وقال حوّاري بن حوّاري: كان إبراهيم بن أدهم يتألّف الناس بأخلاقهم ويأكل معهم، وربّما اتّخذ الشواء، والجوزابات، والخبيص، وطعام الطيب. وربّما خلا هو وأصحابه الذين يأنس إليهم. وكان يعمل عمل الرجلين، وكان إذا أكل وحده أكل الطعام الدّون. وكان كريم النفس، إذا اصطنع إليه إنسان معروفا يحرص على إكرامه، وأكثر ممّا يصنع به.
وقال عصام بن روّاد [بن الجرّاح] عن أبيه:
كنت ليلة مع إبراهيم بن أدهم بالثغر، فأتاه رجل بباكورة. فنظر حوله هل يرى شيئا من رحله يكافئه، فلم ير شيئا. فنظر إلى سرجي فقال: خذ ذلك السرج!
فأخذه الرجل ومضى. فداخلني سرور ما دخلني مثله قطّ حين علمت أنّه صيّر مالي وماله واحدا.
وعن إبراهيم بن بشّار [الصوفيّ الخراساني خادم إبراهيم بن أدهم] قال: أمسينا مع إبراهيم بن أدهم ذات ليلة، وليس معنا شيء نفطر عليه، ولالنا حيلة. فرآني مغتمّا حزينا، فقال: يا إبراهيم بن بشّار، ماذا أنعم الله على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة في الدنيا والآخرة، لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ولا عن حجّ ولا عن صدقة ولا عن صلة رحم، ولا عن مواساة، وإنّما يسأل ويحاسب
_________________
(١) الناطف: نوع من الحلوى من عروق العسلوج. وهو أيضا الشمع (دوزي). ولعلّ هذا هو المقصود مع الدهن.
[ ١ / ٤٥ ]
عن هذا هؤلاء المساكين، أغنياء في الدنيا فقراء في الآخرة، أعزّة في الدنيا أذلّة يوم القيامة. لا تغتمّ ولا تحزن، فرزق الله مضمون سيأتيك. نحن والله الملوك الأغنياء، نحن الذين تعجّلوا الراحة في الدنيا والآخرة، لا نبالي على أيّ حال أصبحنا وأمسينا إذا أطعنا الله.
ثمّ قام إلى صلاته وقمت إلى صلاتي. فما لبثنا إلّا ساعة وإذا نحن برجل قد جاءنا بثمانية أرغفة وتمر كثير فوضعه بين أيدينا وقال: كلوا رحمكم الله!
فسلّم، ثمّ قال: كل يا معنّى!
فدخل سائل فقال: أطعمونا شيئا.
فأخذ ثلاثة أرغفة مع تمر فدفعها إليه، وأعطاني ثلاثة وأكل رغيفين، وقال: المواساة من [١٣ ب] أخلاق المؤمنين.
وقال عليّ بن بكّار: كان الحصاد أحبّ إلى إبراهيم بن أدهم من اللقاط. وكان سليمان الخوّاص لا يرى بأسا باللقاط ويلقط. وكانت أسنانهما قريبة، وكان إبراهيم أفقه، وكان من العرب من بني عجل كريم الحسب. وكان إذا عمل ارتجز وقال:
اتّخذ الله صاحبا ودع الناس جانبا (١)
وكان يلبس في الشتاء فروا ليس تحته قميص، ولم يكن يلبس خفّين ولا عمامة، وفي الصيف [يلبس] شقّتين بأربعة دراهم يتّزر بواحدة ويرتدي بالأخرى، ويصوم في السفر والحضر ولا ينام الليل.
وكان يتفكّر، فإذا فرغ من الحصاد أرسل بعض
أصحابه يحاسب صاحب الزرع ويجيء بالدراهم، فلا يمسّها بيده ويقول لأصحابه: اذهبوا، كلوا بها شهواتكم.
فإن لم يكن حصاد أجر نفسه في حفظ البساتين والمزارع. وكان يطحن بيد واحدة مدّي قمح- أي قفيزين. ويقول: لا ينبغي للرّجل أن يرفع نفسه فوق قدره، ولا أن يضع نفسه دون درجته.
ودعاه الأوزاعيّ إلى طعام فقصّر في الأكل.
فقال له الأوزاعيّ: رأيتك قصّرت في الأكل؟
قال: لأنّك قصّرت في الطعام.
وهيّأ مرّة طعاما ووسّع فيه ودعا الأوزاعيّ، فقال له: أما تخاف أن يكون سرفا؟
فقال إبراهيم: إنما السرف ما ينفقه الرجل في معصية الله. فأمّا ما أنفقه على إخوانه، فهو من الدين.
ومرّ به رجل من الصّنّاع، فقال: أليس هذا فلانا؟
فقيل: نعم.
فقال لرجل: أدركه وقل له: قال [لك] إبراهيم بن أدهم: ما لك لم تسلّم؟
قال: لا والله! إلّا أنّ امرأتي وضعت الليلة وليس عندي شيء، فخرجت شبيه المجنون.
فرجع إلى إبراهيم فقال له. فقال: إنّا لله! كيف غفلنا عن صاحبنا حتّى نزل به هذا الأمر؟ يا فلان، ائت فلانا صاحب البستان فاستسلف منه دينارين، فاشتر له ما يصلحه بدينار وادفع الدينار الآخر إليه.
(قال) فدخلت السوق فأوقرت بعيرا بدينار من كلّ شيء وتوجّهت إليه فدققت الباب. فقالت امرأته: من هذا؟
_________________
(١) هذا البيت لعله من المجتثّ.
[ ١ / ٤٦ ]
قلت: أنا، أردت فلانا.
قالت: ليس هو ههنا.
فأمرتني بفتح الباب وتنحّت. ففتحت الباب وأدخلت ما على البعير في صحن الدار وناولتها الدينار. فقالت: على يدي من هذا رحمك الله؟
فقلت: إذا جاء زوجك أقرئيه السلام وقولي:
هذا على يدي إبراهيم بن أدهم.
فقالت: اللهمّ لا تنس هذا اليوم لإبراهيم بن أدهم!
فجئت إلى إبراهيم فحدّثته بما كان وما كان من قولها وفعلها، ففرح فرحا لم يفرح مثله قطّ.
فلمّا جاء الرجل من آخر النهار وليس معه شيء فنظر إلى صحن الدار قد ملئ من الخير، ودفعت الدينار إليه، قال: على يدي من هذا؟
قالت: على يدي أخيك إبراهيم بن أدهم.
فقال: اللهم، لا تنس هذا اليوم لإبراهيم بن أدهم!
وعن أبي عمير ابن عبد الباقي صاحب أذنة قال: حصد عندنا إبراهيم بن أدهم في المزارع بعشرين دينارا. ودخل أذنة ومعه صاحب له.
فأراد إبراهيم حلق رأسه و[أن] يحتجم. فجاء إلى حجّام وجلس بين يديه. فلمّا رآهما الحجّام حقرهم وقال: ما في الدنيا أحد أبغض إليّ من هؤلاء، [أ] فما وجدوا من يخدمهم غيري؟
فخدم جماعة وتهاون بإبراهيم وصاحبه، وإبراهيم ساكت ينظر. فلمّا لم يبق بين يديه ولا عنده أحد، التفت الحجّام إليهم وقال: إيش الذي تريدون؟
فقال له إبراهيم: أريد أن أحلق رأسي وأحتجم.
فوجد صاحب إبراهيم الذي معه في نفسه من تهاون الحجّام فقال: أمّا أنا فليس أحلق ولا أحتجم.
فحلق إبراهيم واحتجم. فلما فرغ قال لصاحبه: هات الدنانير التي معك!
فدفعها إلى الحجّام كما هي: العشرين دينارا.
فقال له صاحبه: حصدت في هذا الحرّ بهذه الدنانير فدفعتها إلى هذا!
فقال له: اسكت! هذا لا يحقر فقيرا أبدا- ودخل من فوره إلى [١٤ أ] طرسوس. فلمّا أصبح قال لصاحبه: خذ هذه الكتيبات فارهنها وجئنا بشيء نأكله!