وقال عبد الله بن الفرح القنبريّ العابد: اطّلعت على إبراهيم بن أدهم في بستان بالشام، وهو مستلق. وإذا بحيّة في فمها طاقة نرجس. فما زالت تذبّ عنه حتى انتبه.
وقيل لإبراهيم بن أدهم: هذا السبع قد ظهر لنا.
قال: أرونيه.
فلمّا رآه جاءه وقال: يا قسورة (١)، إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به، وإلّا فعودك على بدئك! فولّى السبع ذاهبا يضرب بذنبه.
فعجبوا كيف فهم السبع كلامه. فأقبل عليهم فقال: قولوا: اللهمّ احرسنا بعينك التي لا تنام، واكنفنا بركنك الذي لا يرام. وارحمنا بقدرتك علينا فلا نهلك، وأنت رجاؤنا، يا الله! يا الله! يا الله!
قال خلف بن تميم: فما زلت أقولها منذ سمعتها، فما عرض لي لصّ ولا غيره- وفي رواية: قال خلف: فأنا منذ سمعت هذا أدعو به عند كلّ شدّة وكرب، فما رأيت إلّا خيرا- وفي رواية: أنا أقولها على ثيابي إذا دخلت الحمّام، وعلى نفقتي منذ ستّين سنة أو سبعين سنة فما ذهب لي شيء.
قال نصر بن منصور المصيصيّ أبو محمد: ورد إبراهيم بن أدهم المصيصة فأتى منزل أبي إسحاق الفزاريّ وطلبه، فقيل: هو خارج المدينة.
فقال: أعلموه إذا أتى أنّ أخاه إبراهيم طلبه، وقد ذهب إلى مرج كذا وكذا يرعى فرسه.
فمضى إلى ذلك المرج فإذا أناس يرعون
_________________
(١) في الحلية ٨/ ٤: يا أبا الحارث. وهي كنية الأسد. وبعض القصّة في عيون الأخبار لابن قتيبة ٢/ ٢٨٧.
[ ١ / ٥٠ ]
دوابّهم، فرعى حتّى أمسى. فقالوا له: ضمّ فرسك إلى دوابّنا، فإنّ السباع تأتينا.
فأبى وتنحّى ناحية. فأوقدوا النيران حولهم، ثمّ أخذوا فرسا لهم صئولا (١) فأتوه به وفيه شكالان، يقودونه بينهم وقالوا له: إنّ في دوابّنا رماكا (٢) أو حجورا (٣) فليكن هذا عندك.
قال: وما نصنع بهذه الحبال؟
فمسح وجهه وأدخل يده بين فخذيه فوقف لا يتحرّك فتعجّبوا من ذلك ساعة. ثم قال لهم:
اذهبوا!
فجلسوا يرمقون ما يكون منه ومن السباع. فقام يصلّي وهم ينظرون. فلما كان في بعض الليل أتته أسد ثلاثة يتلو بعضها بعضا. فتقدّم الأول إليه فشمّه ودار به، ثمّ تنحّى ناحية وربض. وفعل الثاني والثالث كفعل الأوّل. ولم يزل إبراهيم يصلّي ليلته قائما، حتى إذا كان السحر، قال للأسد: ما جاء بكم؟ أتريدون أن تأكلوني؟
امضوا!
فقامت الأسد فذهبت. فلمّا كان الغد، جاء الفزاريّ إلى أولئك فسألهم فقال: أجاءكم رجل؟
قالوا: أتانا رجل مجنون- وأخبروه بقصته.
فقال: أتدرون من هو؟
قالوا: لا.
قال: هو إبراهيم بن أدهم.
فمضوا معه إليه فسلّموا عليه. ثم انصرف به الفزاريّ إلى منزله، فمرّا برجل قد كان إبراهيم
سأله مقودا ساومه به درهما ودانقين. فقال إبراهيم للفزاري: نريد هذا المقود.
فقال الفزاري لصاحب المقود: بكم هذا المقود؟
فقال: بأربعة دوانيق.
فدفع إليه ذلك وأخذ المقود. فقال إبراهيم للفزاري: أربعة دوانيق في كذا، دين من هو؟