وسمع منه خلق من العلماء والحفّاظ، والصدور والرؤساء، وتخرّج به خلق كثير من الآفاق، وسار علمه وفتاويه في البلدان.
قلت: وروى الأئمة " حتى من تقدمت وفاته عليه " كلامه في تصانيفهم، كالمحب الطبري، فإنه نقل عنه في كتابه " القِرى " أشياء، وكذا اتفق أن كلاّ من ابن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، كان من المستفيدين من إمامنا الشافعي، المفتخرين به، ومات قبل الشافعي بسنتين، انتهى.
وكنت مدة صحبتي له مقتصرًا عليه دون غيره، من أول سنة سبعين وقبلها بيسير، إلى حين وفاته. وقرأت عليه الفقه تصحيحًا عرضًا، وشرحًا، وضبطًا خاصًا وعامًا، وقرأت عليه كثيرًا من تصانيفه ضبطًا وإتقانًا، وأذِن لي في إصلاح ما يقع في تصانيفه، فأصلحت بحضرته أشياء أقرني عليها وكتبها بخطه، وكان رفيقًا بي شفيقًا عليّ، لا يمكن أحدًا من خدمته غيري، على جهد مني في طلب ذلك منه، مع وراقبته لي في حركاتي وسكناتي، ولطفه بي في جميع ذلك وتواضعه معي في جميع الحالات، وتأديبه لي في كل شيء حتى الخطرات، وأعجز عن حصر ذلك.
وممن أخذ عن الشيخ أيضًا: الصدر الرئيس الفاضل أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مصعب، قرأ عليه قطعة من " المنهاج "، واستنسخ " الروضة " له، وقابل ابن العطار له بعضها مع الشيخ، وأصلح بخطه مواضع فيها بإملاء الشيخ، ﵏.
والمحدث أبو العباس أحمد بن فرْح الإشبيلي، كان له ميعاد عليه يوم الثلاثاء والسبت، يشرح في حدهما البخاري، وفي الآخر صحيح مسلم.
والرشيد إسماعيل بن عثمان بن عبد الكريم بن المعلم الحنفي، قرأ عليه في " شرح معاني الآثار " للطحاوي.
وأبو عبد الله محمد بن أبي الفتح الحنبلي.
قلت: وكذا أخذ عنه الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن عباس بن جعوان.
والفقيه المقرئ أبو العباس أحمد الضرير، الواسطي، الملقب بالخلال.
والنجم إسماعيل بن إبراهيم بن سالم الخباز.
والشيخ الناسك جبريل الكردي، قال اليافعي: وعليه سمعت الأربعين.
والجمال رافع الصميدي والد الحافظ تقي الدين محمد بن رافع، وحضر حلقته.
والأمين سالم بن أبي الدر.
والفقيه الأديب سلطان، إمام الرواحية.
والقاضي جمال الدين سليمان بن عمرو بن سالم الزُّرْعي.
والقاضي صدر الدين أبو الفضل سليمان بن هلال بن شبل الجعفري الحوراني، الدمشقي، الشافعي، خطيب داريا، وأثنى عليه الشيخ.
وأبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي.
وعبد الرحيم بن محمد بن يوسف السمنّودي، الخطيب الأديب.
والمجد أبو حامد عبد المحمود بن عبد السلام بن حاتم بن أبي محمد بن علي البعلي، ممن تفقه على الشيخ.
والعلاء علي بن أيوب بن منصور المقدسي، الذي نسخ " المنهاج " بخطه، وحرره ضبطًا وإتقانًا، وهو بخطه في المحمودية.
والضياء أبو الحسن علي بن سليم بن ربيعة الأنصاري الأذرعي، الشافعي، ناظم " التنبيه ".
وعلاء الدين علي بن عثمان بن حسان بن محاسن، الدمشقي، الشاغوري ابن الخراط.
وأبو الحسن علي بن محمد بن موفق بن منصور، اليمني، الشافعي. ومما قرأ عليه: " الأربعون " له، في مجلسين، ثانيهما يوم الأربعاء رابع عشر شعبان سنة أربع وسبعين وستمائة بدمشق، وقال الشيخ فيما كتبه له بخطه: سمع علي هذا الجزء صاحبه الفقيه الصالح، المعتني: فلان أدام الله توفيقه، ولطف به في جميع أموره، وبارك الله في أحواله، فسمعه بقراءته وأنا ممسك أصلي لمقابلته.
والبدر أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، المشار إليه في أثناء أول ما ذكرته. ويقال: إن فتواه عرضت على الشيخ، فاستحسن كتابته عليها.
[ ٢٣ ]
والشمس محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن النقيب، وهو آخر من كان من أعيان أصحابه.
والشهاب محمد بن عبد الخالق بن عثمان بن مُزْهِر الأنصاري، الدمشقي المقرئ، وتأخرت وفاته، حتى مات في سنة تسعين وستمائة، قرأ عليه وسمع جميع " الأذكار "، ووصف قراءته في بعض البلاغات، بالمتقنة المهذّبة، ودعا له في البلاغات بدعوات جمة، منها: أدام الله نعمه عليه، وأدام الله ألطافه به، وأدام الله سعادته، وأدام الله له الخيرات، ورضي الله عنه. وكتب له بآخر النسخة: قابلت جميع هذا الكتاب بأصلي مع صاحبه: كاتبه الشيخ الإمام العالم، الفاضل العامل، الصدر شهاب الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الخالق بن عثمان بن مُزْهِر، الأنصاري، الشافعي، الدمشقي، أدام الله له الخيرات، وضاعف له الحسنات، وأمده في طاعته بالمعونات، وتولاه بالحسنى، وجمع له بين خيرات الآخرة والأولى، وجمعني وإياه وسائر أحبابنا في دار كرامته بفضله ورحمته. فسمعه الشيخ الإمام شهاب الدين المذكور سماعًا متقنًا، وقابلت معه نسخته هذه مقابلة مُرضية بأصلي، في مجالس آخرها يوم الاثنين، الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وأجزتُ له كل ما يجوز لي تسميعه. كتبه يحيى بن شرف بن مِرَيْ بن حسن النواوي عفا الله عنه، انتهى. ونقلت جميع ذلك من خطه على نسخة ب " الأذكار ".
وأبو عبد الله محمد بن غالب بن يونس بن شعبة سمع عليه " أوهام المهذّب والوسيط " من تصنيفه " كما تقدم في أسماء تصانيفه ".
والإمام الأوحد ناصر الدين أبو الفتح منصور بن نجم بن زبّان " بمعجمة ثم تحتانية مشددة " بن حسان بن سليمان، الليثي، القرتاوي، وكان يوصف بالانتماء إليه، وبالديانة، ومما سمع عليه: كتاب " الأربعين " بإشارتها، وقد حدّث بها، سمعها منه البدر محمود بن علي بن هلال العجلوني، شيخ ناصر الدين محمد بن حسن القاموسي في ذلك بالسماع.
والشرف هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم بن البارزي.
وحدّث يحيى بن محمد المغراوي التونسي، عن النووي، ب " الأربعين " له، سماعًا منه " كما ذكره ابن مرزوق في نمشيخته، وغيره ".
وقرأ عليه الشرف أبو يوسف يعقوب بن أحمد بن يعقوب الحلبي الشافعي.
وممن كان يذكر أنه قرأ عليه يوسف بن حرب الحسني، المكي الأصل، المارديني، الغزّي.
وكذا أخ عنه الحافظ الجمال أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن ابن يوسف المزِّي.
والمحدّث الفاضل الأديب الكاتب: أبو الفضل يوسف بن محمد بن عبد الله المصري، ثم الدمشقي، وهو كان قارئ دار الحديث الأشرفية.
وآخرون.
قال قاضي صفد العثماني: وأدركت جماعة من أصحابه، كشيخنا شمس الدين ابن النقيب، مدرس الشامية " يعني المذكور "، والقاضي ناصر الدين القرَّتي " ولعله الماضي "، والقاضي ضياء الدين علي بن سليم " الماضي " وشمس الدين ابن البيطار، المعمَّر، انتهى كلام العثماني.
والمحدّث الشهاب أحمد بن أبي بكر بن طيء بن حاتم بن جيش بن بكار الزبيري، المصري، المقرئ.
ولأبي نعيم أحمد بن التقي عُبَيد الأسعردي، وأبي العباس أحمد بن كشتغدي، المُعِزِّي، وإسحاق بن إبراهيم بن إسحاق الوزيري، وأبي بكر ابن قاسم بن أبي بكر الرحبي، والسيف أبي بكر بن محمد بن يحيى بن سنقر المعالي، والجمال داود بن إبراهيم بن العطار، أخي تلميذه العلاء علي، والشمس أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن حيدرة بن القماح، وأبي عبد الله محمد بن النجم إسماعيل بن الخباز " الماضي أبوه " وأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أبي البركات النعماني، وناصر الدين محمد بن كشتغدي " أخي الماضي "، والصدر أبي الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم، الميدومي، وغيرهم: إجازة منه.
ورأيت فيمن يروي عن النووي " ﵀ ": المسند تاج الدين عبد الوهاب بن داود القوصي، المصري، روى عنه ولده أحمد شيخ، لقيه السيد صفي الدين عبد الرحمن الأيجي، ومن خط ابن أخيه السيد علاء الدين، لخّصت.
وكذا رأيت في شيوخ الشرف عبد الرحيم الجِرْهي: الشمس محمد ابن ناصر الدين أوليا بن الفخر أبي بكر المَهْرَنجاني، نزيل مكة، وأنه يروي عن النووي.
وفي ترجمة عيسى بن أحمد بن عيسى العجلوني أنه يروي عن جماعة من أصحاب النووي، منهم: الشيخ مسعود الحجار، والشيخ مُعَمَّر بن الصَّمْعَا، العجلونيان. ويحتاج كل ذلك لتحقيق.
[ ٢٤ ]
ورأيت أيضًا في أسانيد المجد اللغوي صاحب القاموس: أنه قرأ " الأربعين " للشيخ، على محيي الدين أبي زكريا يحيى بن أبي الحسن علي بن طاهر بن بركات، الدمشقي، عُرف بابن الحداد، بمنزله على مقربة من جامع دمشق، بسماعه لها بقراءة والده، على مؤلفها، لكن قال شيخنا في " درره " في يحيى المذكور بعد أن نسبه بأنه يحيى بن علي بن أبي الحسن علي بن أبي الفرج محمد بن طاهر بن محمد بن الحداد، الصالحي، الحنفي، ما نصه: إنه كان يذكر أن والده أحضره إلى النووي وهو أمرد فاعتذر إليه وقال: أنا أرى أن النظر إلى الأمرد حرام، فاذهب به إلى الشيخ تاج الدين، ثم عقبه شيخنا بقوله: قال شيخنا العراقي: لم نقف على كلامه، انتهى كلامه.
على أن الحافظ شمس الدين الحسني قال في " وفياته " التي ذيل بها على " العِبَر ": إن المعمر الفاضل محيي الدين بن الحداد المذكور كان خاتمة أصحاب النووي، وأنه مات سنة سبع وخمسين وسبعمائة.
وروى الولي العراقي عن الشرف محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله الجذامي، السكندري، أخي التاج ابن عطاء الله الشهير، وأبي عبد الله محمد بن عبد الكريم بن أبي عبد الله المخيلي، كلاهما ممن " أجازه " النووي إجازة عامة، ولست تبعًا لشيخي أحب العمل بها، وفيما تحملناه " ولله الحمد " غنية عن التوسع بها.
وحكى لي العلامة الفقيه الشرف أبو زكريا المناوي " ﵀ " عن الولي أبي زرعة العراقي أيضًا مذاكرة، أنه بلغه أن الجان كانت تقرأ عليه، وأن بعض طلبته بينما هو عنده في خلوته إذ دخل عليه ثعبان، ففزع الطالب، فأخذ الشيخ في تسكين روعه، وعرّفه بأنه من طلبة العلم من الجان وأنه قال له أما نهيتك عن التزيي بهذا وأنه آخى بينهما وعندما أراد " الجنِّي التوجه لمحله ببغداد أو العراق " الشك مني " سأل الطالب الشيخ الإذن له في التوجه معه للتفرج ببلاده، وأن الشيخ أذن له في ذلك ووصاه به، وأنه تزيّا في صورة بعير، وأمر الإنسي أن يركبه وقال له: إذا أحسست بالبرد الشديد فاغمزني، وأنه علا به في الجو حتى أحس بالبرد، فغمزه فهبط لذلك المكان المقصود، وأنه أقام عندهم يسيرًا، ثم رجعا مستصحبين معهما ما كان الشيخ أوصاهما به من فاكهة ذلك المكان.
وهذه الحكاية منقطعة، ولا استبعاد لصحتها، ففي ترجمة القاضي الخِلَعي أن الجان كانت تقرأ عليه، وكذا ذُكر عن الفخر إمام الجامع الأزهر، وغيره، ممن الشيخ أعظم حالًا ومقامًا ومقالًا منهم، رحمة الله عليهم أجمعين.
وكذا اشتهر أن الخضر كان يجتمع به، وقد قال الشيخ في ترجمته من " تهذيبه ": والأكثرون من العلماء قالوا: هو حيّ موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه، وسؤاله وجوابه، ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير، أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه: هو حيّ عند جماهير العلماء والصالحين، والعامة معهم في ذلك، قال: وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين، انتهى ما في " التهذيب ".
قال شيخنا: والذي تميل إليه النفس من حيث الأدلة القوية خلاف ما يعتقده العوام من استمرار حياته، لكن ربما عرضت شبهة من جهة كثرة الناقلين للأخبار الدالة على استمراره، فيقال: هب ن أسانيدها واهية، إذ كل طريق منها لا تسلم عن سب يقتضي تضعيفًا، فماذا يُصنع في المجموع؟ فإنه على هذه الصورة قد يلحق بالتواتر المعنوي الذي مثلوا له بجود حاتم، مع احتمال التأويل في أدلة القائلين بعدم بقاءه، كآية: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد)، وكحديث: " رأس مائة سنة "، وغير ذلك مما تقدم بيانه " يعني في كلامه ".
وأقوى الأدلة على عدم بقاءه عدم مجيئه إلى رسول الله ﷺ، وانفراده بالتعمير، من بين أهل الأعصار المتقدمة بغير دليل شرعي، انتهى.