرُ عتبنا ويطولُ
وأما قوله: لم أبك من زمن ذممت صروفه فمأخومذ من قول القائل:
ربَّ دهرٍ بكيتُ منه، فلما صرتُ في غيرهِ بكيتُ عليهِ
ومن قول الآخر:
عتبتُ على سلمٍ، فلما فقدتهُ وجربتُ أقوامًا، بكيتُ على سلمِ
وقول الآخر:
كم من أخٍ يتشكى من خلائقهِ ناسٌ عليه، وتبكيهِ إذا بانا
وقول محمود الوراق:
لم أبكِ من خبثِ دهرٍ إلا بكيتُ عليهِ
وقوله:
ولعلَّ أيام الحياةِ قصيرةٌ فعلامَ يكثرُ عتبنا ويطولُ
فهو من قوله:
العمرُ أقصرُ مدةً من أن يصرمَ بالعتابِ
وقول الآخر في الحث على العتاب:
إذا كنتَ لا تعتبُ ولا أنا أستعتبُ
تطاولَ هجراننا وأيامنا تذهبُ
وقال أيضًا:
نقضت لباناتي، وأعتبتُ عاذلي فلم يبقَ من أيامِ لهوي سوى الذكرِ
وأصبحتُ قد ودعت ما كنت آلفًا كذلكَ أحكامُ الحوادثِ والدهرِ
إذا كنتُ قد أيقنتُ أني راحلٌ وقصرتُ في زادِ الرحيلِ، فما عذري
ولسعيد بن حمي أيضًا:
قل لمن شطَّ المزارُ بهِ ليتَ شعري عنكَ ما خبركْ؟
أعلى حفظٍ لحرمتنا أمْ عفى من ودنا أثركْ
لو تكون الدارُ دانيةً نمَّ بالمكتومِ لي نظركْ
وهذا أيضًا قد إشترك الشعراء فيه، غير أن سعيدًا دققه. وهو من قول الآخر:
لا شاهدٌ عندي على غائبٍ أعدل من طرفٍ على قلبِ
وقال الآخر:
تخبركَ العينُ بكلِّ الذي في القلبِ من من بغضٍ، ومن حبِّ
وقال الآخر:
إنَّ العيونَ تدلُّ بال نظر الملحِّ على الدخيلِ
إما على حبٍّ شدي دٍ، أو على بغضٍ وبيلِ
وقال آخر:
وأعرفُ منها في الحبِّ لين طرفها وأعرفُ منها البغضَ بالنظرِ الشزرِ
وقال آخر:
إنَّ العيونَ لتبدي في تقلبها ما في الضمائر من بغضٍ، ومن ومقِ
إذا وددنَ امرءًا، أو حزنَ بغضتهُ أفضى الضميرُ بما تهوى إلى الحدقِ
وقال سعيد بن حميد:
قربتَ، وما ترجو اللقاءَ، ولا ترى لنا حيلةً يدنيكَ منا احتيالها
وأصبحتَ كالشمسِ المنيرةِ، ضوؤها قريبٌ، ولكن أين منكَ منالها
كطاعنةٍ ضنتْ بها غربةُ النوى علينا، ولكن قد يلمُّ خيالها
تقربها الآمالُ، ثمَّ تعوقها مماطلةُ الدنيا بها، واعتلالها
أخذ هذا المعنى بعضهم، فقال:
كالشمسِ مخلوعٌ عليك شعاعها أبدًا، وليس لقاؤها لكَ هينا
وقال ابن عيينة:
فقلتُ لأصحابي هي الشمسُ، ضوءها قريبٌ، ولكن في تناولها بعدُ
وقال العباس بن الأحنف:
لعمري لقد جلبتْ نظرتي إليكِ على بلاءً طويلا
[ ٤٥ ]
فيا ويحَ منْ كلفت نفسهُ بمن لا يطيقُ إليهِ السبيلا
هي الشمسُ مسكنها في السما ءِ، فعزِّ الفؤادَ عزاءً جميلا
فلن تستطيعَ إليها الصعو دَ، ولن تستطيعَ إليكَ النزولا
آخر:
وأضحتْ مكانَ الشمس يقربُ ضوءها ويا بعدها عن قبضةِ المتطاولِ
ولسعيد بن حميد:
ولو كتمتُ الحبَّ خوفَ العدا لأخبرَ الدمعُ بما أضمرهُ
أو يعذلُ العاذلُ في حبها فالوجهُ منها في الهوى يعذرهْ
أخذ هذا المعنى الحسين بن الضحاك، فقال:
فإن عنفني الناسُ ففي وجهكِ لي عذرُ
وقال آخر:
عذلاني على هواها، فلما أبصرا حسنَ وجهها عذراني
وقل إبرهيم بن المهدي:
ويدٌ لحسنكَ لا أقومُ بشكرها في بسطِ معذرتي ولومِ العاذلِ
وأخذ هذا البحتري فأجاد:
يلامُ العاشقونَ إذا أحبوا ويلحى كلُّ ذي كلفٍ سوائي
وذاكَ لأنني أحببتُ بدرًا يرهُ الناسُ كلهمُ برائي
وللابن حميد:
وكم من قائلٍ قد قالَ: دعهُ فلم يكُ ودهُ لكَ بالسليمِ
فقلتُ: إذا جزيتُ الغدرَ غدرًا فما فضلُ الكريمِ على اللئيمِ
ولمحمود الوراق:
إني شكرتُ لظالمي ظلمي وغفرتُ ذاكَ له على علمِ
ورأيتهُ أسدى إليَّ يدًا لما أبانَ بجهلهِ حلمي
وقال آخر:
شكرتُ أخي، وقد أبدى جفاءً وبخلًا، ثمَّ فاجأني بظلمِ
فلولا بخلهُ ما بانَ جودي ولولا جهلهُ ما بانَ حلمي
ولسعيد:
وكنتُ إذا ما صاحبٌ خفتُ غدرهُ صددتُ، وبعضُ الصدِّ في الودِّ أمثلُ
إذا حلَّ ضيمٌ منزلًا لم أقم بهِ على الضيمِ، إلا ريثما أتنقلُ
أرى الموتَ عزًا، والحياةَ ذميمةً إذا نالني فيه أذىً وتذللُ
أبتْ لي أن أقتادَ للضيمِ همةٌ سمتْ، ولها بين السماكينِ منزلُ
وهذه أبيات حسنة جدًا، والبيت الثاني منها مأخوذ المعنى. وأول من جاء به امرؤ القيس في قوله:
وإذا أذيتُ ببلدةٍ ودعتها حتى أقيمَ بغيرِ دارِ مقامِ
واتبعه الشعراء، فأكثروا فيذلك. فمن ذلك قول بعضهم:
وكنتُ إذا دارٌ نبت بي تركتها لغيري، ولم أقعدْ على غيرِ مقعدِ
ولابن منير:
وإذا الفتى لاقى الهوانَ نزيله في بلدةٍ، فالعزمُ أنْ يترحلا
ولمؤلف الكتاب:
وإن نبت بكَ دارٌ فانتقل عجلًا فإنَّ رزقكَ يومًا غيرَ منتقلِ
وما بقي أحد إلا وق ألم بهذا المعنى.
وقال سعيد:
إذا نأى عنكمُ، فالقلبُ عندكم فقلبهُ، أبدًا، منهُ على سفرِ
وهو مأخوذ من قول ابن أبي عيينة:
جسمي معي، غيرَ أنَّ القلبَ عندكم فالجسمُ في غربةٍ، والقلبُ في وطنِ
فليعجبِ الناسُ مني أنَّ لي بدنًا لا قلبَ فيهِ، ولي قلبٌ بلا بدنِ
ومما يستظرف من معانيه قوله:
فرقا بيني وبين ال همِّ بالراحِ الشمولِ
وأصبحاني قبلَ أن يص بحني عذلَ العذولِ
مالَ بي عن طاعةِ العذ لِ إلى السكرِ الطويلِ
ما أرى من سخطِ الدن يا على أهلِ العقولِ
وهي مأخوذة من قول الأعرابي حين قال:
لما رأيتُ الدهرَ دهرَ الجاهلِ ولم أرَ المحرومَ غيرَ العاقلِ
شربتُ كأسًا من كرومِ بابلِ فرحتُ من عقلي على راحلِ
ولابن حميد:
أطعِ الشبابَ، فإنما دنياكَ أيامُ الشبابِ
فإذا انقضى سكرُ الشبا بِ، فملْ إلى سكرِ الشرابِ
ومثله لأبي نواس:
لا عيشَ إلا في زمانِ الصبا فإن تقضى، فزمانُ المدامِ
وله في وصف مغنية:
غناءُ، ريا، خيرُ ما تسمعُ يشفى به ذو السقمِ، الموجعُ
أوتارها تنطقُ حتى ترى أجفانَ ذي الشوق لها تدمعُ
لقد تمنيتُ لها أنَّ لي في كلِّ عضوٍ أذنًا تسمعُ
ومثله لبي تمام:
يودُّ ودادًاأنَّ أعضاء جسمهِ إذا أنشدتْ، شوقًا إليها، مسامعُ
وللآخر:
غنتْ فلم تبقَ فيَّ جارحةٌ إلا تمنيتُ أنها أذنُ
ولابن حمي:
نائي المحلِّ ينالهُ النظرُ حلو الشمائلِ، قلبهُ حجرُ
[ ٤٦ ]
وقفَ الجمال على محاسنهِ فبكلِّ جارحةٍ له قمرُ
ضمنتُ محاسنهُ لواصفه ألا يكذبَ وصفهُ النظرُ
وهو مأخوذ من قول أبي نواس:
يا منْ رضيتُ من الخلقِ الكثيرِ به أنتَ القريبُ، على بعدٍ من الدارِ
وقال آخر:
أبلغْ أخاكَ أخا الإحسانِ، بي حسنًا أني، وإن كنتُ لا ألقاهُ، ألقاهُ
وأنَّ طرفي معقودٌ بناظرهِ وإنْ تباعد عن مثوايَ مثواهُ
ووجدت هذا المعنى سبكًا حسنًا، وابلغ لابن منير الأطرابلسي قوله:
وأقربُ ما يكونُ هواكَ مني إذا ما غابَ شخصكُ عن عياني
كأنكَ قد ختمتَ على ضميري فغيركُ لا يمرُّ على لساني
وأما قوله: فبكل جارحة له قمر، فإنه مخوذ من قول الأول:
كأنما أفرغتْ من ماءِ لؤلؤةٍ في كلِّ جارحةٍ من خلقها قمرُ
وأول من ابدع هذا مسلم في قوله:
في كلِّ عضو فيك بدرٌ طالعٌ ومدامعي من كلِّ عضوٍ تذرفُ
ومن قول سعيد:
بكرتْ أوائلُ للربيعِ، فنشرت حللُ الرياض بجدةٍ وشبابِ
وغدا الحسابُ يكادُ يسحبُ في الثرى أذيالَ أسحمَ، حالك الجلبابِ
يبكي ليضحكَ نورهنَّ، فيالهُ ضحكًا تبسمَ عن بكاءِ سحابِ
وترى السماءَ وقد أسفَّ ربابها وكأنما لحقت جناحَ غرابِ
وترى الغصونَ إذا الرياحُ تناوحت ملتفةً، كتعانقِ الأحبابِ
وهذا بديع جدًا، فأما قوله: فياله ضحكًا تولد عن بكاء سحاب، فهذا المعنى أول من ابتدعه أبو الشيص، حيث قال:
بكتِ السماءُ بها، فقد ضحكت منها الرياضُ بدمعها السربِ
وذكروا أنه أخذه من قول ابن مطير، حيث قال:
كل يوم يسرنا اقحوان تضحك الأرض عن بكاء السماء
ثم تداولته الألسن. وقال آخر:
إذا ما بكتْ عينُ السماءِ تهللت مضاحكُ وجهِ الأرضِ من كلِّ جانبِ
وقال عبيد الله بن عبد الله:
شموسٌ وأقمارُ من الزهر طلعٌ لذوي اللهو في أكنافها متمتعُ
كأنَّ عليها من مجاجةِ زهرها لآلي، إلا أنها منهُ ألمعُ
نشاوى تثنيها الرياحُ فتنتشي فيلثمُ بعضٌ بعضها، ثمَّ يرجعُ
وأنا أحسن قول الآخر في السرو:
حفتْ بسروٍ كالقيانِ تلحفت خضرَ الحريرِ على قوامٍ معتدلْ
وكأنها، والريحُ تخطرُ بينها تنوي التعانقَ، ثمَّ يمنعها الخجلْ
ومن قول سعيد:
تمتعتُ باللهو حتى انقضى ولم تبقَ لذةُ ما قدْ مضى
وأغفلتُ ما كنتُ أولى به من العملِ الصالحِ المرتضى
أخبُّ وأرفلُ في الظاعنينَ قرينَ الكلالِ، قعيدَ الرضا
أرومُ وأطلبُ قربَ البعيدِ وهيهاتَ هيهاتَ طالَ الفضا
ولي أجلَّ حنقٌ ثائرٌ على مهجةٍ شاهر المنتضى
هما للضرابِ، وآياته فوادحُ شيبٍ، كنورٍ أضا
يحثُّ الفؤادَ على رشده ويأباهُ مستأثرًا معرضا
فيا لذةً أورثت حسرةً ويا غفلةً أورثتْ مرمضا
ديونكَ من قبلِ أن تنتضى ونفسكَ من قبلِ أنْ تقبضا
ومما يستحسن من غزله:
الله يعلمُ، والدنيا مفرقةٌ والعيشُ منتقلٌ، والدهرُ ذو دولِ
لأنتَ عندي، وإن ساءت ظنونكَ بي أحلى من الأمنِ عندَ الخائفِ الوجلِ
وللفراقُ، وأن هانت فجيعتهُ عليكَ، أخوفُ في نفسي من الأجلِ
وكيفَ أفرحُ بالدنيا وزينتها واليأسُ يحكمُ للأعداءِ في أملي
ومما يختار من مراثيه، قوله يرثي عبد الله بن صالح الحسيني:
بأيِّ يدٍ أسطو على الدهرِ بعدما أطارَ يدي عضبُ الذبابين، قاضبُ
وهاض جناحي حادثٌ جلِّ خطبهُ فسدت على الصبرِ الجميلِ المذاهبُ
ومن عادة الأيامِ أنَّ خطوبها إذا سرَّ منها جانبٌ، ساءَ جانبُ
لعمري لقد عاقَ التجلدَ أننا فقدناكَ فقد الغيثِ، والعامُ جادبُ
فقدنا فتىً قد كانَ للأرض زينةً كما زينت وجهَ السماءِ الكواكبُ
لعمري لئن كان الردى بكَ فاتني وكلُّ امرئٍ يومًا، إلى الله، ذاهبُ
لقد أخذتْ مني النوائبُ حكمها فما تركتْ حقًا عليَّ النوائبُ
[ ٤٧ ]
سقى جدثًا أمسى الكريمُ بن صالحٍ يحلُّ به، دانٍ من المزنِ، صائبُ
إذا بشرَ الواردَ بالغيثِ ودقهُ مرتهُ الصبا، واسحلبتهُ الجنائبُ
ومما يستحسن من هجائه:
يا حجةَ الله في الأرزاقِ والقسمِ ومحنةً لذوي الأخطارِ والهممِ
ما أن رأيناكَ في نعماءَ سابغةٍ إلا وربكَ غضبانُ على النعمِ
ومثل هذا قول أبي هفان:
ليستِ الغمةُ، عبدَ الل هِ في مثلكَ نعمهْ
وله معنى مطبوع، وإن كان فحشًا وسفهًا: أخذ هذا المعنى من قول دعبل في يزيد بن مزيد:
وكان يزيدٌ أبو خالدٍ إذا باتَ متخمًا عاقدا
يضيقُ بأولادهِ بطنهُ فيخراهمُ واحدًا، واحدا