قَالَ عز الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن عبد السَّلَام: وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْوُلَاة أفضل من غَيرهم. وتفصيل ذَلِك أَن الْولَايَة تشْتَمل على غَرَض شَرْعِي، وغرض طبعي؛ فَنهى عَنْهَا من يغلبه طبعه وهواه، وَأمر بهَا من يكون قاهرًا لطبعه، غَالِبا لهواه. فَلَا يتولاها من لَا يملك هَوَاهُ إِلَّا أَن يتَعَيَّن لَهَا؛ فَيجب عَلَيْهِ أَن يتولاها، وَأَن يُجَاهد نَفسه فِي دفع هَوَاهُ مَا اسْتَطَاعَ. وَمِمَّا يُشِير إِلَى التَّرْغِيب فِي الحكم لمن قدر على الْعدْل فِيهِ، قَول رَسُول الله ﷺ﴾ " إِن المقسطين عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة، على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن. وكلتا يَدَيْهِ يَمِين الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهليهم وَمَا ولوه. " وَقَوله " عَن يَمِين الرَّحْمَن " مَعْنَاهُ فِي الْحَالة الْحَسَنَة والمنزلة الرفيعة؛ وَالْعرب تنْسب الْفِعْل الْمَحْمُود وَالْإِحْسَان إِلَى الْيَمين، وضده إِلَى الشمَال أَي الْمنزلَة الخسيسة؛ وَأما الأقساط، فَهُوَ الْعدْل؛ يُقَال: أقسط إِذا عدل. قَالَ الله تَعَالَى: " وأقسطوا إِن الله يحب المقسطين ﴿" وَفِي كتاب أبي حبيب، عَن ابْن شهَاب، أَن رَسُول الله ﷺ﴾ قَالَ: " مَا من أحد أقرب مَجْلِسا من الله يَوْم الْقِيَامَة، بعد ملك مصطفى، أَو نَبِي مُرْسل، من إِمَام عدل ﴿" وروى أَن النَّبِي ﷺ﴾ قَالَ: " إِن الله مَعَ القَاضِي، مَا لم يحف عمدا. " وَفِي الصَّحِيح: إِذا حكم الْحَاكِم، ثمَّ اجْتهد فَأصَاب، فَلهُ أَجْرَانِ؛ وَإِذا حكم فاجتهد، ثمَّ أَخطَأ، فَلهُ أجر وَاحِد. قَالَ أهل الْعلم: وَالْمرَاد هُنَا بالحاكم، الْبَصِير بالحكومة، المتحري الْعدْل. وَقد اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث من يرى أَن كل مُجْتَهد مُصِيب، لِأَنَّهُ ﷺ! جعل لَهُ أجرا. وَاحْتج بِهِ أَيْضا أَصْحَاب القَوْل
[ ٣ ]
الآخر بِأَن الْمُصِيب وَاحِد وَالْحق فِي طرف وَاحِد، لِأَنَّهُ، لَو كَانَ كل وَاحِد مصيبًا، لم يسم أَحدهمَا مخطئًا، فَيجمع الضدين فِي حَالَة وَاحِدَة. قَالَ القَاضِي أَبُو الْفضل بن مُوسَى فِي إكماله: وَالْقَوْل بِأَن الْحق فِي طرفين هُوَ قَول أَكثر أهل التَّحْقِيق من الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء؛ وَهُوَ مروى عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة، وَإِن كَانَ قد حكى عَن كل وَاحِد مِنْهُم اخْتِلَاف فِي هَذَا الأَصْل. وَهَذَا كُله فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة. وَأما مَا يتَعَلَّق بِأَصْل وَقَاعِدَة، من أصُول التَّوْحِيد وقواعده، مِمَّا مبتناه على قواطع الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة، فَإِن الْخَطَأ فِي كل هَذَا غير مَوْضُوع، وَالْحق فِيهَا فِي طرف وَاحِد، بِإِجْمَاع من أَرْبَاب الْأُصُول والمصيب فِيهَا وَاحِد، إِلَّا مَا روى عَن عبد الله الْعَنْبَري، من تصويبه الْمُجْتَهدين فِي ذَلِك، وعذره لَهُم؛ وَحكى مثله عَن دَاوُود وَكله لَا يلْتَفت إِلَيْهِ، وَقد حكى عَن الْعَنْبَري أَن مذْهبه فِي ذَلِك على الْعُمُوم؛ وَعِنْدِي أَنه إِنَّمَا يَقُول ذَلِك فِي أهل الْملَّة دون الْكَفَرَة؛ وَالِاجْتِهَاد الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ بذل الوسع فِي طلب الْحق وَالصَّوَاب فِي النَّازِلَة. انْتهى. وَفِي حَدِيث معَاذ بن جبل أَن النَّبِي ﷺ! أذن لَهُ أَن يجْتَهد بِرَأْيهِ فِيمَا لم يكن فِي الْكتاب وَالسّنة؛ وَقد ورد: مَا من قاضٍ يقْضِي بِالْحَقِّ إِلَّا كَانَ عَن يَمِينه ملك وَعَن شِمَاله ملك، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا جَاءَ فِي هَذَا الْبَاب.