وكل من ولى الحكم بَين الْمُسلمين، من أَمِير، أَو قَاض، أَو صَاحب شرطة، مسلط الْيَد. وكل مَا كَانَ فِي عقوبتهم من موت، وَكَانَ فِي حد من حُدُود الله تَعَالَى، وأدب لحق، فَهُوَ هدر؛ وَمَا أَتَى من ظلم بَين، مَشْهُور، مُعْتَمد، فَعَلَيهِ الْعود فِي عمده، وَالْعقل فِي خطائه. وَكَذَلِكَ مَا تعمد من إِتْلَاف مَال بِغَيْر حق، وَلَا شُبْهَة، فَذَلِك فِي مَاله، يَأْخُذ بِهِ الْمَظْلُوم إِن شَاءَ مِنْهُ، أَو من الْمَحْكُوم لَهُ بِهِ. من كتاب الِاسْتِغْنَاء لِابْنِ عبد الغفور. وَفِي الْمقنع: قَالَ سَحْنُون: وَإِذا قضى القَاضِي
[ ٦ ]
على رجل يجوز فِي الْأَمْوَال، وَكَانَ الَّذِي قضى لَهُ بِالْمَالِ قد أكله، واستهلكه، وَلم يُوجد عِنْده، كَانَ مَا قضى بِهِ على الرجل على القَاضِي فِي مَاله. وَإِذا لم يجر فِي قَضَائِهِ، وَهُوَ عدل، رضىٍ، وَإِنَّمَا خطأ أخطأه، أَو غلط غلطه، لم يكن عَلَيْهِ شَيْء من خطئه. وَإِذا أقرّ القَاضِي على نَفسه أَنه جَار فِي قَضَائِهِ، إِذا كَانَ قَاضِيا، فِي قتل نفس، أَو قطع يَد، أَو قصاص، أَو جراح، فَمَا أقرّ بِهِ، أَو ثَبت عَلَيْهِ من غير إِقْرَار، أقيد مِنْهُ. قَالَ أَبُو أَيُّوب، فِي بَاب خطأ القَاضِي من الْكتاب الْمُسَمّى: وَقد أقاد رَسُول الله ﷺ ﴿وَأَبُو بكر، وَعمر ﵄﴾ من أنفسهم. وَمِمَّا تقرر فِي الشَّرِيعَة أَن حكم الْحَاكِم لَا يحل الْحَرَام، وَأَن الْفروج والدماء وَالْأَمْوَال سَوَاء، بِدَلِيل قَوْله ﷺ ﴿: إِنَّكُم تختصمون إِلَيّ وَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض؛ فأقضى لَهُ على نَحْو مَا أسمع. فَمن قضيت لَهُ من حق أَخِيه شَيْئا، فَلَا يَأْخُذهُ، فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار﴾ فَأجرى الله تَعَالَى أَحْكَام رَسُوله ﷺ! على الظَّاهِر الَّذِي يستوى فِيهِ هُوَ وَغَيره من الْبشر، ليَصِح اقْتِدَاء أمته بِهِ فِي قضاياه، ويأتون مَا أَتَوا من ذَلِك على علم من سنته، إِذْ الْبَيَان بِالْفِعْلِ أولى من القَوْل وَأَرْفَع لاحْتِمَال اللَّفْظ: وَقَوله: " أَقْْضِي لَهُ على نَحْو مَا أسمع " احْتج بِهِ من لَا يُجِيز حكم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ لقَوْله: فَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض أَي أفطن لَهَا، وَقَوله: على نَحْو مَا أسمع؛ وَلم يقل: أعلم؛ وَمن يرى حكم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ لَا يلْتَفت إِلَى مَا سمع، خَالف أَو وَافق. قَالَ عِيَاض: وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي حكم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ، وَمَا سَمعه فِي مجْلِس نظره. فمذهب مَالك وَأكْثر أَصْحَابه أَن القَاضِي لَا يقْضِي فِي شَيْء من الْأَشْيَاء بِعِلْمِهِ، إِلَّا فِيمَا أقرّ بِهِ فِي مجْلِس قَضَائِهِ، خَاصَّة فِي الْأَمْوَال. وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ، وَجَمَاعَة من أَصْحَاب ملك الْمَدَنِيين، وَغَيرهم، وحكوه عَن مَالك. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي مَشْهُور قوليه، وَأَبُو ثَوْر، وَمن تبعهما، أَنه يقْضِي بِعِلْمِهِ فِي كل شَيْء من الْأَمْوَال، وَالْحُدُود، وَغير ذَلِك، مِمَّا سَمعه أَو رَآهُ قبل قَضَائِهِ وَبعده، وبمصره وَغَيره. وَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى أَنه يقْضى بِمَا سَمعه فِي قَضَائِهِ وَفِي مصره، فِي الْأَمْوَال، لَا فِي الْحُدُود. انْتهى. وَوَقع كَذَلِك فِي الْمَسْأَلَة، بَين الْفُقَهَاء بقرطبة، اخْتِلَاف؛ فَذهب مِنْهُم أَبُو إِبْرَاهِيم، وَمُحَمّد بن الْعَطَّار، فِي آخَرين، إِلَى أَن القَاضِي لَهُ أَن يقْضِي بِعِلْمِهِ دون شُهُود. وَمَال قوم
[ ٧ ]
إِلَى خلاف ذَلِك، وَقَالُوا: إِنَّمَا لم يقْض بِعِلْمِهِ، دون بَيِّنَة، لِأَن فِيهِ تَعْرِيض نَفسه للتهم، وإيقاعها فِي الظنون. وَقد كره رَسُول الله ﷺ ﴿الظَّن. قَالَ القَاضِي أَبُو الْأَصْبَغ بن سهل: وَهَذَا عِنْدِي الْقيَاس الصَّحِيح المطرد لمن قَالَ: لَا يقْضِي القَاضِي بِعِلْمِهِ، وَلَا بِمَا سمع فِي مجْلِس نظره، لَكِن الَّذِي قَالَه أَبُو إِبْرَاهِيم وَابْن الْعَطَّار، وَجرى بِهِ الْعَمَل، وَهُوَ عِنْدِي الِاسْتِحْسَان، ويعضده قَول مطرف، وَابْن الْمَاجشون، وَأصبغ فِي كتاب ابْن حبيب، أَن القَاضِي يقْضِي على من أقرّ عِنْده فِي مجْلِس نظره، بِمَا سمع مِنْهُم، وَإِن لم تحضره بَيِّنَة. وَقَالَهُ ابْن الْمَاجشون فِي الْمَجْمُوعَة، وَبِه أَخذ أَبُو سعيد سَحْنُون بن سعيد، وَقَالَهُ أصبغ فِي كِتَابه؛ وَهُوَ ظَاهر قَول النَّبِي ﷺ﴾: " إِنَّمَا أَنا بشر، وَإِنَّكُمْ تخصمون إِلَيّ ﴿فَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض؛ فأقضي لَهُ على نَحْو مَا أسمع مِنْهُ " الحَدِيث. وَقَوله ﵊﴾: " إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ وَإِنَّكُمْ تختصمون إِلَيّ ﴿" مَعْنَاهُ حصره فِي البشرية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاطِّلَاع على بواطن الْخُصُوم، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل شَيْء؛ فَإِن للرسول ﷺ﴾ وَصَايَا كَثِيرَة. فللقاضي، على مَا تقرر فِي الْمَسْأَلَة من كَلَام ابْن سهل وَغَيره، أَن يقْضِي بِمَا صَحَّ عِنْده وسَمعه من أَمر الْخَصْمَيْنِ، وَأَن لَهُ أَن ينفذ ذَلِك بَينهمَا، ويمضيه من نظره وَحكمه. قَالَ مَالك: وَإِذا قضى بِمَا اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَحكمه نَافِذ. وللحاكم الْمُجْتَهد أَن يتَخَيَّر عَن الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ، وَأَن يَأْخُذ بِمَا يرَاهُ أحوط لدينِهِ وَعرضه. قَالَ: وَإِن لم يكن على مَا قضى بِهِ مَذْهَب الْعلمَاء بذلك الْموضع، فَلَيْسَ لقاض بعده نقضه، وَلَا اعتراضه؛ وَإنَّهُ نَافِذ تَامّ؛ وَإِن ظهر لَهُ فِي نَفسه أَن قَول غير من أَخذ بقوله خير مِمَّا أَخذ بِهِ، كَانَ لَهُ نقضه هُوَ خَاصَّة، وَلم يكن ذَلِك لأحد بعده. وَفِي كتاب الْأَقْضِيَة من الْمُدَوَّنَة: إِذا تبين للْقَاضِي أَن الْحق فِي غير مَا قضى بِهِ، رَجَعَ عِنْده؛ وَإِنَّمَا لَا يرجع بِهِ فِيمَا قَضَت بِهِ الْقُضَاة مِمَّا اخْتلف فِيهِ. قَالَ صَاحب التَّنْبِيهَات: حمل أَكْثَرهم مذْهبه فِي الْكتاب على أَن الرُّجُوع لَهُ، كَيفَ كَانَ حَاله من وهم أَو انْتِقَال رأى، وَهُوَ قَول مطرف وَعبد الْملك. وَوَقع فِي منتخب ابْن مغيث: وتنقسم أَحْكَام الْقُضَاة، على مَذْهَب مَالك وَجَمِيع أَصْحَابه، على ثَلَاثَة أَقسَام: أَحدهمَا فِي الحكم الْعدْل الْعَالم: فأحكامه كلهَا نَافِذَة على الْجَوَاز،
[ ٨ ]
وَلَا يتعقب لَهُ حكم؛ وَالْوَجْه الثَّانِي فِي الحكم الْعدْل الْجَاهِل الْمُقَلّد: فللحكم الَّذِي يَلِي بعده أَن يتعقب أَحْكَامه؛ فَمَا وَافق الْحق. مِنْهَا، نفذ وَمضى، وَمَا خَالف الْحق رده وفسخه؛ وَالْوَجْه الثَّالِث فِي الحكم الجائر المتعسف: فللحكم الَّذِي يَلِي بعده أَن يفْسخ أَحْكَامه كلهَا، وَلَا ينفذ لَهُ حكما. وَمن كتاب سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن بطال: قَالَ ابْن الْمَوَّاز: لَو أَن قَاضِيا نقض حكم قَاض قبله قد كَانَ حكم بِهِ، ثمَّ ولى قاضٍ ثَالِث وعزل الثَّانِي. نظر: فَإِن كَانَ حكم القَاضِي الأول مِمَّا يحكم بِهِ، وَمِمَّا يخْتَلف فِيهِ الْقَضَاء والفتيا، رَأَيْت نقض الثَّانِي لَهُ خطأ صراحًا؛ فَأرى للثَّالِث أَن ينْقض حكم الثَّانِي، وَينفذ حكم الأول، وَإِن كَانَ خلافًا لما يحكم بِهِ الثَّالِث؛ وَإِن حكم الأول خطأ صراحًا مِمَّا لَا اخْتِلَاف فِيهِ، لم أر للثَّالِث أَن يرد حكم الثَّانِي إِلَى مَا حكم بِهِ الأول.