ويذكر أصحاب القصص أنّ نمروذ لمّا أحكم أمر ملكه، وساس أمر الناس، وأذعن له الكافّة، أخبر أنّه يولد في مملكته مولود ينازعه في ملكه، ويكون سلب ملك نمروذ على يديه. فتجرّد للنظر في ذلك ودعا خيار قومه واختار منهم ستّة،
أحدهم آزر أبو إبراهيم، فولّى كلّ رجل منهم خصلة من الخصال التي أسّس أمر ملكه عليها وضمّنها إيّاه وارتهن بها رقبته إن هي ضاعت أو فسدت أو تغيّرت. وقال لهم: أيّها القوم، إنّكم خيار قومي ورؤساؤهم وعظماؤهم، وإنّني لم أزل منذ سست أمر ملكي وأهل مملكتي وهممت بما هممت به فيهم، أعدّكم وأختاركم. وقد دعاني أن أستعين بكم وأشاوركم أنّي قد سست أمر الملك والناس على سبع خصال، وقد ولّيت كلّا منكم خصلة، وجعلت نفسه مرتهنة عندي إن هو لم يحكمها. فانطلقوا واقترعوا عليهنّ، [وما صار] لكلّ منكم في قرعته، فهو واليها ووليّ أهلها، وأنا له عليها وعلى أهلها عون. واعلموا أنّي سست أمر الملك ووطّنت الناس على أنّه لا يعبد إلّا إلا هي وعلى أنّه لا سنّة إلّا سنّتي، وعلى أنّه لا أحد أولى بنفسه وماله منّي، وعلى أنّه لا أحد أخوف فيهم ولا أطوع عندهم منّي، وعلى أنهم يد واحدة على عدوّهم، وعلى أنهم خولي وعبيدي [٢ ب] أحكم فيهم برأيي ومحبّتي، وعلى أنه قد بلغني أنه يولد في هذا الزمان مولود يكابرني ويخلع طاعتي ويرغب عن ملّتي ويغلبني ويقهرني، فأنا سابعكم في هذه الخصلة، وأنا وأنتم وجميع أهل مملكتي كنفس واحدة في طلبه وهلاكه. فمن ظفر به فله عليّ ما احتكم وما تمنّى. فانطلقوا فاقترعوا ثم أعلموني ماذا صار في قرعة كلّ منكم.
فلمّا اقترعوا صار في قرعة أبي إبراهيم الآلهة التي يعبدها، فلا يعبد أحد صنما، لا الملك ولا غيره، إلّا صنما عليه طابع أبي إبراهيم، وكان ذلك لطفا من الله تعالى لما أراده من كرامة خليله وإظهاره. فأحكم ذلك أبو إبراهيم، وصار أمينهم لا يتّهمونه ولا يعدلون به غيره.