الفصل الأول: عناية المحدثين بالكنى
إن معرفة الكنى من العلوم التي تمس إليها الحاجة وخاصة عند المحدثين، ولذلك أعطوها من العناية البالغة ما تستحق، فبذلوا ما بوسعهم لتمحيصها وتعيين أصحابها، ودققوا النظر فيها كثيرًا، فأحاطوا بجميع جزئياتها.
وإن هذا الاهتمام يدل على أهمية هذا العلم وما يترتب عليه، ومن المعلوم أن السند الصحيح المتصل في هذه الأمة يعتبر من خصائصها، لا تشاركها فيه أمة أخرى، فقد حفظت شريعتها وأحكام دينها وتناقلتها الأجيال الأولى بالسند المتصل إلى المُشَرِّع دون انقطاع، لذلك فقد اعتم علماء الحديث بدراسة السند والعناية بكل ما يتعلق به.
وعناية المحدثين بالكنى ترجع إلى الأخطاء الجسيمة التي تترتب على الجهل بها حيث أن الراوي يذكر مرة باسمه، ومرة بكنيته، فيظنها من لا معرفة له رجلين، وربما ذكر بهما معًا فيتوهم أنهما رجلين، ومثال ذلك:
"الحديث الذي رواه الحاكم في المعرفة من رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن أبي الوليد عن جابر مرفوعًا: "من صلى خلف الإمام فإن قراءته له قراءة" (١)، وقال: قال الحاكم: عبد الله بن شداد هو أبو الوليد، بيَّنه ابن المديني.
وقد اشتهر بعض الرواة لكناهم فورد ذكرهم في أسانيد الأحاديث دون التصريح بأسمائهم أو بالتصريح بها مرة، وإغفالها والاكتفاء بالكنية مرة أخرى، وقد بيّن هذا الإمام الذهبي في مقدمة كتابه "المقتنى" -الذي بأيدينا- فقال: "فإن الناس أقسام، منهم من اسمه كنيته، أو لا يعرف بغير كنيته، ومنهم
_________________
(١) ١ والحديث ضعيف، تكلم عليه محقق سنن الدارقطني ١/٣٢٣، والبيهقي في المعرفة، والزيلعي في نصب الراية ٢/٧.
[ ١ / ١٩ ]
من اشتهر بالكنية وخفي اسمه، ومنهم من اشتهر باسمه أو نسبه وخفيت كنيته، ومنهم من اشتهر بالأمرين، ومنهم من لا يعرف سواء سمي أو كني" ا. هـ.
وقد قسم الإمام النووي في التقريب هذا النوع إلى تسعة أقسام، فقال (١):
الأول: من سمي بالكنية لا اسم له غيرها، وهم ضربان:
أ- من له كنية كأبي بكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة، اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن.
ومثله أبو بكر بن عمرو بن حزم، كنيته أبو محمد، قال الخطيب: لا نظير لهما، وقيل: لا كنية لابن حزم.
ب- من لا كنية له كأبي بلال عن شريك، وكأبي حصين بفتح الحاء عن أبي حاتم الرازي.
الثاني: من عرف بكنيته، ولم يعرف أله اسم أم لا؟ كأبي أُنَاس (٢) بالنون، صحابي، وأبي مُوَيْهِبة (٣) مولى رسول الله ﷺ، وأبي شيبة الخدري، وأبي الأبيض عن أنس، وأبي بكر بن نافع مولى ابن عمر، وأبي النجيب بالنون المفتوحة، وقيل بالتاء المضمومة، وأبي حَرِيز (٤) بالحاء والزاي المَوْقِفي (٥)، والموقف محلة بمصر (٦) .
الثالث: من لقب بكنية وله غيرها اسم وكنية، كأبي تراب علي بن أبي طالب أبي الحسن، وأبي الزناد عبد الله بن ذكوان، وأبي عبد الرحمن، وأبي الرجال محمد بن عبد الرحمن أبي عبد الرحمن، وأبي تُمَيْلة (٧) يحيى بن واضح، وأبي الآذان الحافظ عمر بن إبراهيم أبي بكر، وأبي الشيخ الحافظ عبد الله بن محمد، وأبي حازم العبدوي عمر بن أحمد أبي حفص.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ٢/٢٨٠-٢٨٦، قال السيوطي في الحاشية: ابتكرها ابن الصلاح، انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص٢٩٦ ٢ أنَاس: بضم الهمزة وفتح النون. الإصابة ٧/٢٣، تبصير المنتبه ١/٢٨. ٣ مُوَيهَبة: بضم الميم وفتح الواو. الإصابة ٧/٣٩٣. ٤ أبو حَرِيز: بمفتوحة وكسر راء وبزاي. المغني. ٥ المَوْقفي: بمفتوحة وكسر قاف ففاء. المغني. ٦ قال السخاوي في الفتح ٣/٢٠٢: وبالجملة فأمثلة هذا القسم قليلة، وقَلَّ أن تخلو من خدش، وما أظرف قول بعض هؤلاء لابنه وقد سأله عن اسمه: يا بني إن أباك ولد بعد أن قسمت الأسماء. ٧ تُمَيلة: بالتصغير. تقريب ٢/٤٠٣.
[ ١ / ٢٠ ]
الرابع: من له كنيتان أو أكثر كابن جريج أبي الوليد وأبي خالد، ومنصور الفُرَاوي (١) أبي بكر وأبي الفتح وأبي القاسم.
الخامس: من اختلف في كنيته كأسامة بن زيد، وقيل أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو خارجة، وخلائق لا يحصون، وبعضهم كالذي قبله.
السادس: من عرفت كنيته واختلف في اسمه كأبي بصرة الغفاري، حميل بضم الحاء المهملة على الأصح، وقيل: بجيم مفتوحة، وأبي جُحَيْفة (٢) وهب، وقيل: وهب الله، وأبي هريرة، عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولًا، وهو أول مكنى بها، وأبي بُرْدة بن أبي موسى.
قال الجمهور: عامر وابن معين: الحارث، وأبي بكر بن عيّاش (٣) المقري فيه نحو أحد عشر، قيل: أصحها شعبة، وقيل أصحها اسمه كنيته.
السابع: من اختلف فيهما كسَفِينة (٤) مولى رسول الله ﷺ، قيل: عمير، وقيل: صالح، وقيل: مِهران (٥) أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو البختري.
الثامن: من عرف بالاثنين كآباء عبد الله أصحاب المذاهب (٦)، سفيان الثوري ومالك، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل. وغيرهم.
التاسع: من اشتهر بهما مع العلم باسمه كأبي إدريس الخّوْلاني (٧) عائذ الله ﵃ أجمعين (٨) .
_________________
(١) ١ الفراوي: بفتح الفاء وقيل بضمها. المغني. ٢ جحيفة: بالتصغير. تقريب ٢/٤٠٥. ٣ عياش: بفتح العين والياء المشددة. تبصير المنتبه ٣/٨٩٧. ٤ سفينة بفتح السين وكسر الفاء. الإصابة ٣/١٣٢، تقريب ١/٣١٢. ٥ مهران: بكسر ميم. مغني. ٦ عبارة السخاوي في الفتح ٢/٢٠٥: كالأئمة الأربعة آباء عبد الله، مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة النعمان بن ثابت. ٧ الخولاني: بفتح خاء ونون. مغني. ٨ وقد أضاف السخاوي في الفتح قسمًا عاشرًا، فقال: والعاشر من اشتهر بكنيته دون اسمه، وإن كان اسمه معنيًا معروفًا، ومنه: أبو الضحى -بضم الضاد المعجمة ثم حاء مفتوحة- كنية لمسلم بن صُبَيح بضم المهملة ثم موحدة مفتوحة، وآخره مهملة. ثم قال: ومما يلتحق بالكنى نوعان أهملهما ابن الصلاح وأتباعهم من وافقت كنيته اسم أبيه، كأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق المدني ٢/٢٠٥.
[ ١ / ٢١ ]