بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الحمد لله الذي فضّل بني آدم بتعليم الأسماء، وشرّفهم بتشريف الارسال والاصطفاء، واصطفى بعضهم ليميز الرائج من الكاسد من العلماء والأصفياء، وبعث إليهم الرسل والأنبياء، صلوات الله عليهم أجمعين، وختمهم بأشرفهم دِينًا، وأمتنهم حجة وأوضحهم بيانًا، فبين طريق الحق بجواهر نظمه، وبحر علومه ولججه، وأزاح شبهات أهل الزيغ ببواهر حججه، وجعل صحبه كالنجوم مبلغين ما نطق، وأتباع صحبه التابعين بالإحسان ناقلين ما فتق، فرضي الله عنهم أجمعين، ثم إنه تدرج في الناقلين من ليس منهم فخلطوا بالحق ما ليس منه، فمنَّ الله تعالى بتوفيق الأئمة الأعلام أن يميِّزوا غير الأهل عنه بكشف أحوالهم من مولدهم ومماتهم، وتعيين منشأهم ومعاشهم، وضبط أسمائهم، إذ به ينكشف حال ما نقلوه من صحة أو سقام، ويفتضح العوار فيما بلّغوه في كل حال ومقام، فلابد للطالب من خدمة (^١) الحديث أن يخدم العلم الكافل بذلك، فلذا اعتنى السلف الصالح لما هنالك، حتى صنّفوا في الجرح والتعديل، والمشتبهات والمختلفات ما إن مفاتحه لتنوء بعُصبة أولي قوة شديد، وقال النووي: لكنَّ (^٢) اعتناءَك بضبط ملتبس الأسماء أكثر من ملتبس المتون، إذ لا مدخل للمعني والذهن فيها ولو باعتناء شديد، وقد اتخذ في بلادنا ظِهريّا، وصار طلبه فريّا، فلا تجد أكثرهم من كتاب منه إلا عريّا، بل لا تجد عزماتهم عن طلب نفس الحديث إلا بريّا، والله المستعان على هذه المصيبة الفظيعة، وإليه الملتجى في إزالة هذه الوقيعة.
فتتبّعت ما اتفق لي من كتب القوم، وكم من الليالي سهرت من النوم، فلبسطها وكثرة الشواغل رأيت الهِمَم عنها قاصرة، ولقلة الدواعي وجدت الرغبات بها فاترة، مع قلة الاحتياج إلى مجرد الضبط في هذا الزمان، فامتدّت أعناق (^٣) هذه الأوان إلى
_________________
(١) في نسخة: صنعة.
(٢) في نسخة: ليكُن.
(٣) زاد في نسخة: فضلاء.
[ ٢٧ ]
كتاب يتضمن الضبط من غير كشف الأحوال، فتصفّحتُ له بلاد العرب والعجم ببذل ما في الوسع من الجهد والأموال، فلم أجد كتابا وافيا على نحو ما اقترحتُ لبيان أحوالهم، فحداني الرفق على نفسي وعليهم إلى تخريج ضبط أكثر ما في الصحيح وغيرها بطلب صريح أقوالهم، فاختطفت مما صرفته من بعض أوقاتي؛ لتعليقة صحيح مسلم نَبْذة من الدهور، وشمّرت عن ساعدي جدي في عدة من الشهور.
فجاء بحمد الله على وفق ما راموا وجيزًا مغنيًا عن مجلدات ذوات خطر، وكافية عن البحر المحيط بعدّة القطر، سارعت في تبييضه ممتثلًا إشارة من أمره مطاع، وحكمه يُماع (^١)، إذ مِننه سالفة سانية، وعزماته باهرة عالية، وما هو إلا باب هممه واسعة، ومفاض أنوار إلهية شائعة، مخزن علوم لدنية، وفياض نفحات قدسية، ذو دراسة الحقيقية والشرعية، والهمم العالية المرضية، صفي من الوهّاب بالنية، ومغتنى (^٢) من الرحمن بالقيمة، إمام المتقين (^٣) بشهادة أعلام الأمة، كاشف يوم القارعة، عن محبّيه الغُمّة، عارف اضطرّه الرحمن لأمرٍ ما من الأرض القدسية، فقيَّده في الأرض الصعبة السفلية، فكم ممن أرشده وخلصه عن الغواية من الخواص والعوامّ، وكم ممن أبرد حرارته، للفرقة من الواهين المتحرين على الدوام، وكم ممن حرره (^٤) من عبودية الكونين، وصيّره وجيهًا مخلِصًا لخالق الثقلين، وكم نشر من العلوم النبوية، والحقيقية فأشاع، فصار مجدد المائة في هذا القطر عند المنصفين بلا نزاع، وما رُمتُ به
_________________
(١) كذا في المخطوطة بالميم، من "ماع الشيئُ يَميع" جرى على وجه الأرض منبسطا في هينة (قاموس) أي: يبسط جريًا، وفي المطبوعة "يُراع" بالراء، أي يراعى حكمه، فيراع بحذف لام الكلمة. ز.
(٢) كذا في المخطوطة، وفي المطبوعة "مقتني".
(٣) وعلى هامش المخطوطة: "تلميح إلى اسم الشيخ الممدوح، وهو الشيخ الإمام علي المتقي رحمة الله عليه رحمة واسعة كاملة. ١٢ عبد الحق زيد عمره.
(٤) لم يُقرأ في المخطوطة، وأثبتناه من النسخة المطبوعة.
[ ٢٨ ]
إلا شكر شيئ من نعمائه التامة، مقِرًّا بالعجز عن حقوقه العامة، وما ذاك إلا نبذة من نعماء ربنا تعالى العظيم، فنسأله أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يعصمني من الزلل والسهو بفضله الوافي، فهو حسبي ونعم الكافي، وهو عليه قدير، وبالإجابة جدير.