وعن [] في المسجد مع أصحابه: كنا نحصد رجلين اثنين، فكان إذا كان عند الظهيرة يقيل أصحابه، ثم يدخل هو المدينة فيشتري [١٢ ب] خبز فرنيّ ولبن [] (٢) وجبن ورطب
وتمر. ثمّ يخرجه فيضعه، ثمّ يستقي ماء باردا فيضعه. ثمّ ينبّههم فيصلّون. ثم يقرّب إليهم ذلك الطعام فيأكلون ذلك الخبز الطيّب والتمر واللبن والجبن والرطب والزبد، وهو صائم، ثمّ ما يذوقه.
وقال أبو إسحاق الفزاريّ: كان إبراهيم بن أدهم يغزو معنا المغازي، فلا يطعم معنا من اللحم، ولا من طرف أرض الروم شيئا. فقلت له:
تدع ذلك وأنت تشتهيه؟
قال: فأين الشهوة؟
فظننت أنّه يشتهيه ويدعه. (قال) وأصابتنا مجاعة بمكّة، فمكث ثمانية أيّام يبلّ الرمل بالماء ويأكله.
وقال بقيّة بن الوليد: صحبت إبراهيم بن أدهم إلى المصيصة، فبينا أنا معه إذا رجل يقول: من يدلني على إبراهيم بن أدهم؟
فأشرت باصبعي إليه ف [ت] قدّم إليه وقال:
السلام عليك ورحمة الله.
قال: وعليك السلام. من أنت؟
قال: أخبرك أنّ أباك توفّي، وخلّف مالا عظيما. وأنا عبدك فلان. وهذه البغلة لك، ومعي عشرة آلاف درهم تنفقها على نفسك وترحل إلى بلخ. والمال مستودع عند القاضي.
فسكت ساعة ثم قال: إن كنت صادقا فيما تقول، فأنت حرّ، والبغلة لك. والمال تنفقه على نفسك- ثم التفت إليّ فقال: هل لك في الصحبة؟
قلت: نعم.
فارتحلنا حتّى بلغنا إلى حلوان. فلا والله ما طعم ولا شرب، وكان يوما مثلجا. فقال: يا بقيّة، لعلّك جائع؟
_________________
(١) الدّعك: حكّ الشيء بالشيء مما يترك فيه أثرا. كأنّ الجلد تخدّد وتهرّأ.
(٢) بعد لبن كلمة مطموسة كأنّها صفة للّبن.
[ ١ / ٤٣ ]
قلت: نعم.
قال: ادخل هذه الغيضة، وخذ منها ما شئت.
(قال) فمضيت فقلت في نفسي: «يوم مثلج، فمن أين لي؟» ودخلت فإذا بشجرة خوخ. فملأت جرابي وجئت، فقال لي: ما الذي في جرابك؟
قلت: خوخ.
قال: يا قليل اليقين! هل يكون هذا؟ لعلّك تفكّرت في شيء آخر؟ ولو ازددت يقينا لأكلت رطبا كما أكلت مريم بنت عمران في وسط الشتاء.
ثم قال: هل لك في الصحبة؟
قلت: بلى!
فمشينا، ولا والله ما عليه حذاء ولا خفّ حتى بلغنا إلى بلخ. فدخل على القاضي وسلّم عليه وقال: بلغني أنّ أبي توفّي واستودع عندك مالا؟
قال: أمّا أدهم، فنعم. وأمّا أنت فلا أعرفك.
فأراد أن يقوم، فقال القوم: هذا إبراهيم بن أدهم.
فقال: مكانك؟ فقد صحّ لي أنّك ابنه.
قال: فأخرج المال!
قال: لا يمكن إخراجه.
قال: فدلّني على بعضه.
فدلّه على بعضه. فصلّى ركعتين، وتبسّم.
فقال القاضي: بلغني أنك زاهد.
قال: وما الذي رأيت من رغبتي؟
قال: فرحك وتبسّمك.
قال: إنّما فرحي وتبسّمي من صنع الله بأبي.
هذا مال كان حبيسا عن سبيل الله فأعانني الله حتى جئت في إطلاقه، قد جعلتها كلّها في سبيل الله.
ونفض ثيابه وخرج. فقلت له: يا أبا إسحاق، لم تطعم من شهرين!
قال: ذكّرتني! هل لك في الطعام؟
قلت: نعم.
فصلّى ركعتين فإذا حوله دنانير. فحملت دينارا ومضينا.
قال عليّ بن بكّار: وكان إبراهيم بن أدهم لا يردّ هديّة ويكافئ بمثلها. فخرجنا معه يوما نشيّعه، وهو يريد الشام. فلمّا بلغ مكان كذا وأردنا الرجوع نزع إزاره، وكان مؤتزرا به تحت فروة فدفعه إلى أبي إسحاق وقال: بيعوه واشتروا به كذا وكذا وابعثوا به إلى فلان.
فقال له أبو إسحاق: ليس عليك إزار، ولا على جلدك قميص. إنّما هو هذا الفرو، أمسكه، نحن نكافئه عنك!
فأبى. فأخذناه منه.
وأهدى إليه رجل عنبا وتينا على طبق. فلم يكن عنده ما يكافئه فنزع فروه فوضعه على الطبق وبعث به إليه.
قال مهدي بن مهديّ: حدّثني بقيّة [بن الوليد] قال: سهرت مع إبراهيم بن أدهم على حائط صور. فحدّثني عن رجل عن النخعيّ عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: «إذا دخل عليك صبيّ جارك، [ف] ضعي في يده شيئا، فإنّ ذلك يحقّ لك المودّة في قلوبهم».
قال بقيّة: فقمت إلى شيء من [١٣ أ] طرائف البحر، فأهديته إليه، ثمّ ندمت بعد ذلك.
فقلت لبقيّة: لم ندمت؟
قال: لأنّه بعث إليّ بكساء كان يلبسه في الشتاء وخفّ كان يلبسه في الغزو.
ودخل الجبل ومعه فأس رومي فاحتطب حطبا
[ ١ / ٤٤ ]
كثيرا. ثمّ جاء به فباعه واشترى به ناطفا (١) ثمّ جاء به إلى أصحابه فقال: كلوا! كأنّكم تأكلون في دهن.
وعن أبي شعيب قال: سألت إبراهيم بن أدهم أن أصحبه إلى مكّة فقال: على شريطة: على أنّك لا تنظر إلّا لله وبالله.
فشرطت له ذلك على نفسي فخرجت معه.
فبينا نحن في الطّواف إذا أنا بغلام قد افتتن الناس به لحسنه وجماله. فجعل إبراهيم يديم النظر إليه.
فلمّا أطال ذلك قلت: يا أبا إسحاق، أليس شرطت عليّ أن لا انظر إلّا لله وبالله؟
قال: بلى.
قلت: أراك تديم النظر إلى هذا الغلام؟
فقال: إن هذا ابني وولدي، وهؤلاء غلماني وخدمي الذين معه، ولولا شيء لقبّلته، ولكن انطلق، فسلّم عليه منّي وعانقه عنّي.
(قال) فمضيت إليه وسلّمت عليه من والده وعانقته. فجاء إلى والده فسلّم عليه، ثمّ صرفه مع الخدم. فقال: ارجع! انتظر إيش يراد بك. وأنشأ يقول [الوافر]:
هجرت الخلق طرّا في رضاك وأيتمت العيال لكي أراك
ولو قطّعتني في الحبّ إربا لما حنّ الفؤاد إلى سواك
وأهدى إليه رجل سلّة تين عند غروب الشمس، فقسمه على جيرانه وعلى الفقراء. فقال له بعض أصحابه: ألا تدع لنا شيئا؟
قال: ألستم صوّما؟
قالوا: بلى.
قال: سبحان الله! أما لكم حياء؟ أما لكم أمانة؟
أما تخافون من الله العقوبة بسوء ظنّكم بالله، وطول الأمل إلى السّماء؟ ثقوا بالله، وأحسنوا الظنّ بما وعد الله، فإنّ الله يقول: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل: ٩٦]