متوج بن محمود بن مروان بن أبي الجنوب بن موان بن يحيى بن ابي حفصة، واسمه يزيد. فكل هؤلاء شعراء. فمتوج معرق، وأبو حفصة بيت، ولهم من ولدهم شعراء لا يحصى لهم عدد، ونذكر العمود بن أبي حفصة إلى متوج.
ومن شعر يحيى بن ابي حفصة يرثي عبد الملك بن مروان:
إنَّ المنايا لا تغادرُ حاسرًا يشي بثوبيهِ، ولا ذا جنهْ
إنَّ المنايا لو تغادرُ واحدًا كان الخليفةُ ناجيًا منهنهْ
بكتِ المنابرُ يومَ ماتَ، وإنما تبكي المنابرُ فقدَ فارسهنهْ
قد كان حلمكَ كالجبالِ رزانةً بل لو يوازنهنَّ مالَ بهنهْ
وله حين خرج يزيد بن المهلب:
لا يصلح الناس إلا السيف إن فتنوا لهفي عليكَ ولا الحجاج للدينِ
لو كان حيًا لحي الأزد إذ فتنوا لم يحص قتلاهم حسب دارينِ
وأما أبو السمط مروان الكبير، كان أبو عمرو الشيباني يقول: ختم الشعر بمروان. ودون شعر القدماء، نفلما انتهى إلى شعر بشار لم يكتبه، واستخار عليه شعر مروان.
وكان مروان أبعد المحدثين من السخف، وأصلحهم مبالغة في المدح.
فمن أحلى قصائده التي اشتهر بها، وأعلى المهدي قدره وقرب مجلسه ووفر له العطاء، ولم يعط شاعر ما أعطي، فهي قوله:
طرقتكَ زائرةٌ فحيِّ خيالها بيضاءُ تخلطُ بالحياءِ دلالها
فلما أنشدها المهدي قال له: كم بيت؟ قل: مائة بيت، فأمر له بمائة ألف درهم، وقال له: لو زدتنا زدناك.
ومن القصيدة:
ما زالَ ينصبُ للهواجرِ وجههُ ويخوضُ في ظلم الدجى أهوالها
حتى إذا وردت أوائل ُخيلهِ جيحانَ، بثَّ على العدوِّ رعالها
وقال مروان لخلف الأحمر: إسمع شعري وأصدقني عنه، قال: هات، فأنشده طرقتك زائرةفحي خيالها، فلما بلغ إلى قوله: حتى إذا وردت أوائل خيله قال: لأنت أشعر من الأعشى في قوله:
رحلتْ أميمةُ غدوةً أجمالها
وفي هذه القصيدة يقول بالميراث للعباس:
حسدتكمُ ميراثَ أحمدَ عصبةٌ لم ينهَ أهلُ حلومها جهالا
أسفوا لأنْ نالَ الوراثةَ دونهم عمُّ النبيِّ، وبالفريضةِ نالها
قلْ للذين على الخلافةِ شايحوا ليفتحوا بمناهمُ أفقالها
[ ١٤ ]
قد طالَ ما شغلَ الوراثةَ عنهمُ أربابها، فدعوا المنى وضلالها
كشفَ الكتابُ عن العيونِ غطاءها وشفى الصدورَ، ونورهُ أشفى لها
شهدتْ، من الأنفالِ، آخرُ آيةٍ بتراثهم، فأردتمُ إبطالها
هل تطمسونَ من النجومِ لجومها بأكفكم، أمْ تسترونَ هلالها
أو تسترونَ مقالةً عن ربكم جبريلُ بلغها النبيَّ فقالها
له في مثل ذلك:
يا ابن الذي ورثَ النبيَّ محمدًا دونَ الأقاربِ من ذوي الأرحامِ
الوحيُ بين بني البناتِ وبينكم قطعَ الخصامَ، فليس حين خصامِ
أنى يكونُ، وليسَ ذاك بكائنٍ لبني البناتِ وراثةُ الأعمامِ
أخذ هذا المعنى من قول طاهر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، حيث يقول للطالبيين:
لو كان جدكمُ هناكَ وجدنا فتسارعا فيهِ لوقتِ خصامِ
كان التراثُ لجدنا من دونهِ فحواهُ بالقربى بالإسلامِ
حقُّ البناتِ فريضةٌ معلومةٌ والعمُّ أولى من بني الأعمامِ
وله حين سئل عن جرير والفرزدق والأخطل:
ذهبَ الفرزدقُ بالفخارِ، وإنما مرُّ القصيدِ وحلوهُ لجريرِ
ولقد هجا فأمضَّ أخطل تغلبٍ وحوى النهى بمديحهِ المشهورِ
كلُّ الثلاثةِ قد أبرَّ، فمدحهُ وهجاؤهُ قد سارَ كلَّ مسيرِ
ولقد جريتُ ففتُّ غيرَ مقصرٍ بجراء لا حصرٍ، ولا مبهورِ
إني لآنفُ أنْ أجيزَ بمدحهِ أبدًا لغيرِ خليفةٍ ووزيرِ
ما ضرني حسدُ اللئامِ، ولم يزلْ ذو الفضلِ يحسدهُ ذوو التقصيرِ
وكان مروان شاعرًا للهادي وللمهدي وللرشيد، وكان وصوله إلى المهدي من أطرف ما يحكى. وذاك أنه قصد باب المهدي، وتمسك بوزيره يعقوب بن داود، وأقام سنة لم يوصله. واتفق أن المهدي قبض على يعقوب، وبقي مروان حائرًا. فهو في بعض الأيام على باب المهدي إذ خرج إليه يزيد بن منصور الحميري، وقال: يا ابن ابي حفصة إن أمير المؤمنين ذكرك آنفًا وقال أنصرف عن بابي، ولا حاجة لي في شعرك. قال: فانصرفت وأنا مغموم. ثم تذكرت رجلًا كنت أشكو إليه همومي، واستريح إليه، فجئته، فدلني على يزيد بن مزيد، فشكوت إليه الحال، فقال: أدلك على رجل صدوق الحديث، له رقة، عساه ينفعك، فقلت: ومن هو؟ قال: الحسن الحاجب. فغدوت إليه، فشكوت حالي، فقال: اعمل قصيدة، وعرض بذكر يعقوب، واهجه فيها. فقلت قصيدتي التي أقول فيها:
أتاني عن المهديِّ قولٌ كأنما به أحتزَّ أنفي، من ذوي الضغنِ، جادعُ
فقلتُ، وقد خفتُ التي لا شوىً لها بلا حدثٍ: إني إلى الله راجعُ
فما لي إلى المهديّ، إنْ كنتُ مذنبًا سوى حلمهِ الضافي على الناسِ، شافعُ
هل البابُ مفضٍ بي إليكَ ابنَ هاشمٍ فعذريَ، إنْ أفضى بيَ البابُ، أوسعُ
أثبتَ أمرأً طلقتهُ من وثاقهِ وقد أنشبتْ في أخدعيهِ الجوامعُ
وقال في قصيدة أخرى:
سيحشرُ يعقوبُ بن داودَ خائنًا بلوحِ كتابٍ، بين عينيه كافرُ
خيانتهُ المهديَّ أودتْ بذكرهِ فأمسى كمن قد غيبتهُ المقابرُ
بدا منك للمهديِّ، كالصبحِ ساطعًا من الغشِّ، ما كانتْ تجنَّ الضمائرُ
وهل لبياضِ الصبح، إنْ لاحَ ضوءهُ فجابَ الدجى، من ظلمة الليلِ ساترُ
أمنزلةً فوقَ التي كنتَ نلتها تغاطيتَ، لا أفلتَّ مما تحاذرُ
وما زلتَ ترقى فوقَ قدركَ صاعدًا بأفككَ، حتى قيلَ: يعقوبُ ساحرُ
قال: ثم أتيت بهما الحسن بعد يومين، ودفعتهما إليه فقال: لست واضعهما حتى أضعهما في يد المهدي. ففعل ذلك، وقرأهما على المهدي. فمضيت إليه وسألته عن الحال، فقال: لما قرأهما المهدي رق لك، وأمرني بإحضارك إليه، فاحضر يوم الاثنين. فحضرت الباب، فخرج وقال: قد علم أمير المؤمنين مكانك، ولقد احب أن يجعل لك يومًا يشرفك فيه، ويشهرك، ويبلغ بك شأوًا. فقلت: ومتى يكون؟ قال: يوم الخميس تحضر. فحضرت، فإذا وجوه بي هاشم يدخلون. فلما غص المجلس دعاني، فدخلت، فسلمت بالخلافة، فرد علي السلام، وقال: إنما حبسناك من الدخول لانقطاعك إلى الفاسق يعقوب. فخدمت وافتتحت النشيد مما قلت في يعقوب. ثم انشدته قولي:
[ ١٥ ]
طرقتكَ زائرةٌ فحيَّ خيالها
فأعجب به وقال: جزاك الله خيرًا، فقلت: اشهدوا أن أمير المؤمنين دعا لي. ثم أنشدته:
أعادكَ من ذكر الأحبةِ عائدُ
فلما صرت إلى قولي:
أيادي بني العباسِ بيضٌ سوابغٌ على كلِّ قومٍ بادياتٌ عوائدُ
همُ يعدلونَ السمكَ من قبة الهدى كما يعدلُ البيتَ الحرامَ القواعدُ
كأنَّ أميرَ المؤمنينَ محمدًا برأفتهِ بالناسِ، للناس والدُ
أشار بيده: امسك. فمسكت. ثم قال: يا بني العباس، هذا شاعركم المنقطع إليكم، فأعطوه ما يسره. فقلت: فداك أبي وأمي إذا علموا رأي امير المؤمنين في فذاك الفرض. فقال: إني فارض لك عليهم مالًا. ففرض على ابنه موسى بخمسة آلاف درهم، وعلى ابنه هارون مثلها، ثم فرض على القوم على أقدارهم، حتى فرض سبعة وثلاثين ألف درهم، والربيع يكتب، فاستكثر الربيع ذلك، فقال: ولك من الربيع مثل ذلك، فصار المال ستين الفًا. فدعوت وشكرت وقمت بأسر ما يكون، فقلت: هل لأمير المؤمنين أن يجعل هذه الصلة غير مكدرة سؤال غيره؟ قال: نعم، وكتب بها توقيعًا لا أحتاج فيه إلى سؤال أحد أو شفاعة. فخرجت، فلما صرت خلف الستر تبعني خادم ومعه منديل فيه أربعة أثواب من أفخر الثياب، وجبة وقميص من ملابسه الشريفة، وقال: ألبسوه وأعيدوه إلي. فلبست الثياب وعدت إليه. فلما رآني تبسم، ودعا بطيلسان، فنشر ووضع علي بين يديه، وأمر لي بعشرة من الخدم، وضيعة ساجية السواد، وخيل فبعت الضيعة لعيسى بن موسى بعشرين الف درهم وفرس مكمل العدة.
ولم يزل مروان بباب المهدي حتى هلك، فقال يرثيه:
لقد أصبحتْ تختالُ في كلِّ بلدةٍ بقبرِ أميرِ المؤمنينَ المقابرُ
أتتهُ التي ابتزتْ سليمان َملكهُ وألوتْ بذي القرنين منها البوادرُ
أتتهُ فغالتهُ المنايا، وعدلهُ ومعروفهُ في الشرقِ والغربِ ظاهرُ
فلما قام موسى الهادي ولده مدحه، وقال من جملة مدحه:
بسبعينَ الفًا شدَّ ظهري وراشني أبوكَ، وقد عاينتَ من ذاك مشهدا
وإني، أميرَ المؤمنينَ، لواثقٌ بأنْ لا أرى شربي لديكَ مصردا
فلما أنشده ذلك قال: ومن يبلغ مدى المهدي؟ ولكنا نبلغ رضاك.
فعاجلت موسى منيته قبل أن يعطي مروان جائزته. فلما مات رثاه، وهنأ هارون فقال:
أيا يومَ الخميسِ ملأتَ حزنًا وتبريحًا قلوبَ المؤمنينا
خميسٌ كان أولهُ بكاءً وآخرهُ يسرُّ المهتدينا
لئنْ جاءَ الخميسُ بما كرهنا لقد جاءَ الخميسُ بما هوينا
أبو إسحاق ماتَ ضحىً، فمتنا وأمسنا بهارونٍ حيينا
وهذا معنى مستملح.
فلما قام هارون مدحه فأجزل صلته، ومضى إلى اليمامة وعاد، فأقام بباب الرشيد حتى مات سنة إحدى وثمانين، ودفن ببغداد في مقبرة نصر بن مالك. ومن صلات الرشيد له مائة ألف وألف درهم.