وقيل له: لم لا تكتب الحديث؟
قال: إني مشغول بثلاث: أوّلها الشكر على النعم. والثاني: الاستغفار للذنوب. والثالث:
الاستعداد للموت. ثمّ صاح وغشي عليه. فسمع صوت ولا يرى شخص: لا تدخلوا بيني وبين أوليائي!
وفي رواية أنّه مرّ بسفيان الثوريّ وهو قاعد مع أصحابه، فقال له سفيان: تعال حتى أقرأ عليك علمي!
قال: إنّي مشغول بثلاث- ومضى.
فقال سفيان لأصحابه: ألا سألتموه ما هذه الثلاث؟
ثمّ قام سفيان ومعه أصحابه حتى لحق إبراهيم فقال له: قلت: إنّي مشغول بثلاث عن طلب العلم، فما هذه الثلاث؟
فقال: إنّي مشغول بالشكر لما أنعم [به] عليّ، والاستغفار لما سلف من ذنوبي، والاستعداد للموت.
فقال سفيان: ثلاث، وأيّ ثلاث!
وقال مسلم بن مهران: كان إبراهيم بن أدهم إذا سئل عن العلم جاء بالأدب.
ويروى عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال لإبراهيم ابن أدهم: رزقت من العبادة شيئا صالحا، فليكن العلم من ذلك فإنّه رأس العبادة، وبه قيام الدين.
وقال أبو عثمان الأسود، وكان قد رافق
_________________
(١) وهيب [بن] الورد المكّي: حلية ٨/ ١٤٠.
(٢) يوسف بن أسباط: حلية ٨/ ٢٣٧.
(٣) سليمان الخوّاص العابد: أعلام النبلاء ٨/ ١٧٨ (٢٣) حلية ٨/ ٢٧٦.
[ ١ / ٤٠ ]
إبراهيم بن أدهم أربع عشرة سنة: حججت فلقيت عبد العزيز ابن أبي دؤاد، فقال لي: ما فعل أخوك إبراهيم بن أدهم؟
قلت: بالشام، في موضع كذا وكذا.
فقال: أما إنّ عهدي به وإنّه ليركب بين يديه ثلاثون شاكريّا (١) بخراسان. ولكنّه أحبّ أن يتبحبح في الجنّة.
وقال أبو الوليد صاحب إبراهيم بن أدهم: كان إبراهيم بن أدهم وأصحابه يمنعون أنفسهم أربع إرادات: الماء، والحذاء، والحمّامات، ولا يجعلون في الملح أبزارا.
وقال إبراهيم بن أدهم: الجوع مرق القلب.
وقال: قلب المؤمن أبيض نقيّ على مثال المرآة، فلا يأتيه الشيطان من ناحية من النواحي بشيء من المعاصي إلّا نظر إليه كما ينظر إلى وجهه في المرآة. وإذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء. فإن تاب من ذنبه محيت النكتة من قلبه وانجلى. وإن لم يتب وعاود أيضا وتتابعت الذنوب ذنب [ا] بعد ذنب، نكت في قلبه نكتة بعد نكتة حتّى يسودّ القلب، وهو قول الله ﷿: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال: الذنب بعد الذنب حتّى يسوّد القلب، فما أبطأ ما تنجع في هذا القلب المواعظ! فإن تاب إلى الله قبله الله وانجلى عن قلبه كجلاء المرآة.
وعن بقيّة بن الوليد [الحمصيّ] قال (٢): دعاني إبراهيم بن أدهم إلى طعام له، فأتيته، فجلس هكذا- ووضع رجله اليسرى تحت إليته، ونصب
رجله اليمنى، ووضع مرفق يده عليها- ثمّ قال لي) يا أبا محمّد، تعرف هذه الجلسة؟
قلت: لا.
قال: هذه جلسة رسول الله ﷺ، كان يجلس جلسة العبيد، ويأكل أكل العبيد. خذوا باسم الله! .