ولم يزل يشتغل بالعلم ويقتفي آثار شيخه المذكور بالعبادة، من الصلاة وصيام الدهر، والزهد والورع، وعدم إضاعة شيء من أوقاته، لا سيما بعد وفاة شيخه، فإنه زاد في الاشتغال بالعلم والعمل، بحيث ذكر الشيخ لي أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسًا على المشائخ، شرحًا وتصحيحًا: درسين في " الوسيط "، وثالثًا في " المهذّب "، ودرسًا في " الجمع بين الصحيحين "، وخامسًا في " صحيح مسلم "، ودرسًا في " اللُّمع " لابن جني في النحو، ودرسًا في " إصلاح المنطق " لابن السِّكِّيت في اللغة، ودرسًا في التصريف، ودرسًا في أصول الفقه، تارة في " اللَّمع " لأبي إسحاق، وتارة في " المنتخب " للفخر الرازي، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين.
قال: وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مُشكِل وإيضاح عبارة وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي واشتغالي، وأعانني عليه.
قال: وخطر لي الاشتغال بعلم الطب، فاشتريت " القانون "، وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم علي قلبي، وبقيت أيامًا لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري من أين دخل عليّ الداخل؟ فألهمني الله أن الاشتغال بالطب سببه، فبعت في الحال الكتاب المذكور، وأخرجت من بيتي كل ما يتعلق بعلم الطب، فاستنار قلبي ورجع إليّ حالي، وعدت لما كنت عليه أولًا.
[ ٣ ]
قلت: فإن قيل: كيف هذا مع ما نُقل " كما روينا " في " مناقب الشافعي " للبيهقي من طريق الربيع بن سليمان سمعت الشافعيُّ ﵀ يقول: العلم علمان، علم فقه للأديان، وعلم طب للأبدان، ونحوه عن ابن عبد الحكم عن الشافعي، وزاد: وما سوى ذلك فبُلْغة مجلس. ورواه محمد بن يحيى بن حسان عن الشافعي قال: وما سوى ذلك من الشعر ونحوه فهو عناء وتعب؟ فالجواب: إن الذي مدحه الشافعي ﵀ هو الطب النبوي، أو المجرد عن أصول الفلاسفة التي صرح صاحب " القانون " في أوله بابتناء الطب المورّد في كتابه عليها، وأن الطبيب يتعلم ما يُبنى عليه من العلم الطبيعي، ولذلك اعترى الشيخ ﵀ بمجرد عزمه على الاشتغال في الكتاب المذكور ما أشار إليه، لما رزقه الله من نور البصيرة، وأبداه له بصلاح السريرة، خصوصًا وإن عنده من الطب المحمود ما يفوق الوصف. على أن أبا بكر بن طاهر سئل عن معنى قول الشافعي، فقال: عند العوامّ أن علم الأديان هو ظاهر الفقه، وعلم الأبدان هو ظاهر الطب، وعند الحكماء أن علم الأديان هو علم مشاهدة القلوب بالمعاملات بصنع الله وتدبيره، وهو الفقه النافع، وعلم الأبدان هو ظاهر أوامر الله تعالى ذكره، ونواهيه في الحلال والحرام، وهو حجة الله على خلقه، وهو الطب النافع، فعلم القلوب هو عين الإسلام وحقائقه، وعلم الأبدان هو آداب الإسلام وشرائعه، وقد قال حرملة بن يحيى: كان الشافعي ﵀ يتلهف على ما ضيّع المسلمون من الطب، ويقول: ضيعوا ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنصارى، انتهى الإيراد وجوابه.
وضُرب به المثل في إكبابه على طلب العلم ليلًا ونهارًا، وهَجْرِه النوم إلا عن غلبة، وضبط أوقاته بلزم الدرس أو الكتابة أو المطالعة أو التردد إلى الشيوخ، قاله الذهبي في " سير النبلاء "، انتهى.