كان شاعرًا حلو الألفاظ، عذب المعاني. له أشعار في ايام المأمون، ومدائح في المعتصم والواثق. وكذلك له أهاج بينه وبين عبد الله بن طاهر، وابن ابي دؤاد مشهورة، وغير ذلك من غزل وعتاب، واشعار وهو معتقل، وفي فنون أخرى. وسنذكر من ذلك لمعًا، ومختصرًا.
فمن شعره ما وجه به إلى المأمون، لما هم بالصفح عن إبراهيم بن المهدي، يذكر ما كان منه في طلب الملك، ويحرضه عليه، وهو قوله:
فإنْ قلت قد رامَ الخلافةَ غيرهُ فلم يؤتَ، فيما كاَن حاولَ، من جدِّ
فلم أجزهِ، إذ خيبَ الله سعيهُ على خطأ، إنْ كانَ منه، ولا عمدِ
ولم أرضَ بعد العفوِ حتى فقدته وللعمُّ أولى بالتغمدِ والرفدِ
فليسَ سواءً خارجيٌ رمى به إليكَ سفاهُ الرأي، والرأيُ قد يردي
تعادتْ له من كلِّ أوبٍ عصابةٌ متى يوردوا، لا يصدروهُ عن الوردِ
وآخر في بيتِ الخلافةِ تلتقي به وبكَ الآباءُ في ذروةِ المجدِ
فمولاكَ مولاهُ، وجندكَ جندهُ وهل يجمعُ القينُ الحسامينِ في غمدِ
وقد رابني من أهلِ بيتكِ أنني رأيتُ لهم وجدًا بهم، أيما وجدِ
وجردَ إبراهيمُ للموتِ سيفهُ وأبدى سلاحًا فوق ذي منعةٍ، نهدِ
فأبلى، ولم يبلغْ من الأمرِ جهدهُ فليسَ بمذمومٍ، وإن كانَ لم يجدِ
وهذي أمورٌ قد يخافُ ذوو النهى مغبتها، والله يهديكَ للرشدِ
فهذا تحريض حسن في تلويح جميل، وتعريض مشبع لا يعرف لمحدث مثله. ومن شعره المطبوع في برذون أشهب، كان المعتصم أخذه منه، وكان أحمد بن ابي خالد وشى به إليه، وفي هذه الأبيات أبيات لو أنها مرثية في ولد لحق لها، وهو قوله:
قالوا: جزعتَ، فقلت: إنَّ مصيبةً جلتْ رزيتها، وضاقَ المذهبُ
كيفَ العزاءُ، وقد مضى لسبيلهِ عنا، فوعنا الأحمُّ الأشهبُ
دبَّ الوشاةُ فباعدوهُ، وربما بعدَ الفتى، وهو الحبيبُ الأقربُ
لله يم عدوتَ عني ظاعنًا وسلبتُ قربكَ، أيّ علقِ أسلبُ
نفسي مقسمةٌ، أقامَ فريقها وغدا لطيتهِ فريقٌ يجنبُ
الآنَ إذ كملتْ أداتكَ كلها ودعا العيونَ إليكَ خلقٌ معجبُ
أنساكَ؟ لا برحتْ، إذًا، منسيةً نفسي، ولا زالتْ بمثلكَ تنكبُ
أضمرتُ منكَ اليأسَ حين رأيتني وقوى حبالي من حبالكَ تقضبُ
ورجعتُ، حين رجعتُ منك، بحسرةٍ لله ما صنعَ الأصمُّ الأشيبُ
ومن مديحه في المعتصم ﵁:
[ ٥٠ ]
حلفتُ، ومن حقِّ الذي قلتُ إنني أقولُ واثني بعد ذاكَ، وأحلفُ
لما هابَ هلُ الظلم مثلكَ سائقًا ولا أنصفَ المظلومَ مثلك منصفُ
وكان الذي بينه وبين أحمد بن ابي دؤاد سيئًا جدًا في ايام الواثق، وبسببه حبس، وأخذت ضياعه، وناله ما ناله من العذاب المشهور، مرة في صندوق، ومرة في تنور. فمن قوله في أحمد:
يا سائلي عن أبي عبد الإلهِ لقدْ سألتَ عن رجلٍ، جمِّ الخساراتِ
اللئيمِ، بكتْ عليهِ أهلُ قرى هيتٍ وعاناتِ
فأجابه أحمد:
قلتُ لها حينَ أكثرت عذلي ويحكِ أزرت بكِ الموداتُ
قالتْ: فأينَ الكرامُ، قلتُ لها: لا تسألي عنهمُ، فقد ماتوا
قالتْ: ولم ذاكَ، قلت: فاعتبري هذا وزيرُ الإمامِ زياتُ
وقال محمد فيه:
إنَّ الجديدَ إذا ما زيدَ في خلقٍ تبينَ الناسُ أنَّ الثوبَ مرقوعُ
ولعبد الله بن طاهر في محمد:
أحسنُ من تسعينَ بيتًا هجا جمعكَ معناهنَّ في بيتِ
ما أحوجَ الملكَ إلى مطرةٍ تذهبُ عنها وضرَ الزيتِ
فأجابه محمد:
يا أيها المأفونُ في رأيهِ عرضتَ حوباءكَ للموتِ
قيرتمُ الملكَ، فلم ننقهِ حتى غسلنا القارَ بالزيتِ
ومن أشعاره وهو في الأعتقال:
ربتَ دارٍ بعدَ عمرانها أضحتْ خلاءً، ما بها أهلُ
لم تدخلِ البهجةُ دارَ امرءٍ إلا وما يهدمها داخلُ
ما يأمنُ الدنيا وأيامها بعديَ، إلا عاجزٌ جاهلُ
أما ترى العيشَ بها زائلًا تبًا لدنيا عيشها زائلُ
وقال في ذلك، وكان المتوكل يأمر إبراهيم بن العباس أن يكتب فيه كتابًا، فكتبه، ثم أرسل إليه نسخته. فقرأها محمد، فقال يعزي نفسه:
أرى الدهرَ لا تفنى عجائبُ صرفهِ وأيامهُ ليستْ تقضى غرورها
لئن راعني يومًا كتابٌ قرأتهُ لقد نفدتْ كتبي، فحلتْ أمورها
وقد سارَ في الأمثالِ بيتٌ لخالدٍ وسرُّ أقاويلِ الرجالِ فجورها
فلا تجزعنْ من سنةٍ أنتَ سرتها فأولُ راضٍ سنةً منْ يسيرها
ومما يتمثل به من شعره النادر:
يا سوأتي لفتىً له أدبٌ أمسى هواهُ قاهرًا أدبهْ
يأتي الدنيةَ، وهو يعرفها أعمى عن العيبِ الذي ارتكبهْ
وكتب رجل من الكتاب يقال له عيسى إلى محمد بن عبد الملك رقعة يذكر فيها حرمته، وأنه من أهل البلاغة والأدب، ووقع على موضع العنوان: عيسى. فوقع محمد على ظهر رقعته:
أنى تكونُ بليغًا ونصفُ إسمكَ عيّ
ونصفُ إسمكَ أيضًا ثلثا حروفِ مسيّ