فاطمة ويزيد ابنا سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. وهؤلاء كلهم شعراء مشهورون، سوى ثابت فإن شعره ضعيف، ليس هو مما يثبت، إنما له البيت والبيتان، فمن ذلك قوله:
ورثنا من البهلولِ عمرو بنِ عامرٍ وحارثةَ الغطريفِ مجدًا مؤثلا
مواريثَ من أبناءِ بنت أبن مالكٍ وبنت أبن إسماعيلَ، ما أنْ تحولا
وابنته خولة بنت ثابت. وحسان بن ثابت عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، ومات في ايام معاوية. وكانت له ناصية يشدها بين عينيه، وكان يضرب بلسانه أرنبة أنفه، ويكنى أبا الوليد. وأجمع الرواة أم حسانًا أشعر المخضرمين. والمخضرمون: من قال الشعر في الجاهلية والإسلام. وهو شاعر رسول الله، وسماه الحسام. وكان شعره يبلغ من المشركين ما يبلغ السيف الحسام، تى أن أحياء كثيرة اسلمت فزعًا من شعره. وبذلك جاءت الأخبار الصحيحة فيه، وفي عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك. ويقول رسول الله، ﷺ: " المؤمن من جاهد بيده ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ينضحو لهم بالنبل ". وفي حديث آخر: " لكلام هؤلاء النفر من الأنصار أشد على قريش من نضح النبل، وأن الروح لتحضرهم بالتوفيق ".
وممن أسلم من شعر حسان: الزبعري.
وقيل أشعر المسلمين ثلاثة: عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت. وكان عبد الله يعيرهم بالكفر، وكان كعب يخوفهم الحرب، وكان حسان يقدح في أنسابهم، لأنه يعرف الأنساب معرفة جيدة. ولما ألح أبو سفيان في هجو رسول الله، صلى لله عليه وسلم استأذنه ابن رواحة وكعب في هجائه فسكت.
وأما شعراء المشركين: فعمرو بن العاص، وابن الزبعري، وأبو سفيان بن الحرث. وبالاسناد عن عائشة قال: لما هجا المشركون رسول الله، ﷺ، قال: ألا أحد يجيب عنا؟ قالت: فدعونا عبد الله بن رواحة يعارضهم. فعيرهم بالأيام والوقائع والكفر، فلم يبلغ ما يريد. قالت: فدعونا حسانًا، فأخرج لسانه، فضرب به أرنبة أنفه، وقال: والذي بعثك بالحق، ما أحب أن لي مقولًا به في معد. قال: كيف وأنا منهم؟ قال: اسلك منهم مثل الشعرة من العجين. قال: يا ابا بكر: قم فعلمه تلك الصفات. قالت عائشة: فشفى وأشتفى. وفي رواية أن جبرائيل ﵇ أعان حسانًا بسبعين بيتًا. فهذا تأويل دعاء رسول الله، صلى الله عليه: " اللهم أيد حسانًا بروح القدس "، وقال له: " اهج المشركين، وروح القدس معك ". وفي حديث آخر: لما وفد وفد بني تميم وضع النبي صلى الله عليه لحسان منبرًا فأجلسه عليه.
وفي رواية أن عمر بن الخطاب مر بحسان وهو ينشد في المسجد، فزجره ونهاه، فقال: قد أنشد من كان خيرًا منك، يعني رسول الله.
وقيل: إن الحارث بن عوف أتى رسول الله فقال: أجرني من شعر حسان، فلو مزج البحر بشعره مزجه.
وحسان ممن وجفد على الملوك في الجاهلية، وأخذ الجوائز. ولما احتضر الحطيأة قال: أبلغوا الأنصار أن أخاهم أمدح الناس، حيث يقول:
[ ١٠ ]
يغشونَ حتى ما تهرُّ كلابهم لا يسألون عن السوادِ المقبلِ
وقوله:
ربَّ علمٍ أضاعهُ عدمُ الما لِ، وجهلٍ غطى عليهِ النعيمُ
أخذ هذا المعنى ابن هرمة فقال:
يكادُ إذا ما أبصر الكلبُ ضيفهُ يكلمهُ من حبهِ، وهو أعجمُ
ولما نظم حسان قوله:
نسودُ ذا المالِ القليلِ، إذا بدتْ مروءتهُ فينا، وإنْ كانَ معدما
أعجب به، فصعد أطمة، ونادى: واصاحباه، فاجتمع قومه إليه، وقالوا: ما وراءك؟ فأنشدهم البيت، فعجبوا كما عجب.
وكان لحسان بنية شاعرة لم تذكر، وقيل: إن حسانًا ارق ذات ليلة، فعن له أن يقول الشعر، فقال:
متاريكُ أذنابَ الأمورِ إذا اعترتْ أخذنا الفروعَ، واجتنينا أصولها
ثم أرتج عليه. فقالت له بنته: كأن قد ارتج عليك يا أبتي؟ قال: نعم. قالت: فهل لك أن أجيز عنك؟ قال: وهل عندك ذاك؟ قالت: نعم، قال: فافعلي، فقالت:
مقاتيلُ بالمعروفِ، خرسٌ عن الخنا كرامُ يعاطونَ العشيرةَ سولها
فحمي الشيخ فقال:
وقافيةٍ مثلِ السنانِ رزيتها تناقلتُ عنها افق السماءِ نزولها
فقالت:
يراها الذي لا ينطقُ الشعرَ عندهُ ونعجزُ عن أمثالها أنْ نقولها
ومن أحسن ما سمعت من غرر ابياته:
وكنتَ إذ ما موكبٌ صدَّ موكبًا لدى الروعِ، يوم الروعِ، وحدك موكبا
أخذ هذا المعنى أبو تمام فقال:
قليلكمُ يربى على عددِ الحصى وواحدكم في الأرضِ، للهِ، عسكرُ
ولدعبل مثل هذا:
ما شكَّ خلقٌ أن فارسنا له إقدام جيشٍ لا يرامُ، لهامِ
وقيل: عن سانًا مر بقوم يشربون الخمر فنهاهم، فقالوا: ننتهي؟ وإنما إذا ذكرنا قولك نعود. فقال: وما هو؟ قالوا:
إذا ما الأشرباتُ ذكرن يومًا فهنَّ لطيب الراح الفداءُ
ونشربها، فتتركنا ملوكًا وأسدًا ما ينهنهها اللقاءُ
فيرغبنا ذلك في شربها.