كان ماني شاعرًا مفلقًا مبرزًا. فمن شعره:
وكأنما نهكتْ قوى أجفانهِ بالراحِ، أو سبيتْ بإغفاءِ
لو صافحَ الماءَ القراحَ بكفهِ لجرتْْ أناملهُ مع الماءِ
يرنو إلى نعمٍ بلحظةِ مسعفٍ ولسانهُ وقفٌ على لاءِ
ماءُ النعيمِ بخدهِ متقطرٌ والصدغُ منه كعطفةِ الراءِ
وقوله، وقد جاء في بيت واحد، بمعنيين، وابن الرقع جاء في بيتين بمعنى واحد. وروي عن الأصمعي أنه قل: أحسن ما قيل في العين قول ابن الرقاع:
وكأنها بين النساءِ أعارها عينيهِ أحورُ من جآذرِ جاسمِ
وسنان أقصدها النعاسُ، فرنقتْ في عينه سنةٌ، وليسَ بنائمِ
وروي عن إسحاق بن خلف، وكان شاعرًا لأبي دلف، قال: قدم أبو دلف من بعض حروبه، وقد فتح الله على يديه، وكان له فرس قد وجد بركة في لقاء العدو، وهو راكبه، وإذا دخل المدينة ركبه. فعن لي أن أنظم شعرًا في المعنى، وقد جازت جيوشه وجنوده. فأنا قائم ألوك الشعر وأفكر في النظم، رأيت رجلًا وفي يده قطعة تمر يأكلها، فلما سمع همهمتي بالشعر أنصت له، وترك أكل التمر، وقال لي: أ، ت شاعر. فأطرقت وأقبل أبو دلف، فوقفت له بباب الرصافة، فأنشأت أقول في الفرس:
كمْ كمْ تجرعهُ المنونُ فيسلمُ لو يستطيعُ شكا إليكَ له الفمُ
في كلِّ منبت شعرةٍ في جلدهِ خطٌ ينمقهُ الحسامُ المخذمُ
ما تدركُ الأرواحُ أدنى جريهِ حتى يفوتَ الريحَ، وهو مقدمُ
رجعتهُ أطرافُ الأسنةِ أشقرًا واللون أدهم حين ضرجهُ الدمُ
وكأنما عقدَ النجومَ بطرفهِ وكأنه بعرا المجرةِ ملجمُ
فنظر مليًا وقال، وهو يأكل التمر، إسمع:
كراتُ لحظكَ في العدى تغنيكَ عن سلِّ الذكورِ
فسمع أبو دلف قولي وقوله، فقل لي: ما قلت مثل هذا. ثم طلب فهرب. وذكر أن جماعة تحدثوا عند ماني على أجود ما قيل في صفة الشعر، فقل شخص منهم: أحسن ما قيل قول كثير:
[ ٦٤ ]
غراءُ تسحبُ من قيامٍ شعرها وتغيبُ فيهِ، وهو جثلٌ أسحمُ
فكأنها فيهِ نهارٌ مشرقٌ وكأنهُ ليلٌ عليها مظلمُ
قال: وماني مشغول بأكل قطعة ناطف في يده، فقال: إسمعوا ما قلت، قلنا: هات، فقال:
نشرتْ عليَّ غدائرًا لتظلني خوفَ العداةِ، من العدوِّ الموبقِ
فكأنها، وكأنني، وكأنهُ صبحانِ باتا تحتَ ليلٍ مطبقِ
قال: فقلت: أنت أشعر وأحسن تشبيهًا، ذاك شبه شيئين بشيئين، وأنت شبهت ثلاثة أشياء بثلاثة.
ومن مليح غزله:
دعتني جهارًا إلى عشقها ولم تدرِ أني ما أعشقُ
فقمتُ، ومن مفرقي في الهوى إلى قدمي، ألسنٌ تنطقُ
وله:
ها أنذا تسقطني للبلى عن فرشي أنفاسُ عوادي
لو يحسدُ السلكُ على دقةٍ حقًا، لأضحى بعضَ حسادي
وله:
صعبتَ جدًا، فما تراضُ وفي جناحي لكَ انخفاضُ
مالي إذا ما ظننتُ ظنًا أخلفَ ظني بكَ انتقاضُ
ما يفعلُ السيفُ حين يمضي ما تفعلُ الأعينُ المراضُ
وله:
معذبُ القلبِ بالفراقِ قد بلغتْْْ نفسهُ التراقي
يحنُّ شوقًا إلى غزالٍ أزمعَ للبينِ بانطلاقِ
لم يبقِ منه السقامُ إلا جلدًا على أعظمٍ دقاقِ
لولا تسليهِ بالتمني آذنتِ النفسُ بالفراقِ
ومن غزله:
هيفُ الخصورِ، قواصدُ النبلِ قتلننا بعيونها النجلِ
كحلَ الجمالُ عيونَ أوجهها فغنينَ عن كحلٍ بلا كحلِ
وكأنهنَّ إذا أردنَ خطىً يقلعنَ أرجلهنَّ من وحلِ
أخذ معنى البيت الثاني نت قول الآخر:
فلشعرها من شعرها رجلٌ ولعينها من عينها كحلُ
وأما قوله: يقلعن أرجلهن من وحل مأخوذ أيضًا من:
وبيض تطلى بالعبيرِ، كأنما يطأنَ، وقد أعنقنَ في جددٍ، وحلا