وأما تقدمه في العلم وكثرة عبادته، فسمعت شيخنا أبا عبد الله بن محمد الظهير الإربلي الحنفي، شيخ الأدب في وقته، وكان كتب كتاب " العمدة في تصحيح التنبيه " له، وسألني في مقابلته معه بنسخي ليرويه عني يقول بعد فراغنا منه ما وصل التقيّ ابن الصلاح إلى ما وصل إليه الشيخ من العلم والفقه والحديث، واللغة، وعذوبة اللفظ وحلاوة العبارة.
قلت: وفي كلام الإدفوي في " البدر السافر ": إن الشيخ نوزع مرة في نقل عن " الوسيط " فقال: تنازعوني في " الوسط " وقد طالعته أربعمائة مرة؟ وكان مع سعة " علمه كما في " سير النبلاء " " عديم النظير، لا يرى الجدال، ولا تعجبه المبالغة في البحث، ويتأذّى ممن يجادل ويعض عنه. وقال في موضع آخر: كان لا يتعانى لغط الفقهاء وعياطهم في البحث، بل يتكلم بتؤدة ووقار، ولذلك كان قلمه أبسط من عباراته، انتهى ما في " البدر السافر ".
وقرأت في بعض المجاميع، نقلا عن الفقيه أبي علي سعيد بن عثمان الشوائي، الجبرتي إنه قال: رأيت النبي ﷺ في النوم، وأنا بساحل موزع، فقال: إذا اختلف عليك كلام صاحب " المهذّب " وكلام الغزالي وكلام النووي، فخذ بقول النووي، فإنه أعرف بسنَّتي. قال: ورأيته ﷺ ثانيةً، وسألته عن النووي، فقال: ذاك محيي ديني انتهى ما في المجموع.
[ ٢٧ ]
قال في " البدر " أيضًا: وكان كثير العبادة، حكي لي البدر ابن جماعة إنه سأله عن نومه فقال: إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظه وانتبه، قال " أعني البدر ": وكنت إذا أتيته أزوره يضع بعض الكتب على بعض ليوسع لي مكانا أجلس فيه، انتهى.
وذكر لي صاحبنا الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي، في حياة الشيخ، قال: كنت ليلة في أواخر الليل بجامع دمشق، والشيخ واقف يصلي إلى سارية في ظلمة، وهو يردد قوله تعالى: (وقفوهم إنهم مسؤولون) مرارًا، بحزن وخشوع، حتى حصل عندي من ذلك أمر عظيم.
قلت: وصرح اليافعي والتاج السبكي " رحمهما الله " أنه أشعري. وقال الذهبي في " تاريخه " إنه مذهب في الصفات السمعية: السكوت، وإمرارها كما جاءت، وربما تأويل قليلا في " شرح مسلم " كذا قال: والتأويل كثير في كلامه، انتهى.