وواصلت هذه النهضة الفكرية الاسلاميّة دورها الطليعي في المجتمع واستمرّت تؤتي أكلها كلّ حين وترشد الجماهير إلى مستقبلها الأفضل، حتّى جاء الاستعمار الغربي بجبروته ومكره محاولا القضاء على هذه الحركة العظمى التى تستمدّ جذورها من عمق الفكر القرآني كي يتسنى له تنفيذ أطماعه الشريرة وماربه التوسعيّة، فكان الردّ عنيفا وحاسما حيث تصدّت هذه
[ ٦ ]
الحركة العريقة بحزم للمستعمرين الغزاة مجنّدة كافّة طاقاتها لطردهم ومضحيّة بخيرة أبنائها وزعمائها وشخصيّاتها شهداء فى هذا السبيل.
وكان الذين تصدّروا زعامة الحركة الفكرية فى المائة الأخيرة هم الذين وقفوا أمام هذه الهجمة الشرسة وذلك أمثال الميرزا حسن الشيرازي والسيد جمال الدين الأسدآبادي الشهير بالأفغاني والملّا محمد كاظم الخراساني قائد الثورة الدستورية والشيخ الشهيد فضل الله النوري والشهيد المقدام السيد حسن المدرس والميرزا محمد تقي الشيرازي الذي طرد الاستعمار البريطانى من العراق والسيد أبو القاسم الكاشاني المعروف بمواقفه الجرئية ضد المستعمرين وأخيرا زعيم الثورة الإسلاميّة في عصرنا وقائد مسيرتها المظفرة الإمام الخميني الذي قاد المعارك الحاسمة حتى انقشعت سحب الظلام وهرب عشرات الألوف من المستشارين الأجانب وتهاوى عرش فرعون وتوّجت الحركة المقدّسة بالنجاح والنصر المؤزر وولّى الشيطان هاربا من صرخات المظلومين وهتافات الله اكبر ملتجئا إلى سائر الفراعنة بمصر والمغرب و… و… ممّا جعلهم يتنبّهون بقرب نهايتهم نهاية عهد الظلم والظلام وبزوغ فجر الحرّيّة والنور والوعي الجماهيري، وها هم شياطين الشرق والغرب وأوليائهم فى المنطقة قد حشدوا كافّة طاقاتهم السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة للنيل من هذه الثورة المقدّسة وهذا الفتح العظيم، وهيهات هيات أن ينتصر الظلام والباطل على النور والحق، يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
وهكذا نعرف أن هذه الثورة الاسلاميّة المباركة التى نعيش اليوم في رحابها ليست وليدة وقتها ونتيجة لحالة إستياء معيّنة سرعان ما تذوب وتضمحل- كما تروّج عنها أبواق الامبريالية- بل هي امتداد طبيعي لحركة اجتماعيّة وتاريخيّة كبرى انبثقت مع ظهور الدين الاسلامي الحنيف منذ البدء ونضجت عبر القرون والأعصار حتى أفرزت عطائها السامي في عصرنا متمثّلة
[ ٧ ]
بهذه الثورة المباركة وصدق الله حيث قال: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ. وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ).
وستواصل باذن الله مسيرتها حتّى بلوغ كامل أهدافها المقدّسة حينما يملأ الله الأرض قسطا وعدلا (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ)
وهذا الاستعراض الوجيز والمقتضب عن سير الحركة الفكرية الاسلاميّة في إيران يكشف لنامدى أهميّة نشر هذه الوثائق التراثية، وعلى هذا الأساس أقدمت مؤسسة النشر التابعة لجامعة المدرسين (^١) فى الحوزة العلمية بمدينة قم المقدّسة بنشر هذا السفر القيّم بوصفه أحد تلكم الحلقات التاريخية المفقودة للحركة الفكريّة، والمأمول أن تتلوه سائر الكتب التراثيّة بالخروج إلى النور والله الهادي إلى سواء السبيل.