قال الشيخ: فلما كان عمري تسعة عشر سنة قدم بي والدي في سنة تسع وأربعين إلى دمشق، فسكنت المدرسة الرّواحية.
قلت: واستمر بها حتى مات، لم ينتقل منها حتى ولا بعد ولايته الأشرفية، كما قال التاج السَّبكي في " الطبقات الوسطى " قال: وبيته فيها بيت لطيف عجيب الحال. قال اليافعي: وسمعت إنما اختار الإقامة بها على غيرها لحلِّها، انتهى.
قال: وبقيت نحو سنتين لا أضع جنبي بالأرض، وأتقوّت بجراية المدرسة لا غير.
قلت: بل كان يتصدق منها أيضاْ كما قال اللخمي، قال: ثم ترك تعاطيها، انتهى.
وحفظتُ " التنبيه " في نحو أربعة أشهر ونصف.
[ ٢ ]
قلت: وعرضه في سنة خمسين، فقد قرأت بخط العز القاضي أبي عمرو ابن جماعة: وقفت على ورقة بخط الحافظ عفيف الدين أبي السيادة المطري، أنه شاهد على نسخة صاحبه الفقيه الإمام بدر الدين ابن الصائغ الدمشقي الشافعي من كتاب " التنبيه " ما مثاله: الحمد لله كما هو أهله، عرض عليَّ الفقيه أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي من أول كتاب " التنبيه " في الفقه هذا وإلى آخر، مواضع امتحنت بها حفظه دلت على ذلك، وأذنت بتكراره عليَّ جميعه وتحصيله وحرصه على العلم، وفقني الله وإياه له وللعمل به، وذلك في مجلس واحد لسبع مضين من شهر ربيع الأول سنة خمسين وستمائة. كتبه محمد بن الحسين بن رزين الشافعي، حامدًا مسلمًا مستغفرًا. وابن رزين هذا هو قاضي القضاة تقي الدين أبو عبد الله، كان ممن أخذ عن ابن الصلاح، ودرّس بالشامية الحسامية، وأمَّ بدار الحديث الأشرفية، ثم ولي قضاء مصر، وكان كبير القدر حميد الذكر، مات بعد الشيخ بأربع سنين، في شهر رجب سنة ثمانين، قال شيخنا في " رفع الإصر " في ترجمته: روى عنه الدمياطي والبدر ابن جماعة، ومن قبلهما الشيخ محيي الدين النووي، انتهى كلام شيخنا. وأخص من هذا أن الشيخ نقل عن ابن رزين في " الأصول والضوابط " انتهى.
ثم حفظت ربع العبادات من " المذهّب " في باقي السنة.
قلت: وأدرج الذهبي في " تاريخ الإسلام " في كلام ابن العطار هنا ما لم أره في النسخة التي وقفت عليها: إنه قال: وبقيت أكثر من شهرين أو أقل، لمّا قرأت في " التنبيه ": يجب الغسل من إيلاج الحشفة في الفرج، أعتقد أن هذا قرقرة البطن، فكنت أستحم بالماء البارد كلما قرقر بطني، انتهى كلام الذهبي. والظاهر أن الحياء يمنعه السؤال عن ذلك، انتهى.
قال: وجعلت أشرح وأصحح على شيخنا الكمال إسحاق المغربي، ولازمته، فأعجب بي لما رأي من ملازمتي للاشتغال وعدم اختلاطي بالناس، وأحبني محبة شديدة، وجعلني معيد الدرس بحلقته لأكثر الجماعة.