قال عنها ياقوت الحموي المتوفى سنة ٦٢٦ في معجمه:
(مدينة عظيمة، ذات فضائل جسمية، معدن الفضلاء، ومنبع العلماء، لم أر فيما طوّفت من البلاد مدينة كانت مثلها، وهي كثيرة الخيرات.
فتحها المسلمون في أيام عثمان صلحا.
وأصابها الغزّ (^٢) في سنة ٥٤٨ بمصيبة عظيمة، وخرّبوها وأحرقوها. ثمّ تقلّبت بها أحوال حتى عادت أعمر بلاد الله وأحسنها وأكثرها خيرا وأهلا وأموالا لأنها دهليز المشرق.
وبقيت على ذلك إلى هجوم التتر سنة ٦١٨ هـ حيث تمكّن التتر برئاسة
_________________
(١) جامعة المدرّسين هي لجنة تضمّ الكثير من أساتذة وعلماء الحوزة العلمية.
(٢) الغز قبائل كانت تعيش فى أواسط اسيا ببلاد ما وراء النهر بتركستان.
[ ٨ ]
جنكيز خان من اقتحامها بعد جهد جهيد ودخلوا إليها دخول حنق يطلب النفس والمال، فقتلوا كلّ من فيها من كبير وصغير ثم خرّبوها حتّى ألحقوها بالأرض فانا لله وانا إليه راجعون من مصيبة ما دهى الاسلام قطّ مثلها.
وقد خرج منها من أئمة العلم من لا يحصى).
وقال عنها السمعاني المتوفّى سنة ٥٦٢:
(أحسن مدن خراسان وأجمعها للخيرات والمشهور بها لا يحصون).
وتقع بالقرب من مدينة مشهد عاصمة خراسان الحاليّة، واشتهرت بنشاطها العلمي من أواسط القرن الثاني للهجرة واستمرت حتّى حملة التتر أي حوالي خمسة قرون من الزمن قدّمت خلالها الآلاف من العلماء والمثقفين للأمة الاسلاميّة، وبما أن الإمام علي بن موسى الرضا ثامن أئمة الشيعة دفن على مقربة منها بطوس فقد فقدت نيسابور مركزيّتها العلميّة شيئا فشيئا وانتقلت إلى مشهد الرضا وحتّى يومنا هذا بنفس النسبة التى كان يتم فيها التحوّل في داخل المجتمع الايراني من المذهب السنّي إلى مذهب أهل البيت.
وحسب ما تعرّفنا على نيسابور من زوايا هذا الكتاب وخباياه فانها لم تزل حوالي القرن الخامس والسادس محتفظة بدورها الشامخ في الحركة العلمية ومحتوية على أكثر من عشرين مدرسة علمية وغيرها من عشرات المساجد ومراكز الصوفية والمكاتب.
ولقد تعرّضت هذه المدينة من سنة ٤٠٠ إلى سنة ٥٤٧ أي الفترة المرتبطة بهذا الكتاب تقريبا وقبيل فتنة الغز الكبرى إلى بعض الهزّات الاجتماعية والسياسية غير أنها لم تستطع من تعكير صفوها الدراسي ولم تدم طويلا، وتمثلت هذه المشاكل بالفتن التركمانية التى حدثت فى بداية الربع الثاني من القرن الخامس واستمرت مدّة من الزمن، وكبعض الفتن الطائفية والتعصّبات المقيتة بين الشافعية والحنفيّة أو بين السنّة والشيعة، وكبعض مضايقات الحكام وتعسّفاتهم.
[ ٩ ]
وكان غالبيّة سكانها انذاك منتمين إلى المذهب الشافعي وإلى جنبها أقليّة حنفيّة وشيعيّة، كما لعبت الصوفيّة دورا بارزا فى المجال الاجتماعي والثقافي.
وهذه الفترة تعتبر من أزهى عصور الحركة الفكرية بنيسابور وأكثرها ازدهارا بالعلم والعلماء ممّا دفع الكثير من سائر البلاد الاسلاميّة للانتهال من منا هلها الرويّة العذبة والدراسة فيها.
وأمّا اندفاع أهلها إلى المراكز العلميّة فكانت منقطعة النظير درجة أن الآباء حرصا منهم على الاحتفاظ بالرسالة الاسلامية والسنة النبوية ونشرها، كانوا يبكرون بأطفالهم ويحملونهم على أكتافهم إلى مراكز التعليم والتربية والحديث وهم صغار لم يبلغوا السادسة من أعمارهم، وكانوا يطعموهم الحلوى أثناء الدرس كي لا يغلب عليهم الضجر والسأم، وكثيرا ما يتحسر المؤلّف ويعتذر قائلا: فاتني سماع الحديث من هذه الشخصية أو تلك لغيبة الوالد عنّي. وذلك أن أباه- شأنه شأن الكثير من الآباء انذاك- كان يحمله على كتفه وهو صغير لاستماع الحديث من المشايخ والعلماء كي ينقل فيما بعد هذه الأحاديث بوسائط أقل إلى الاجيال الآتية.