كان عبد الله هذا يقيم بسر من رأى، وله أشعار حسنة، وكان لا يفارق أبا تمام، وكان الحسن بن وهب قابلًا له، محسنًا إليه. ومما يرثي به أبا تمام:
ماتَ بديعُ الشعرِ، والظرفُ والأدبُ الموصوفُ والوصفُ
يا جدثًا حلَّ ابنُ أوسٍ به واغتالهُ من زمنٍ صرفُ
إنْ لم يكنْ جادكَ مزنٌ فقد جادتك منا أعينٌ ذرفُ
وله أيضًا:
أظنُّ الدهرَ قد آلى فبرا بألا يكسبَ الأموالَ حرا
كأنَّ صفائحَ الأحرارِ أردت أباهُ، فحاربَ الأحرارَ طرا
وأصبحَ كلُّ ذي شرفٍ ركوبًا لأعناقِ الدجى برًا وبحرا
يهتكُ جيبَ درع الليل عنه إذا ما جيبُ درع الليلِ زرا
يراقبُ للغنى وجهًا ضحوكًا ووجهًا للمنيةِ مكفهرا
ليكسبَ من أقاصي الأفق ِكسبًا يحلُّ به المحلَّ المشمخرا
[ ٢٢ ]
ومنْ جعلَ الظلامَ له قعودًا أصابَ يدَ الدجى خيرًا وشرا
وكان عبد الله هذا كثير الذم لسر من رأى، ومنه قوله:
لعنَ الله سرَّ منْ را بلادًا ورماها بالقحطِ والطاعونِ
بعتُ في الصيفِ عندهم قبة الخي شِ، وبعتُ الكانونَ في كانونِ
ومنه قوله:
لعمركَ ما سررتُ بسرّ من را ولكني عدمتُ بها السرورا
رأيتُ بها القصورَ مشيداتٍ على قومٍ يشينونَ القصورا
إذا قيل: البسوا، لبسوا المخازي وإنْ قيل: اركبوا، ركبوا الأيورا
وكتب الحسن بن وهب إلى مالك بن طوق لأجله كتابا، وهو: كتابي إليك كتاب خططته بيدي، وفرغت له دهني، فما ظنك بحاجة هذا موقعها مني؟ أتراني أقصر في الشكر عليها، أم أقبل العذر فيها. وابن أبي الشيص ممن عرفت حاله وخالص مودته، وصفاء سريرته. ولو كانت الدنيا تنبسط بيده ما عدانا إلى غيره. فاكتف بهذا مني فيه وله، والسلام.
وكتب إلى بعض إخوانه:
رداؤكَ في الحربِ العوانِ هو الردى ورأيكَ في داجي الخطوبِ هو الفجرُ
ولو أنَّ للأوعارِ والسهلِ ألسنًا لأثنى عليكَ السهلُ بالجودِ، والوعرُ
أسلكَ بحقِّ الراحِ والرشأ الذي له في حواشي طرفهِ، أبدًا، سحرُ
ترى منكَ ماءَ الوجهِ في ماءَ وجههِ وللعينِ في ديباجِ بهجتهِ زهرُ
فانَّ له حقًا على كلِّ ذي هوىً وللكأسِ أجرٌ حقهُ، أبدًا، وزرُ
بحقيهما ألا قبلتَ مموهًا من العذرِ يهديهِ امرؤٌ ماله عذرُ
فإنْ يكُ غدارًا فمن آلِ دعبلٍ فإنهمُ قومٌ، وفاؤهمُ غدرُ
إذا عاهدوا فالنكثُ بحتُ عهودهم وإنْ وصلواخلًا، فوصلهمُ هجرُ
سأكفيكَ يا ابن المجدِ ذمي، ولم تكنْ لتبلغَ من ذمي الذي بلغَ الشعرُ