روى عن محمد بن أبي حاتم سار يعني محمد بن إسماعيل البخاري إلى بستان بعض أصحابه () صلى بالقوم ثم قام للتطوع وأطال القيام، فلما فرغ من صلاته رفع ذيل قميصه، فقال لبعض من معه: انظر هل ترى تحت قميصي شيئًا، وإذا زنبورًا قد أبره في ستة عشر أو سبعة عشر موضعًا، وقد تورم من ذلك جسده، وكان أثر الزنبور في جسده ظاهرًا، فقال له بعضهم: كيف لم تخرج من الصلاة في أول ما أبرك؟ قال: كنت في سورة فأحببت أن أتمها.
وروى عن حفص بن عمر الأشقر قال: كنا مع محمد بن إسماعيل البخاري بالبصرة نكتب الحديث ففقدناه يومًا فطلبناه، فوجدناه في بيت وهو عريان وقد نفد ما عنده ولم يبق معه شيء، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا ثوبًا وكسوناه، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث.
وروي عن أبي عبد الله البخاري ﵀ أنه قال: إني لأرجو أن ألقى الله تعالى ولا يحاسبني أن اغتبت أحدًا.
وقال أبو أحمد بن عدي: سمعت محمد بن يوسف بن بشر الفربري يقول: سمعت النجم بن فضل وكان من أهل المعرفة والفضل يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام وقد خرج من باب ماشيًا في قرية ببخاري وخلفه محمد بن إسماعيل البخاري، فكلما خطا النبي ﷺ خطوة خطا محمد بن إسماعيل خطوة النبي - صلى الله علي وسلم - ووضع قدمه على موضع قدم النبي عليه العلم.
قال: وسمعت عبد القدوس بن همام يقول سمعت عدة من المشايخ يقولون: (حاول) محمد بن إسماعيل البخاري تراجم بين [قبر]ﷺ ومنبره وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين.
قال محمد: وروى عن أبي الهيثم الكشميهني قال: سمعت محمد بن يوسف الفربري يقول: قال لي محمد بن إسماعيل البخاري: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.
[ ١٩ ]
صفته ﵀
حدثنا الشيخ الحافظ أبو بكر البيهقي فيما كتب إليّ قال: ثنا أبو بجر الأسدي، عن أبي العباس العذري.
وحدثني صاحب لنا قراءة مني عليه، عن أبي القاسم خلف بن عبد الملك الأنصاري قال: قرأته على القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز الأنصاري، عن أبي العباس العُذري، عن أبي العباس الرازي، عن أبي أحمد بن عدي قال: سمعت الحسن بن الحسين البزار يقول: رأيت محمد بن إسماعيل البخاري شيخًا نحيف الجسم ليس بالطويل ولا بالقصير.
[ ٢٠ ]
ذكر امتحانه وخبره مع
خالد بن أحمد الأمير وإلى بخاري
قال أبو أحمد بن عدي: ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل ﵀ لما ورد نيسابور اجتمع الناس إليه وعقد له المجلس حتى بغض من كان في ذلك الوقت من مشايخ نيسابور لما رأى من إقبال الناس إليه واجتماعهم عليه فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل البخاري يقول اللفظ بالقرآن مخلوق فامتحنوه في المجلس، فلما حضر الناس مجلس البخاري قام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أو غير مخلوق، فأعرض عنه () ثم أعاد عليه القول فأعرض عنه، ولم يجبه ثم قال في الثالثة () محمد بن إسماعيل وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة، فشغب الرجل وشغب الناس وتفرقوا عنه، وقعد البخاري في منزله.
قال ابن عدي: وسمعت الإسماعيلى يقول: سمعت الفرهباني يقول: سمعت عمرو بن منصور النيسابوري يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري وسُئل عن اللفظ بالقرآن فقال: سمعت عبيد الله بن سعيد أبا قدامة السرخسي يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي يقولان: أفعال العباد مخلوقة.
قال ابن عدي: وسمعت أبا بكر الإسماعيلي يقول: سمعت الفرهباني يقول: قيل لمحمد بن إسماعيل: ترجع عما قلت ليعود الناس إليك فقال: لا حاجة لي فيهم.
قال ابن عدي: وسمعت عبد الحميد يقول: سمعت أبي يقول: سمعت حيان ابن محمد بن يحيى يقول: قلت لأبي يا أبة، مالك ولهذا الرجل (يعني محمد بن إسماعيل) ولست من رجاله في العلم؟ قال: رأيته بمكة يتبع شمخصة، وكان شمخصة كوفيًا قد فبلغ ذلك محمد بن إسماعيل يقول: دخلت مكة ولم أعرف بها أحدًا من المحدثين، وكان شمخصة هذا قد عرف المحدثين فكنت أتبعه ليقيدني من
[ ٢١ ]
المحدثين، وأي عيب في هذا.
قال محمد: وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله النياسبوري الحافظ: ثنا أبو بكر محمد بن أبي الهيثم المطوعي ببخاري قال: ثنا محمد بن يوسف الفربري قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل يقول: أما أفعال العباد فمخلوقة، فقد حدثنا علي بن عبد الله قال: ثنا مروان بن معاوية قال: نا أبو مالك عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال النبي ﷺ: "إن الله يصنع كل صانع وصنعته".
قال أبو عبد الله: سمعت عبيد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة، فقال أبو عبد الله البخاري: حركاتهم، وأصواتهم، وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعي في القلوب، فهو كلام الله ليس بخلق قال الله تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم).
قال محمد: وروى عن أبي سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: سمعت أبا حامد الشرقي يقول: سمعت محمد بن يحيى يعني الذهلي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته وحيث يتصرف فمن لزم استغنى عن ذلك اللفظ، وعما سواه من الكلام في القرآن، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، وخرج عن الإيمان، وبانت منه امرأته ويستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وجعل ماله فيئًا بين المسلمين ولم يدفن في مقابر المسلمين قال: ومن وقف فقال لا أقول مخلوق أو غير مخلوق فقد ضاهى الكفر، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق هذا مبتدع لا يجالس ولا يكلم، ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه.
وروى عن أحمد بن منصور بن محمد الشيرازي قال: حدثني محمد بن يعقوب الأخرم قال: سمعت أصحابنا يقولون: لما قدم محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور استقبله أربعة آلاف رجل ركبان على الخيل سوى من ركب بغلًا أو حمارًا، وسوى الرحالة فحضر الكل مجلسه إلى أن أظهر من قوله ما أظهر فبلغ
[ ٢٢ ]
ذلك محمد بن يحيى الذهلي () مسلم بن الحجاج () حضر عند محمد بن يحيى فقال محمد بن يحيى: أحكم على من قال لفظي بالقرآن أن يترك مجلسي قال: فقام مسلم فخرج وتبعه أحمد بن سلمة فقال محمد بن يحيى: لا يساكني هذا الرجل في بلد فخشي البخاري أن يلحقه منه مكروه فخرج فسمعت القاسم بن القاسم: سمعت إبراهيم وراق أحمد بن سيار: يقول: لما قدم البخاري مرو استقبله أحمد بن سيار فيمن استقبله فقال له أحمد بن سيار: يا أبا عبد الله، نحن لا نخالفك فيما تقول لكن العامة لا تحتمل ذا منك، فقال: إني أخشى الله أن أسأل عن شيء أعلمه حقًا أن أقول غيره، فانصرف عنه أحمد بن سيار.
قال محمد: وذكر أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب الجرح والتعديل فقال: قدم عليهم من الري سنة مائتين وخمسين، سمع منه أبي، وأبو زرعة ترك حديثه عندما كتب إليهما محمد ابن يحيى النيسابوري أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق.
وروي عن أبي عمرو أحمد بن نصر بن إبراهيم النيسابوري الخفاف أنه قال: أتيت محمد بن إسماعيل فناظرته في شيء من الأحاديث حتى طابت نفسه فقلت: يا أبا عبد الله، ها هنا أحد يحكي عنك أنه قلت هذا المقالة، فقال: يا أبا عمرو، احفظ ما أقول لك، من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة ومكة والبصرة أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقل هذه المقالة إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة.
وروي عن أبي إسماعيل بكر بن منير أنه قال: بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخاري إلى محمد بن إسماعيل أن احمل إلى كتاب الجامع والتاريخ وغيرهما لأسمع منها، فقال محمد بن إسماعيل لرسوله: أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كان لك إلى شيء منه حاجة فاحضرني في مسجدي، وفي داري، وإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجس ليكون لي عذرًا عند
[ ٢٣ ]
الله تعالى يوم القيامة. لأني لا أكتم العلم لقول النبي ﷺ: "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار" قال بكار: سبب الوحشة بينهما هذا.
وروى عن محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت محمد بن العباس الضبي يقول: سمعت أبا بكر بن أبي عمرو الحافظ يقول: كان سبب مفارقة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البلد - يعني بخاري - أن خالد بن أحمد الذهلي الأمير خليفة الظاهرية ببخاري سأل أن يحضر منزله فيقرأ الجامع والتاريخ على أولاده، فامتنع أبو عبد الله عن الحضور عنده، فراسله أن يعقد مجلسًا لأولاده ولا يحضره غيرهم، فامتنع عن ذلك أيضًا، وقال: لا يسعني أن أخص بالسماع قومًا دون قوم، فاستعان خالد بن أحمد بحريث بن أبي الورقاء وبغيره من أهل العلم ببخاري عليه حتى تكلموا في مذهبه ونفاه عن البلد، فدعا عليهم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل فقال: اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم، وأهاليهم، فأما خالد فلم يأت عليه أقل من شهر حتى ورد أمر الظاهرية بأن ينادي عليه فنودي عليه وهو على أتان وأشخص على إكاف ثم صار عاقبة أمره إلى ما قد انتشر وشاع، وأما حريث بن أبي الورقاء فإنه ابتلي في أهله فرأى فيها ما يحل عن الوصف وأما فلان () يبتلى بأولاده، وأراه الله فيهم البلايا.
[ ٢٤ ]
تاريخ موته ﵀
قال أبو أحمد بن عدي: وسمعت الحسن بن الحسين البزار البخاري يقول: توفي محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ ليلة السبت عند صلاة العشاء، في ليلة الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهل شوال من شهور سنة ست وخمسين ومائتين، وعاش اثنتين وستين سنة، إلا ثلاثة عشر يومًا ﵀.
وروى عن أي العباس الفضل بن بسام قال: سمعت إبراهيم بن محمد يقول: أنا توليت دفن محمد بن إسماعيل لما أن مات بخرتنك أردت حمله إلى مدينة سمرقند أن أدفنه بها، فلم يتركني صاحب لنا فدفناه بها، فلما أن فرغنا ورجعت إلى المنزل الذي كنت فيه قال لي صاحب القصر سألته أمس فقلت: يا أبا عبد الله، ما تقول في القرآن، فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، قال: فقلت: إن الناس يزعمون أنك تقول: ليس في المصاحف قرآن ولا في صدور الناس، فقال: أستغفر الله أن تشهد علي بشيء لم تسمعه مني، قال: أقول كما قال الله تعالى: (والطور وكتاب مسطور) وأقول في المصحف قرآن، وفي صدور الناس قرآن، فمن قال غير هذا يستتاب، فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر.
وروى عن إبراهيم بن مغفل: رأيت محمد بن إسماعيل في اليوم الذي أخرج فيه من بخارى، قال: فتقدمت إليه فقلت: يا أبا عبد الله، كيف ترى هذا اليوم من ذلك اليوم الذي نثر عليك فيه نثر، فقال: لا أبالي إذا سلم ديني، قال: فخرج إلى بيكند، فصار الناس معه حزبين، حزب معه، وحزب عليه إلى أن كتب إليه أهل سمرقند فسألوه أن يقدم عليهم، فقدم إلى أن وصل بعض قرى سمرقند فوقع بين أهل سمرقند فتنة من سببه قوم يريدون إدخاله البلد وقوم لا يريدون دخوله. أن اتفقوا على أن يرحل () الخير وما وقع بينهم فخرج يريد أن يركب فلما استوى على دابته قال: اللهم خر لي: () ميتًا.
واتصل بأهل سمرقند فأتوا بأجمعه فصلوا عليه () ﵀.
[ ٢٥ ]
وقال أبو أحمد بن عدي: وسمعت عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي يقول: جاء محمد بن إسماعيل إلى خرتنك قرية من قرى سمرقند على فرسخين منها، وكان له بها أقارب فنزل عندهم، قال: فسمعته ليلة من الليالي، وقد فرغ من صلاة الليل يدعو ويقول في دعائه: اللهم قد ضاقت على الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، قال: فما تم الشهر حتى قبضه الله، وقبره بخرتنك، ﵀.
وقال أبو علي حسين بن محمد الجباني: أخبرني أبو الحسن طاهر بن معوذ ابن عبد الله بن معوذ المعافري صاحبنا ﵀ قال: أنا أبو الفتح وأبو الليث نصر بن الحسن التنكتي المقيم بسمرقند قدم عليهم بلسية عام أربعة وستين وأربعمائة، قال: قحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام، قال: فاستسقى الناس مرارًا فلم يسقوا، قال: فأتى رجل من الصالحين معروف بالصلاح مشهور به إلى قاضي سمرقند فقال له: إني قد رأيت رأيًا أعرضه عليك، قال: وما هو؟ قال: أرى أن تخرج ويخرج الناس إلى قبر الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ وقبره بخرتنك وتستسقوا عنده، فعسى أن يسقينا، قال: فقال القاضي: نعم رأيت، فخرج القاضي وخرج الناس معه، واستسقى القاضي بالناس وبكى الناس عند القبر وتشفعوا بصاحبه، فأرسل الله تعالى السماء بماء عظيم غزير، أقام الناس من أجله بخرتنك سبعة أيام أو نحوها، لا يستطيع أحد الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر .. وبين خرتنك وسمرقند ثلاثة أميال أو نحوها.
[ ٢٦ ]