قال الحافظ العراقي (ت ٨٠٦ هـ) في ألفيته:
وينبغي إعجامُ ما يُسْتَعجَم … وشَكْلُ ما يُشكِل لا ما يُفهَم
وقيل: كلّه لذي ابتداءٍ … وأكَّدوا ملتبسَ الأسماءِ
قال الحافظ السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) في شرح البيتين: (ينبغي) استحبابًا مؤكدًا، بل عبارة ابن خلاد وعياض تقتضي الوجوب، وبه صرح الماوردي (إعجامُ) أي نقطُ (ما يُستَعْجَم) بإغفال نقطة بحيث تصير فيه عجمة، بأن يميز الخاء المعجمة من الحاء المهملة، والذال المعجمة من الدال المهملة، فقد قال الثوري فيما نقله عنه الماوردي في "أدب الدنيا والدين": الخطوط المعجمة كالبرود المعلمة.
وقال الأوزاعي عن ثابت بن معبد: نور الكتاب العجم.
وكذا ينبغي (شكلُ ما يُشكِل) إعرابهُ من المتون والأسماء في الكتاب، فذلك يمنع
[ ٧ ]
من إشكاله، (لا ما يُفهَم) بدون شكل ولا نقط؛ فإنه تشاغلٌ بما غيرُه أولى منه.
(وقيل): بل ينبغي الشكل والإعجام للمكتوب (كلّه) أشكَل أم لا، وصوَّبه عياض (لأجل ذي ابتداء) في الصنعة والعلم ممن لا يعرف المؤتلف والمختلف وغيرهما من السند والمتن؛ لأنه حينئذ لا يميز المشكل من غيره، ولا صواب وجه الإعراب للكلمة من خطئه، وأيضًا قد يكون واضحًا عند قوم مشكلًا عند آخرين، وربما يظن هو لبراعته المشكل واضحًا، بل وقد يخفى عنه الصواب بعد.
(و) لكن (أكدوا) أي الأئمة من المحدثين وغيرهم ضبط (ملتبس الأسماء) لا سيما الأسماء الأعجمية، والقبائل الغريبة لقلة المتميزين فيها بخلاف الإعراب، ولأنها -كما قال أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي- أولى الأشياء بالضبط؛ لأنها لا يدخلها القياس، ولا قبلها ولا بعدها شيء يدل عليها. انتهى ملخصًا من فتح المغيث. وكلام السخاوي هذا كافٍ لإثبات أهمية علم الضبط.