لذلك نرى العلماء القدامى حراصًا على الاعتناء بضبط ملتبس الكلمات، ولا سيما ملتبس الأسماء؛ فإن مظنة الخطأ فيها أقوى وأكثر من غيرها من الألفاظ اللغوية والفقهية. فممن كان يحض على الضبط حماد بن سلمة وعفان كما حكاه عنهما القاضى
[ ٨ ]
عياض بن موسى اليحصبي في كتاب "الإلماع".
وهذا شعبة أمير المؤمنين في الحديث يعتني بالضبط بمثل ما نقل القاضي عياض أيضًا: عن عبد الله بن إدريس الكوفي أنه قال: لما حدثني شعبة بحديث أبي الحوراء السعدي، عن الحسن بن علي؛ كتب أسفلَه: "حور عين" لئلا أغلط، يعني: فيقرأه: "أبو الجوزاء" لشبهه به في الخط. اهـ (تدريب الراوي).
ومن أعجب أخبار أئمتنا في حرصهم على الضبط والإتقان أن بعضهم يترك الأخذ عمن لم يضبط، ويقع في الخطأ والتحريف ما نقله العسكري (٣٨٢ هـ) في كتابيه "تصحيفات المحدثين ١/ ١٧، ١٨"، و"شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص ١٧): عن أبى عبيد الآجري قال: سمعت أبا داود السجستاني يقول: قال أحمد بن صالح المصري: قال سلامة بن روح الأيلي في حديث السقيفة: إلا كانا "بَعْرةَ أن يَفِيْلا"، تصحيف "تَغِرَّة أن يُقتَلا". قال أبو داود: وكان أحمد بن صالح قد كتب عنه خمسين ألف حديث، فتركه.