شهر مروان هذا في زامن المتوكل، وتقدم على نظرائه. وسبب ذلك أنه كان يسفه رأي العلويين، الذين يخرجون على بني العباس. ولم يمدح الواثق، وإنما المتوكل أرسل أحضره من اليمامة. ولما دخل على المتوكل أنشده قصيدته التي منها:
أنا ابنُ الذي اشجى عداكم بمدحه وما زاركمْ من شاعرٍ، بعدهُ، مثلي
طلبتمْ، بني البنتِ، التراثَ بأمكمْ وذاك لكم داعٍ إلى البتلِ والشكلِ
أبو طالبٍ أولى بكمْ من محمدٍ إذا نسبَ الأقوامُ، في الجدِّ والهزلِ
فلما فرغ من انشادها أمر المتوكل، فنثر عليه ثلاثمائة ألف دينار، وأمره بالجلوس، وأمر ولاة العهود الثلاثة: المنتصر والمعتز والمؤيد أن يلتقطوها فيجعلوها في حجره. وعقد له على اليمامة والبحرين وطريق مكة. وحسدته الشعراء على مكانه من المتوكل، وهجاه خلق عظيم واستبردوا شعره. فمن ذلك قول الشافعي:
كزَّ أبو السمط بأشعارهِ فصارَ، من إنشادهِ، ميتا
فمنْ أرادَ الموتَ مستصلحًا فليرو، من أشعارهِ، بيتا
وللجماز فيه:
رأينا البردَ مشتدًا فسائلتُ عن القصهْ
فقالوا: إنما أنش دَ شعرُ ابنِ أبي حفصهْ
وهجاه البحتري وعلي بن الجهم، بسبب أنه كان يعرض بذكر علي وولديه ﵈ فمما هجاه به البحتري:
[ ١٦ ]
ولو أعطاكَ ربكَ ما تمنى عليهِ، لزادَ في عظمِ الأمورِ
لأيةِ علةٍ تهجو عليًا بما لفقتَ من كذبٍ وزورِ
أمالكَ في استكَ الوجعاءِ شغلٌ بكفكَ عن أذى أهلِ القبورِ
وأما علي بن الجهم، فكان يهجوه أبو السمط، وابن الجهم يصون نفسه عن هجائه، غير أنه كان يضع من يهجوه. ولما مدح ابن الجهم المتوكل بقصيدته التي أولها:
الله أكبرُ، والنبيُّ محمدٌ والحقُّ أبلجُ، والخليفةُ جعفرُ
قال ابو السمط:
أرادَ عليٌ أنْ يحوكَ قصيدةً بمدحِ أميرِ المؤمنينَ، فأذنا
فقلتُ له: أذنتَ سرًا، فلا تقمْ فلستُ على طهرٍ، فقال: ولا أنا
فلما لح في الهجاء لعلي قال فيه:
بلاءٌ ليسَ يشبههُ بلاءٌ عداوةُ غيرِ ذي حسبٍ ودينِ
يبيحكَ منه عرضًا لم يصنهُ ويرتع منكَ في عرضٍ مصونِ
وكان لأبي السمط ولد يقال له محمود وقد ذكرناه في النسبة، أعطاه المتوكل موضع أبيه، فقال في ذلك:
قد باركَ الله في شعري وشعر أبي والله منَّ على أهلِ اليمامةِ بي
قد باركَ الله في شعرٍ، وليتُ بهِ طرقَ الحجيجِ، وولاني على العربِ
أنا المؤدبُ حقًا، إنما أدبي ضربُ الرقابِ، وليسَ السوطُ من أدبي
كم من فوارسِ قومٍ قد تركتهمُ بالمشرفيةِ فرسانًا على الخشبِ
تلقى اللصوصَ على الأقتابِ مقعيةً ومن فلحتُ به أقعى على الذنبِ