من التَّنْبِيهَات وشروط الْقَضَاء، الَّتِي لَا يتم للْقَاضِي قَضَاؤُهُ إِلَّا بهَا، عشرَة: الْإِسْلَام؛ وَالْعقل؛ والذكورية؛ وَالْحريَّة؛ وَالْبُلُوغ؛ وَالْعَدَالَة؛ وَالْعلم؛ وسلامة حاسة السّمع وَالْبَصَر من الْعَمى والصمم؛ وسلامة حاسة اللِّسَان من الْبكم؛ وَكَونه وَاحِدًا لَا أَكثر؛ فَلَا يَصح تَقْدِيم إثنين على أَن يقضيا مَعًا فِي قَضِيَّة وَاحِدَة، لاخْتِلَاف الْأَغْرَاض، وَتعذر الِاتِّفَاق وَبطلَان الْأَحْكَام بذلك. ثمَّ من هَذِه الشُّرُوط مَا إِذا عدم فِيمَن قلد الْقَضَاء بِجَهْل، أَو غَرَض فَاسد، ثمَّ نفذ مِنْهُ حكم، فَإِنَّهُ لَا يَصح وَيرد؛ وَهِي الْخَمْسَة الأولى: الْإِسْلَام؛ وَالْعقل؛ وَالْبُلُوغ؛ والذكورية؛ وَالْحريَّة. وَأما الْخَمْسَة الْأُخْرَى، فَينفذ من أَحْكَام من عدمت مِنْهُ
[ ٤ ]
مَا يُوَافق الْحق، إِلَّا الْجَاهِل الَّذِي يحكم بِرَأْيهِ. وَأما الْفَاسِق، فَفِيهِ خلاف بَين أَصْحَابنَا؛ هَل يرد مَا حكم بِهِ، وَإِن وَافق الْحق وَهُوَ الصَّحِيح، أم يمْضِي إِذا وَافق الْحق وَوجه الحكم. وشروط الْكَمَال عشرَة أَيْضا: خَمْسَة أَوْصَاف يَنْتَفِي عَنْهَا، وَخَمْسَة لَا يَنْتَفِي؛ مِنْهَا أَن يكون غير مَحْدُود؛ وَغير مطعون عَلَيْهِ فِي نسبه بِوِلَادَة اللّعان وَالزِّنَا؛ وَغير فَقير؛ وَغير أُمِّي؛ وَغير مستضعف؛ وَأَن يكون فطنًا، نزيهًا، مهيبًا، حَلِيمًا، مستشيرًا لأهل الْعلم والرأي. قَالَ القَاضِي أَبُو الْأَصْبَغ بن سهل: وللحكام الَّذين تجْرِي على أَيْديهم الْأَحْكَام سِتّ خططٍ: أَولهَا الْقَضَاء، وأجله قَضَاء قَاضِي الْجَمَاعَة؛ والشرطة الْوُسْطَى؛ والشرطة الصُّغْرَى؛ وَصَاحب مظالم؛ وَصَاحب رد، وَيُسمى صَاحب رد بِمَا رد عَلَيْهِ من الْأَحْكَام؛ وَصَاحب مَدِينَة؛ وَصَاحب سوق. هَكَذَا نَص عَلَيْهِ بعض الْمُتَأَخِّرين من أهل قرطبة، فِي تأليف لَهُ. وتلخيصه: الْقَضَاء، والشرطة، والمظالم، وَالرَّدّ، وَالْمَدينَة، والسوق. وَإِنَّمَا كَانَ يحكم صَاحب الرَّد فِيمَا استرابه الْحُكَّام، وردوه عَن أنفسهم؛ هَكَذَا سمعته من بعض من أَدْرَكته. وَصَاحب السُّوق كَانَ يعرف بِصَاحِب الْحِسْبَة، لِأَن أَكثر نظره إِنَّمَا كَانَ يجْرِي فِي الْأَسْوَاق، من غش، وخديعة، وتفقد مكيال وميزان وَشبه ذَلِك. وَلَا عجب للْقَاضِي أَن يرفع من عِنْده إِلَى غَيره، كَمَا يرفع غَيره إِلَيْهِ. وحدود الْقُضَاة، فِي الْقَدِيم والْحَدِيث، مَعْرُوفَة، لَا يعارضون فِيهَا، وَلَا تكون إِلَى غَيرهم من الْحُكَّام. وَقد عَددهَا عَليّ بن يحيى، وفسرها فِي كِتَابه؛ فَقَالَ: ويشتمل نظر القَاضِي على عشرَة أَحْكَام: أَحدهَا: قطع التشاجر وَالْخِصَام من المتنازعين، إِمَّا بصلح عَن ترَاض يُرَاد بِهِ الْجَوَاز، وَأما بإجبار بِحكم بِآيَة يعْتَبر فِيهِ الْوُجُوب. وَالثَّانِي: اسْتِيفَاء الْحق لمن طلبه، وتوصيله إِلَى يَده، إِمَّا بِإِقْرَار، أَو بِبَيِّنَة. وَالثَّالِث: إِلْزَام الْولَايَة للسفهاء والمجانين، والتحجر على الْمُفلس، حفظا للأموال. وَالرَّابِع: النّظر فِي الاحباس، وَالْوُقُوف والتفقد لأحوالها وأحوال النَّاظر فِيهَا. وَالْخَامِس: تَنْفِيذ الْوَصَايَا على شُرُوط الْمُوصى إِذا وَافَقت الشَّرْع؛ فَفِي المعينين يكون التَّنْفِيذ بالاقباض، وَفِي المجهولين يتَعَيَّن الْمُسْتَحق لَهَا بِالِاجْتِهَادِ فَإِن كَانَ لَهَا وصّى، راعاه، وَإِلَّا تولاه. وَالسَّادِس: تزوج
[ ٥ ]
الْأَيَامَى من الاكفاء، إِذا عدم الْأَوْلِيَاء وأردن التَّزْوِيج. وَالسَّابِع: إِقَامَة الْحُدُود؛ فَإِن كَانَت من حُقُوق الله تَعَالَى، تفرد بإقامتها، إِمَّا بِإِقْرَار يتَّصل بِإِقَامَة الْحَد، وَإِمَّا بِبَيِّنَة أَو ظُهُور حمل من غير زوج؛ وَإِن كَانَت من حُقُوق الأدميين، فبطلب مستحقها. وَالثَّامِن: النّظر فِي الْمصَالح الْعَامَّة، من كف التَّعَدِّي فِي الطرقات والأفنية. وَإِخْرَاج مَالا يسْتَحق من الأجنحة والأفنية. وَالتَّاسِع: تصفى الشُّهُود، وتفقد الْأُمَنَاء، وَاخْتِيَار من يرتضيه لذَلِك. والعاشر: وُجُوه التَّسْوِيَة فِي الحكم بَين القوى والضعيف، وتوخي الْعدْل بَين الشريف والمشروف. وَمن الْإِكْمَال: لجمهور الْعلمَاء أَن للقضاة إِقَامَة الْحُدُود، وَالنَّظَر فِي جَمِيع الْأَشْيَاء، من إِقَامَة الْحُقُوق، وتغيير الْمَنَاكِير، وَالنَّظَر فِي الْمصَالح، قَامَ بذلك قَائِم، أَو اخْتصَّ بِحَق الله. وَحكمه عِنْدهم حكم الْوَصِيّ الْمُطلق الْيَد فِي كل شَيْء، إِلَّا مَا يخْتَص بضبط الْبَيْضَة من إعداد الجيوش، وجباية الْخراج. وَاخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي هَل من نظره مَال الصَّدقَات، والتقديم للْجمع والأعياد، أم لَا، إِذا لم يكن على هَذَا وُلَاة مخصصون من السلطنة، على قَوْلَيْنِ؛ إِلَّا يَخْتَلِفُونَ، إِذا كَانَت هَذِه مُخْتَصَّة بِولَايَة من قبل السلطنة، أَنه لَا نظر لَهُ فِيهَا. وَذهب أَبُو حنيفَة أَنه لَا نظر لَهُ فِي إِقَامَة حد، وَلَا فِي مصلحَة، إِلَّا لطَالب مخاصم، وَلَا تَنْطَلِق يَده إِلَّا على مَا أذن لَهُ فِيهِ، وَحكمه حكم الْوَكِيل الْخَاص. وَمن كتاب الْإِعْلَام بنوازل الْأَحْكَام: خطة الْقَضَاء من أعظم الخطط قدرا، وأجلها خطرًا، لَا سِيمَا إِذا اجْتمعت إِلَيْهَا الصَّلَاة. وعَلى القَاضِي مدَار الْأَحْكَام، وَإِلَيْهِ النّظر فِي جَمِيع وُجُوه الْقَضَاء.