وذكر ما يستدل ببعض أشعارهم عليهم أبو سلمى: اسمه ربيعة بن رياح بن قرط بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن ثور. كان أبوو سلمى يقول الشعر، وابناه زهير وأوس، وابنته خنساء. ومن ولد زهير: بجير وكعب. ومن ولد كعب عقبة. ومن ولد عقبة شبيب والعوام وسيف. فالعوام هو الشاعر من ولد عقبة. وزهير وكعب هما الشاعران المذكوران. فمن شعر أبي سلمى، رواه حماد الراوية، وإن كان ضعيفًا:
[ ٧ ]
ولنا بقدسٍ فالبقيعُ إلى اللوى رجعٌ إذا لهثَ السبنتي الوالغُ
وادٍ، قرارٌ ماؤهُ ونباتهُ ترعى المخاضُ به، ووادٍ فارغُ
صعدٌ نحرزُ أهلنا بفروعهِ فيه لنا حرزٌ، وعيشٌ رافغُ
الرجع: المطر، والسبنتي: النمر، والرافغ: المخصب.
ومن شعر أوس، حيث عرض عليه الإسلام فأبى، رواه أيضًا حماد الراوية:
أحسبتني في الدين تابعةً أولوْ حللتُ على بني سهمِ
منعوا الخزايةَ عن بيوتهم بأسنةٍ وصفائحٍ خذمِ
ولقد غدوتُ على القنيصِ بسابحٍ مثل الوذيلةِ جرشعٍ لأمِ
قيدِ الأوابدِ، ما يغيبها كالسيدِ لا ضرجٍ، ولا قحمِ
ومن شعر خنساء بنت زهير:
ولا يغني توق المرءِ شيئًا ولا عقدُ التميمِ، ولا الغضارُ
إذا لاقى منيتهُ، فأمسى يساقُ به، وقد حقَّ الحذارُ
ولاقاهُ من الأيام يومٌ كما من قبل ُلم يخلدْ قدارُ
فأما زهير فأحد فحول الجاهلية. وفحولها أربعة: امرؤ القيس، والنابغة، وزهير، والأعشى. وبالإسناد عن عبد الله الليثي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁، في مسيره إلى الجابية: أين ابن عباس؟ قال ابن عباس: فأتيته، فشكا تخلف علي عنه، قال: اولم يعتذر إليك؟ قال: بلى قلت: فهو ما اعتذر به. ثم قال: أما إن أول من ريثكم عن هذا الأمر أبو بكر، إن قومكم كرهوا لكم الخلافة مع النبوة. فقلت: لم؟ ألم تكن خيرًا لهم؟ قال: بلى، لكنهم لو فعلوا كنتم عليهم جخفًا، جخفًا، جخفًا، وهو الفخر والبذخ والتطاول، ثم قال: هل تروي لشاعر السو شيئًا؟ قلت: ومن هو؟ قال: الذي يقول:
ولو أنَّ حمدًا يخلدُ الناسَ خلدوا ولكنَّ حمدَ الناس ليسَ بمخلدِ
قلت: ذاك زهير، قال: فهو شاعر الشعراء، قلت: وبم كان ذلك؟ قال: كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يتبع وحشية، ولا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال. وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ سأل ابن عباس عن أشعر العرب، فقال: زهير، فقال: بم؟ فقال: بقوله:
لو كان يقعدُ فوقَ الشمسِ من كرمٍ قومٌ بأولهم أو مجدهم، قعدوا
قومٌ، سنانٌ أبوهمْ حين تنسبهم طابوا، وطابَ من الأولاد ما ولدوا
محسدونَ على ما كان من نعمٍ لا ينزعُ الله منهم ما لهُ حسدوا
ومما يتمثل به من شعر زهير:
ومنْ يغتربْ يحسبْ عدوًا صديقهُ ومنْ لا يكرمْ نفسهُ لا يكرمِ
ومنْ يجعلِ المعروفَ من دون عرضهِ يفرهُ، ومنْ لا يتقِ الشتمَ يشتمِ
ومنْ لا يذدْ عن حوضهِ بسلاحهِ يهدَّ، ومنْ لا يظلمِ الناسَ يظلمِ
ومنْ لا يصانعْ في أمورٍ كثيرةٍ يضرسْ بأنيابٍ، ويوطأ بمنسمِ
ومنْ هابَ أسبابَ المنيةِ يلقها ولو رامَ أسبابَ السماءِ بسلمِ
ومنْ لا يزلْ يستحملُ الناسَ نفسهُ ولا يعفها يومًا من الذلِّ يسأمِ
وهذه أبيات يفضلها الرواة، ويكثرون التمثيل بها. ومعنى قوله: ومن لا يظلم الناس يظلم.
فلاؤها هنا صلة، مثل قول الآخر: والطيبان أبو بكر، ولا عمر.
فلا: صلة زائدة. وقول الآخر: من ير يومًا ير به.
وقول الآخر: من لم يكن ذئبًا أكلته الكلاب.
إستذأب الناسُ، فمن لم يكنْ في الناسِ ذئبًا أكلتهُ الذئابْ
وأما بجير وكعب ابنا زهير، قال محمد بن سلام: قلت لخلف الأحمر: بلغني أنك تقول: كعب أشعر من زهير! قال: لولا أبيات مديح لزهير كبر أمرهن لقلت ذاك: وكان أخوه بجير أسلم قبله، فشهد مع رسول الله، ﷺ، فتح مكة، وقال في ذلك:
منحناهمْ بسبعٍ من سليمٍ وألفٍ من بني عثمانَ وافِ
فرحنا، والجيادُ تجولُ فيهم بأرماحٍ مثقفةٍ خفافِ
وفي أكنافهم طعنٌ وضربٌ ورشقٌ بالمريشةِ الخفافِ
وشهد أيضًا حنينًا، وكان من خيار المسلمين، وقال في ذلك:
وجلنا جولةً، ثمَّ ارعوينا فأمكنا لمن حضرَ الجلادا
وقيل: خرج كعب وبجير إلى النبي، ﷺ، فقال كعب لبجير: الق هذا الرجل، وانظر ما يقول. فتقدم بجير فأسلم. فبلغ ذلك أخاه كعبًا، فقال:
ألا أبلغا عني بجيرًا رسالةً على أي شيءٍ ويبَ غيركَ دلكا
[ ٨ ]
على خلقٍ لم تلفِ أمًا ولا أبًا عليهِ، ولم تدركْ عليهْ أخًا لكا
سقاكَ أبو بكرٍ بكأسٍ رويةٍ وأنهلكَ المأمورُ منها، وعلكا
فبلغت أبياته رسول الله، ﷺ، فأهدر دمه. فكتب إليه بجير بذلك، وقال له: إنه من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، قبل منه، وأسقط ما صدر منه. فأقبل كعب حتى دخل المسجد، فجلس بين يدي رسول الله، ﷺ، وقال: الأمان، فقال: من أنت؟ فقال: كعب بن زهير: فقال: أنت الذي تقول، وسأل أبا بكر عما قال، فأنشد البيت، فقال النبي، ﷺ: مأمون والله. وفي رواية أخرى أن كعبًا أتى أبا بكر فعرفه نفسه، فأتى أبو بكر إلى النبي، ﷺ، فقال: رجل يبايعك على الإسلام، فبسط يده، فقال كعب بأبي أنت مكان العائذ بك، أنا كعب. فتجهمته الأنصار، وغلظت عليه، لما كان ذكر به النبي، ﵇. فأنشد النبي، ﷺ قصيدته المشهورة:
بانت سعادُ فقلبي، اليومَ، متبولُ
حتى بلغ إلى قوله:
نبئتُ أنَّ رسولَ الله أوعدني والعفوُ عندَ رسولِ الله مأمولُ
وقال كلُّ خليلٍ كنتُ آملهُ لا ألهينكَ أني عنكَ مشغولُ
فقلتُ: خلوا سبيلي لا أبالكمُ فكلُّ ما وعدَ الرحمن مفعولُ
كلُّ ابنِ أنثى، وإنْ طالتْ سلامتهُ يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ
إنَّ الرسولَ لسيفٌ يستضاءُ بهِ مهندٌ من سيوف اللهِ مسلولُ
في فتيةٍ من قريشٍ قال قائلهم ببطنِ مكةَ، لما أسلموا، زولوا
زالوا، فما زالَ إنكاسٌ ولا كشفٌ عندَ اللقاءِ، ولا خورٌ معازيلُ
لا يقعُ الطعنُ إلا في نحورهمُ وما بهم عن حياضِ الموتِ تهليلُ
فنظر النبي، ﵇، إلى من عنده من قريش، كأنه يومئ إليهم أن اسمعوا، حتى قال:
يمشونَ مشيَ الجمالِ الزهرِ، يعصمهمْ ضربٌ إذا عردَ السودُ التنابيلُ
يعرض بالأنصار. فأنكرت قريش ما قال، وقالوا: لم تمدحنا إذا هجوتهم. فقال:
منْ سرهُ كرمُ الحياةِ فلا يزلْ في مقنبٍ من صالح الأنصارِ
الباذلينَ نفوسهمْ لنبيهم عندَ الهياجِ وسطوةِ الجبارِ
والضاربينَ الناسَ عن أديانهم بالمشرفيّ، وبالقنا الخطارِ
صدموا الكتيبةَ يومَ بدرٍ، صدمةً ذلتْ لوقعتها رقابُ نزارِ
فكساه النبي، ﷺ، بردة، اشتراها معاوية بعد ذلك بمال كثير. فهي البردة التي كانت يلبسها الخلفاء في العيدين.
وكان الحطيأة راوية لزهير وآل زهير، فقال يومًا لكعب: قد عرفت انقطاعي إليكم أهل البيت، وقد ذهبت الفحولو غيرك وغيري، فول قلت شعرًا تذكر فيه نفسك وتضعني معك موضعًا، فقال:
فمنْ للقوافي شانها منْ يحوكها إذا ما ثوى كعبٌ، وفوزَ جرولُ
كفيتكَ لا تلقى من الناسِ واحدًا تنخلَ منها مثلما يتنخلُ
فاعترضه مزرد أخو الشماخ فقال:
باستكَ إذ خلفتني خلفَ شاعرٍ من الناسِ لم أكفي، ولم أتنخلِ
فلست كحسان الحسام بنِ ثابتٍ ولست كشماخٍ، ولا كالمنخلِ
وكذلك يقول الكميت في آخر قصيدته:
فما ضرها أنَّ كعبًا ثوى وفوزَ من بعدهِ جرولُ
ومن جيد شعر كعب قوله:
لأي زمانٍ يخبأ المرءُ نفعها غدا، فغدا والدهرُ غادٍ ورائحُ
إذا المرءُ لم ينفعكَ حيًا، فنفعهُ أقلُّ إذا رصتْ عليهِ الصفائحُ
أخذه أبو العتاهية فقال:
إني رأيتك للدنيا وزينتها وما أريدكَ يومَ الدين للدينِ
وأما العوام بن عقبة بن كعب بن زهير فما اختير من شعره من قصيدة كثيرة المحاسن، وهي قوله:
فوالله ما أدري إذا أنا جئتها أأبرئها من دائها، أم أزيدها
فلم يبقَض يا سوداءُ نتئٌ أحبهُ وإنْ بقيت أعلامُ أرضٍ، وبيدها
سوى نظرةٍ من شبه سوداءَ إذ بدا لعينيَّ من أمّ الغزالةِ جيدها
لقد كنتُ جلدًا قبل أن توقدَ النوى على كبدي نارًا، بطيئًا خمودها
فلو تركتْ نارُ الهوى لتضرمتْ ولكنَّ توقًا، كل يومٍ، يزيدها
وقد كنتُ أرجو أن تموتَ صبابتي إذا قدمتْ أيامها وعهودها
[ ٩ ]
فقد حملتْ في حبة القلبِ والحشا عهادَ الهوى تولي بشوقٍ يعيدها
من الخفرات البيض ودَّ جليسها إذا ما قضتْ أحدوثة، لو تعيدها
حصانٌ من السوءات للشمسِ وجهها وللريمِ منها محجراها وجيدها
مرتجةُ الأطرافِ، هيفٌ خصورها عذابٌ ثناياها، عجافٌ قيودها
وصفرٌ تراقيها، وحمرٌ أكفها وسودٌ نواصيها، وبيضٌ خدودها
مثقلةُ الأردافِ زانت عقودها بأحسنَ مما زينتها عقودها
خليليَّ إني اليومَ شاكٍ إليكما وهل تنفعُ الشكوى إلى من يزيدها
حزازاتِ شوقٍ في الفؤادِ، وعبرةً أظلُّ بأطراف البنانِ أذودها
وتحت مجالِ الصدر حرُّ بلابلٍ من الشوقِ لا يدعى لخطبٍ وليدها
نظرتُ إليها نظرةً ما يسرني بها حمرُ أنعامِ البلادِ وسودها
إذا جئتها وسط النساءِ منحتها صدودًا، كأنَّ النفسَ ليستْ تريدها
ولي نظرةٌ بعد الصدود من الهوى كنظرةِ ثكلى قد أصيبَ وحيدها
رفعتُ عن الدنيا المنى غيرَ وجهها فلا أسالُ الدنيا، ولا أستزيدها
وهذه الأبيات اخترتها من القصيدة، ومما أطربني، حفظتها فلم أسمع ألطف منها ومن ألفاظها الرقيقة، والمعاني الجزلة الرقيقة.