وكان عمارة اشعر ولد جرير، وهو غزير الشعر، كثير التصرف، وأخذ عنه ابن الأعرابي وابن السكيت. ومن شعره:
أرى الناسَ طرًا حامدين لخالدٍ ومأكلهم أفضت إليه صنائعهُ
ولن يترك الاقوام أن يحمد الفتى إذا كرمت أخلاقه وطبائعهُ
فتى أمعنت ضراؤهُ في عدوهٍِ وخصت وعمت في الصديق منافعهُ
فأخذ هذا المعنى أبو هفان، فمدح به ابن ابي دواد، فقال:
ما لي إلى ابن أبي دؤادٍ حاجةٌ تحدو إليه، ولا له عندي يدُ
إلا يدٌ عمت فكنت كواحدٍ ممن يعين على الثناء ويسعدُ
نال البعيدَ عرفه، فشكرته والحرُّ يشكرُ أن ينال الأبعدُ
وقال أيضًا:
وكم قد رأينا من كهامٍ، وجفنه حديدٌ، ورثّ الغمد، وهو جديدُ
ومغتمضٍ في العين صدق ٍلقاؤهُ ومن مالئٍ للعين وهو بليدُ
وشبيه بهذا المعنى:
خلائقُ المرءِ في الدنيا تزينهُ ما إن يزينه طولٌ ولا عظمُ
قد يخلفُ المرءُ، والمرآةُ معجبةٌ وقد يسودُ الفتى في كشحهِ هضمُ
ومثله:
وقد يعجزُ المرءُ السمينُ عن العلى وقد يمنعُ الضيمَ الفتى وهو أعجفُ
وله وقد أسن:
كبرتُث ودقَّ العظمُ مني، وقني بنيَّ، وأجلتْ عن فراشي القعائدُ
وأصبحتُ أعمى لا أرى الشمسَ بالضحى تعيرني بين البيوتِ الولائدُ
وأكثر هجري أهلُ بيتي ومنزلي وبتُّ كأني منهمُ متباعدُ
[ ١٣ ]
وقد كنتُ أغدو في رضاهم كأنني من الطير أقنى ينفضُ الطلَّ صائدُ
ولن تلبثَ الأيامُ شيئًا طلبتهُ وسودُ الليالي المخلداتُ الجدائدُ
ذهبنَ بإسحاقَ الجوادِ مع الذي ببغدادَ صادتهُ المنايا الصوائدُ
يعني إسحاق بن إبراهيم المصعبي، وكان امتدحه فوهب له خمسين ألف درهم.
وقيل لعمارة بعدما عمي: أيما أشعر أنت أبو أبو تمام؟ فقال: أبو تمام، فقيل له: إنك لأشعر منه، فقال: أنا لا أجيد إلا في وصف النؤي والأثافي والديار، وأبو تمام يقول:
لولا العيونُ، وتفاحُ الخدودِ، إذًا ما كان يحسدُ أعمى منْ له بصرُ
فما اشتهيت أن أكون بصيرًا إلا مذ سمعت هذا البيت.
ولعمارة لما دخل بغداد:
ترحلْ، فما بغدادُ دارَ إقامةٍ وما عندَ منْ أضحى ببغدادَ طائلُ
محلّ ملوكٍ سمنهمْ في أديمهم فكلهمُ من حلةِ المجدِ عاطلُ
إذا غطمطَ البحرُ الغطامطُ ماؤهُ فليسَ عظيمًا أن تفيضَ الجداولُ
قوله: سمنهم في أديمهم: كما يقال: سمنهم في عجينهم، أي ما يغذي فضلة.
وأنا أقول: قاتله الله، لو شاهد هذه الأيام المستنصرية، وهذه المواهب التي عمت البرية. ولقد أجاد من قال في هذا العصر المذهب والزمان الفسيح المذهب:
أقمْ في ذرى بغدادَ، تلقَ إمامها مليكًا عليه للنبيِّ دلائلُ
عجبتُ وقد أضحتْ أياديهِ أبحرًا وليس لها إلا النوال سواحلُ
وفي أهل بغدادَ الكرامِ ثلاثةٌ لهم محتدٌ في المكرماتِ، ونائلُ
وزيرٌ سما فضلًا، وأستاذُ دارها حليفُ الندى، وابنُ الدوامي عادلُ
ثلاثةٌ أجوادٍ، لو أفتخرتْ بهم تميمٌ وتيمٌ باهلوا وتطاولوا
ولعمارة أيضًا:
إذا ما سقى الله البلادَ فلا سقى بلادًا بها الميدانُ برقًا ولا رعدا
فيا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً على صدرٍ منها، كما جئتها وردا