وعن شقيق بن إبراهيم قال: أوصى إبراهيم بن أدهم قال: عليك بالناس، وإيّاكم من الناس، ولا بدّ من الناس، فإنّ الناس هم الناس، وليس الناس بالناس، ذهب الناس وبقي النّاس. وما أراهم بالناس، إنّما هم غمسوا في ماء الناس.
قال إبراهيم: أمّا قولي: عليك بالناس، فمجالسة العلماء. وأمّا قولي: إيّاك والناس: إيّاك ومجالسة السفهاء.
وأمّا قولي: لا بدّ من الناس: لا بدّ من الصلوات الخمس والجمعة، والحجّ، والجهاد، واتّباع الجنائز، والشراء والبيع ونحوه.
أمّا قولي: الناس هم الناس: الفقهاء والحكماء.
وأمّا قولي: ليس الناس بالناس: أهل الأهواء والبدع.
أمّا قولي: ذهب الناس: ذهب النبيّ ﷺ وأصحابه.
[ ١ / ٤٨ ]
[١٤ ب] وأمّا قولي: وبقي الناس: يعني من يروى عنهم عن النبيّ ﷺ وأصحابه.
وأمّا قولي: وما أراهم بالناس: إنّما هم غمسوا في ماء الناس: نحن وأمثالنا.
وقال عليّ بن بكّار: كنت أنا وأبو إسحاق الفزاريّ، وإبراهيم بن أدهم، ومخلد بن حسين رفقاء، فكنّا نرعى دوابّنا على شطّ سيحان، ومعنا أخرجتنا وسلاحنا. وكان إبراهيم خادمنا. وكان إذا حضر كأنّ الطير على رءوسنا هيبة له. وإذا غاب عنّا انبسطنا. ولم يكن فينا أحد يجترئ أن يخدم. وكان إذا طحن كفّ رجلا ومدّ رجلا، فيطحن مديّا، ثمّ يكفّ هذه ويمدّ الأخرى [ويطحن] مديّا آخر.
وكان إذا أراد أن يتوضّأ قام بثيابه فلفّها على رأسه ثمّ يسبح في سيحان حتّى يقطعه فيجوز إلى تلك الناحية فيتوضّأ ويقضي حاجته. ثمّ يقبل وثيابه على رأسه ملفوفة، ثمّ يجيء.
وقال بقيّة بن الوليد: قلت لإبراهيم بن أدهم:
أكنّيك أم أدعوك باسمك؟
قال: إن كنّيتني قبلت منك. وإن دعوتني باسمي فهو أحبّ إليّ.
فمدحته وأثنيت عليه. ففطن فقال: لروعة تروّع صاحب عيال أفضل ممّا أنا فيه.
قلت: أوصني!
قال: كن ذنبا ولا تكن رأسا. فإنّ الرأس يهلك ويسلم الذنب.
وقلت له: طوبى لك! أقبلت على العبادة وزهدت في الدنيا!
فقال: ألك عيال؟
قلت: نعم.
قال: لروعة رجل لعياله ساعة أفضل من عبادة كذا وكذا.
ورآه الأوزاعي بسبروت (١) وعلى عنقه حزمة حطب. فقال له: يا أبا إسحاق، أيّ شيء هذا؟
إخوانك يكفونك!
فقال: دعني من هذا يا أبا عمرو! فإنّه بلغني أنّه من وقف موقف مذلّة في طلب الحلال وجبت له الجنّة.
وعن أبي عمر الغسّاني قال: أتانا رجل يسأل عن إبراهيم بن أدهم فأعلمناه أنّا لا نعرفه ولا نعرف له موضعا. فقال لي: لم أزل على صحّة من خبره إلى أن دخل مدينة عسقلان.
فقال رجل من القوم: عندي ناطور في بستان قد أنكرت أمره، وهو خليق أن يكون هو. وذلك أنّي خرجت في جماعة من أصحابي إلى البستان فسألته أن يأتيني برمّان حلو فأتاني برمّان حامض.
فقلت له: «من هذا تأكل؟» فقال: ما آكل من متاع [هم] (٢) إنّما اكتروني لأحفظه.
فقال الرجل: ينبغي أن يكون هو صاحبي.
فقمنا بأجمعنا حتّى وقفنا على باب البستان فاستفتح صاحبه فخرج إلينا فإذا هو إبراهيم بن أدهم، فسلّم عليه الرجل.
فقال له: ما حاجتك؟
قال: مولاك فلان مات وخلّف شيئا جئتك به.
فبسط إبراهيم كساءه وقال له: «هات!» فصبّ فيه ثلاثين ألف درهم. فقال للرجل: «اقسمها أثلاثا». ففعل. فقال: لتأخذوا عشرة آلاف درهم، ففرّقوها على الفقراء والمساكين. وعشرة آلاف
_________________
(١) السبروت: الأرض القاحلة الغليظة ولعلها: بيروت.
(٢) في المخطوط: وما أكل من متاع. والقصة بعد معادة.
[ ١ / ٤٩ ]
درهم رمّوا به الحائط فقد رأيته قد تشعّث.
وقال للرسول: خذ أنت عشرة آلاف درهم لعنائك من بلخ.
فما وضع يده على درهم منها، وأخذ كساءه ووضعه على عنقه، وخرج من عسقلان، فما علمناه عاد إليها. وقال: «ما [١٥ أ] صدق الله عبد أحبّ الشهرة!» وخرج من بيت المقدس فمرّ بمسلحة فقالوا: عبد؟
قال: نعم.
قالوا: ابق؟
قال: نعم.
فذهبوا به فحبسوه بالسجن بطبريّة. فجاء رجل يطلب غلاما له أبق من بيت المقدس. فقالوا له:
«إنّ مسلحة كذا وكذا قد أصابوا غلاما آبقا، فهو في السجن بطبريّة». فذهب إلى السجن فإذا هو إبراهيم بن أدهم. فقال: سبحان الله! ما تصنع ههنا؟
فقال: أنا هنا ما أحسن مكاني!
فرجع الرجل إلى بيت المقدس فأخبرهم، فجاءه الناس من بيت المقدس [وبعثوا] إلى أمير طبريّة فقالوا: إبراهيم بن أدهم ما يصنع في سجنك؟
فقال: ما حبسته.
قالوا: بلى.
فبعث إليه فجاء به فقال له: فيم حبست!
قال: مررت بمسلحة. فقالوا: عبد؟ قلت:
نعم، وأنا عبد الله. قالوا: آبق؟ قلت: نعم، وأنا آبق من ذنوبي.
فخلّى سبيله.