إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عسكر بن مظفر بن نجم بن شادي، الشيخ الإمام العالم العلامة برهان الدين ابن مفتي المسلمين شرف الدين الطائي الطريفي، الشهير بالقيراطي المصري، الأديب الشاعر المشهور.
[ ١ / ٨٩ ]
مولده في صفر سنة ست وعشرين وسبعمائة، ونشأ بالقاهرة، وحفظ القرآن الكريم، وطلب العلم، ولازم علماء عصره، إلى أن برع في الفقه والأصول والعربية، ودرس بأماكن وسمع صحيح البخاري على ابن شاهد الجيش، وسمع أيضا منه مشيخته، وعلى حسن بن السديد جزء السجستاني وبعض الغيلانيات على بعض أصحاب النجيب وغيره، وحدث بالقاهرة ببعض مروياته، وكثير من نظمه، وكان له النظم الرأيق والنثر الفائق.
قلت: ومذهبي في الشيخ برهان الدين هذا أنه هو شاعر عصره بعد الشيخ جمال الدين بن نباته وأقرب الناس إليه من دون تلامذته ومعاصريه من شعراء عصره، مع علمي بمن عاصره من الشعراء ولا حاجة لنا إلى ذكرهم، فإنه أدق وأحلى وأرشق، وسأذكر شيئا من نظمه بعد إثبات وفاته.
[ ١ / ٩٠ ]
توفي ليلة الجمعة العشرين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وسبعمائة بمكة المشرفة، ودفن بالمعلاة بعد صلاة الجمعة، ﵀.
والطريفي فخذ من طي، والقيراطي نسبة إلى قيراط وهي بلدة بالشرقية من أعمال الديار المصرية.
ومن نظمه ﵀، قصيدته:
قسما بروضة خده ونباتها وبآسها المخضل في جنباتها
وبسورة الحسن التي في خده كتب العذار بخطه آياتها
وبقامة كالغصن إلا إنني لم أجن غير الصد من ثمراتها
لأعزرن غصون بان زورت أعطافه بالقطع من عذباتها
وأباكرن رياض وجنته التي ما زهرة الدنيا سوى زهراتها
ولأصبحن للذتي متيقظا ما دامت الأيام في غفلاتها
كم ليلة نادمت بدر سمائها والشمس تشرق في أكف سقاتها
وجرت بنا دهم الليالي للصبا وكوؤسنا غرر على جبهاتها
فصرفت ديناري على دينارها وقضيت أعوامي على ساعاتها
[ ١ / ٩١ ]
خالفت في الصهباء كل مقلد وسعيت مجتهدا إلى حاناتها
فتحير الخمار أين دنانها حتى اهتدى بالطيب من نفحاتها
فشمتها ورأيتها ولمستها وشربتها وسمعت حسن صفاتها
وتبعت كل مطاوع لا يخشى عند ارتكاب ذنوبه تبعاتها
يأتي إلى اللذات من أبوابها ويحج للصهباء من ميقاتها
عرف المدام بحسنها وبنوعها وبفضلها وصفاتها وذراتها
يا صاح قد نطق الهزار مؤذنا أيليق بالأوتار طول سكاتها
فخذ ارتفاع الشمس من أقداحنا وأقم صلاة اللهو في أوقاتها
إن كان عند يا شراب بقية مما تزيل به العقول فهاتها
الخمر من أسمائها والدر من تيجانها، والمسك من نسماتها
وإذا العقود من الحباب تنظمت إياك والتفريط في حباتها
أمحرك الأوتار إن نفوسنا سكناتها وقف على حركاتها
دار العذار بحسن وجهك منشدا لا تخرج الأقمار عن هالاتها
كسرات جفنك كلمت قلبي فلم تأت الصحاح لنا بمثل لغاتها
ومنها:
والبدر يستر بالغيوم وينجلي كتنفس الحسناء في مرآتها
وتلا نسيم الروض فيها قارئا فأمال من أغصانها ألفاتها
ومليحة أرغمت فيها عاذلي قامت إلى وصلي برغم وشاتها
[ ١ / ٩٢ ]
لا مال وجهي عن مطالع حسنها وحياة طلعة وجهها وحياتها
يا خجلة الأغصان من خطراتها وفضيحة الغزلان من لفتاتها
ما الغصن مياسا سوى أعطافها ما الورد محمرا سوى وجناتها
وعدت بأوقات الوصال كأنها ظنت سلامتنا إلى أوقاتها
وله أيضا ﵀:
لم ينقلوا الغرام مزورا ما كان حبكم حديثا ففترى
طلعت بدور التم من أزراركم فغدا اصطبار الصب منقصم العرى
يامن هجرت على هواهم عاذلي أيحل في شرع الهوى أن أهجرا؟
أعصى الملام ولا منام يطيعني فكأن أذني العين واللوم الكرا
في كل هيفاء القوام كأنها غصن يحركه النسيم إذا سرا
قالت وقد سمعت بجري مدامعي صدق المحدث فالحديث كما جرا
ذكرت فصغّرها العذول جهالة حتى بدت للناظرين فكبّرا
وجهلت معنى الحسن حتى أقبلت فرأيته فيها يلوح مصوّرا
لا تذكروا الغزلان عند لحظاتها أبدا فكل الصيد في جوف الغرا
لما أني الكليم من الهوى جعلت جوابي في المحبة لن ترى
ولقد سريت بليل أسود شعرها وحمدت عند صباح مبسمها السرا
قامت وقد لبست عقود حليهّا فرأيت غصنا بالجواهر مثمرا
يا من إذا ما مر حلو حديثها يا صاح عن العتيق واسكرا
[ ١ / ٩٣ ]
ما لاح خصرك بالنحول موشحا إلا وأضحى بالصدود مفكرا
أرخصت يوم البين سعر مدامعي وتركت قلبي بالغرام مسعرا
لا تطمعي أن تملكي أهل الهوى فالناصر السلطان قد ملك الورى
ومن مقاطيعه ﵀ قوله:
تنفس الصبح فجاءت لنا من نحوه الأنفاس مسكيه
وأطربت في العود قمرية وكيف لا تطرب عوديه
وله أيضا في طباخ:
هويت طباخا له نصعبة نيرانها للقلب جنات
يكسر أجفانا إذا ما رنا لها على الأرواح نصبات
وله أيضا ﵀:
أنظر إلى شطرنج خد بدت من فوقه الشامات مثل النقط
صحت به نسخة حسن لمن قد راحت الأرواح فيها غلط
وله أيضا:
قلت له لما زها حسنه على بدور التم ما أحسنك
وقلت للعاذل يا لائمي في جسمه الناعم ما أخشنك
وله أيضا:
أطربنا العود إلى أن غدا مقامنا يرقص مع صحبه
فشمعه قام على ساقه وكأسه دار على كعبه
[ ١ / ٩٤ ]
وله وقد كتب به إلى الصلاح الصفدي.
يا صلاح العلي صفا ودادي لا يرى عن أبي الصفا تحويلا
فدع العتب إنني لست ممن لا يراعي من الأنام خليلا
وله أيضا عفا الله عنه:
جفني وجفن الحب قد أحرزا وصفين من نيلك يا مصر
جفني له يوم الوداع الوفا وجفنه الساجي له الكسر