عاشت الشعوب الايرانيّة قبل الاسلام حالة من الجهل والظلم والحرمان
[ ٣ ]
حتّى من أبسط الحقوق والمزايا الاجتماعيّة، وكان العلم محظورا وحكرا على العائلة المالكة، فلا مدارس ولا علماء ولا مؤسسات ثقافية أو تربويّة، ولا مجال لأيّة نشاطات سياسيّة أو علميّة، بل كانت الأمية والظلم الاجتماعي والطبقي يسود عامّة الشعب.
وحينما بزغ فجر الاسلام، وتحرّر الشعب من براثن الطاغوت الحاكم، استقبل هذا النور بحفاوة بالغة، تاركا خلفه ظلمات الجاهليّة وعناءها وقيودها، وكلّما مرّت به الأيام ازداد قناعة وتمسكا بهذه الرسالة الخالدة، ولم يمض قرن واحد حتى صار هذا الشعب المقدام يحتلّ مركز الصدارة في الدولة الاسلامية الكبرى ويلعب دورا رئيسيّا فى الأمور وخاصة الفكرية والعلميّة منها رغم كل العراقيل الاجتماعية والسياسيّة التى كانت تحول دونه.
ومن الواضح أن اعتناق هذا الشعب للاسلام لم يتمّ دفعة واحدة ولا عن إكراه وإجبار، وإنّما بصورة تدريجية وفي خلال قرون عديدة وعن قناعته التامّة بهذا المنهج القويم وعلى اثر المقارنة بين ما كان يعيشه في العهد الساساني وغيره من ظلم واعتساف وبين ما لمسه من العدل الاسلامي وخاصّة فى عهد الإمام عليّ ﵇ حيث الخليفة قاطن فيما بينهم بتواضعه العظيم لا يفرّق بين أبيض وأسود ولا بين غنيّ وفقير ولا بين شعب واخر.
واستمرّ الشعب في التفاعل مع الفكر القرآني حتّى امن بضرورة تجسيده فى جميع المجالات وفي مقدّمتها المجال السياسي والقيادي وخاصّة بعد ما رأ الزيغ والزلل والأهواء يخيّم على القيادات المتشدّقة بالاسلام تلك الحكومات الوراثيّة والعنصرية المتخلّفة فكان منه أن ساهم فى ثورات عديدة ومتتالية أودت بأنظمة وجاءت بأخرى كان من أهمّها الاطاحة بالدولة الأموية.
بيد أن هذه الحركات والثورات كانت تستهدف الأنظمة والقائمين عليها دون أن تكون لها رؤية واضحة وأهداف محدّدة حول البديل وشكل النظام والقيادة الاسلامية الجديدة فكانت النتائج هي فى الغالب تبديل أنظمة بأخرى مثلها فى الظلم والانحراف.
[ ٤ ]
لكن الشعب المسلم في إيران واصل نضاله رغم تبدّد اماله وخيبته من الحكومات المتعاقبة والمتظاهرة بالاسلام، واندفع نحو المزيد من التفكير الجاد فى سبيل استكمال النواقص الفكرية المؤديّة إلى تلكم النكسات، والوصول إلى حقيقة التصور الاسلامي للحكم والحكّام والجماهير أو بالتعبير القرآني الامامة والأمّة.
وبسبب هذه المشاكل وغيرها من المازق الفكرية والاجتماعية التي وقع فيها اتّجه الشعب الايراني المسلم بعلمائه وحوزاته العلميّة شيئا فشيئا إلى اختيار المذهب الشيعي مذهب أهل البيت كمنهج ثابت للصورة الكاملة عن قضايا الامامة والأمّة، وبوصفه المجسد الحقيقي للفكر القرآني والخطّ الاسلامي الرسالي.
وجاء هذا التحوّل العظيم نتيجة لحركات وهزّات فكريّة عنيفة انطلقت من المدن المركزيّة وحوزاتها العلميّة وانتشرت لتشمل سائر المناطق والبلاد بشكل تدريجي وفي خلال خمسة قرون متوالية من الزمن وبحسب قوة ارتباطها وانشدادها بتلكم المدن والحوزات.
وإذا ما لاحظنا الخارطة فسنجد ذلك بوضوح، فالمدن الايرانية التي عاشت الحياة العلميّة وانخرطت فى سلك الحركة الثقافية أمثال نيسابور ومرو والري وطوس واصبهان وشيراز وجرجان وهمذان و… و… كل هذه المدن اشتركت في انبثاق هذا التحوّل الهام المنبعث في الواقع من الثورة الثقافيّة التى فجرّها الاسلام منذ البدء، ولم يشذ من هذا التحوّل إلا المناطق النائية عن المراكز الثقافيّة والعلمية.
هذا ما حدث في ايران وأما سائر بلاد الاسلام فلم تشهد تلكم الحركات والتطورات الفكرية الجبّارة ولم تساير هذا الركب في رحلته الشاقّة إلّا أشواطا يسيرة قضت عليه الأنظمة الزائفة فيما بعد بمختلف الوسائل والحيل، لذلك انفردت إيران فى مسيرتها المظفّرة واتخذت اتجاها معيّنا ومستقلا عن سائر البلاد من أواسط القرن الثاني وإلى يومنا هذا، كما لا يخفى على المتتبع
[ ٥ ]
للقضايا التاريخية.
ولا تزال الحركة العملية في إيران قائمة ونشطة تمدّ الأمة في كل اللحظات الحسّاسة بما يكفل لها المزيد من العزّ والتقدّم والرقي فى طريق فهم الفكر القرآني وتطبيقه، ولم تخضع هذه الحركة طيلة تاريخها المجيد لأيّ إشراف واستغلال حكوميّ بل استمرّت بالارادة الشعبيّة المستقلّة والحرّة.
وانفردت إيران أيضا وكما سبق بانفلاتها ممّا أصيبت به سائر البلاد الاسلاميّة من غلق باب الاجتهاد وتحجير العقول وتدمير الحركة الفكريّة التى أنهت تلكم العصور الذهبية الرائعة للأمة في سائر بلاد المسلمين وجرّت بالمصائب والويلات على المسلمين، بل واصل ركب الحضارة الاسلامية في إيران سيره بشموخ واعتزاز ملبّيا كلّ المتطلبات الاجتماعيّة وفي أحلك الظروف معتمدا على رصيد شعبي واسع فارضا نفسه على الأوضاع السياسيّة والاجتماعية بصورة عامّة.
ومع أن هذه النهضة المباركة لم تحقّق كامل أهدافها في المراحل والمجالات المختلفة إلا أن ما حصل نسبيّا فى هذه المنطقة بالذات كان فريدا وقياسيّا بالنسبة لما حصل فى سائر البلاد الاسلاميّة، إذ لم يكن بوسع تلك الظروف تحمل أكثر من هذا، ذلك ان الحكم الاسلامي المثالي التام لا يمكن تحقيقه إلّا مع التثقيف الجماهيري الشامل الذي كان فيما مضى من المستحيل تحقيقه لا لفترة أو أمة معينة فحسب بل فى كل الخقب الماضيّة ولكل الأمم.