وأما ورعه وخشونة عيشه، فإنه كان لا يأكل من فاكهة دمشق، وسألته عن ذلك فقال: إنها كثيرة الأوقاف والأملاك لمن هو تحت الحجر شرعا، ولا يجوز التصرف في ذلك إلا على وجه الغبطة والمصلحة والمعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها اختلاف بين العلماء، ومن جوّزها قال بشرط المصلحة والغبطة لليتيم والمحجور عليه، والناس لا يفعلونها إلا على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك، فكيف تطيب نفسي؟ قلت: وتبعه القطب اليونيني على حكاية ذلك، قال: وأيضًا فغالب من يُطعّم أشجاره إنما يأخذ الأقلام غضبًا أو سرقة، لأن أحدًا ما يهون عليه يبيع أقلام أشجاره، وما جرت بذلك عادة، فتؤخذ تلك الأقلام، سرقة وتطعّم في أشجار الناس، فتطلع الثمرة في نفس القلم المغصوب، فتكون ملكًا لصاحب الأقلام، لا لصاحب الشجرة، فيبقى بيعه وشراؤه حرامًا، انتهى كلام القطب.
وصفته: أنهم يشقون فرعًا من فروع الشجرة ويجعلون في جوفة قطعة من غيرها، ثم يشدونه بحبل، ونحوه ما يُفعل في النخل.
ثم إن ما تقدم في تركة الأكل من الفاكهة، هو المنقول المستفيض ولكن يُحكى " كما بلغني " أنه أكل مرة نصف حبة من بعض الفواكه، لكون بعضهم علّق عتق عبد له على أكل الشيخ منها، وبلغه ذلك، ففعله لما ينشأ منه من فك رقبة مؤمنة، ولعله يتقيأه بعد استقراره، كما فعل الصدّيق ﵁، إنه لم يغتفر هذا القدر اليسير.
وفي كلام الذهبي: أنه ترك جميع الجهات الدنيوية، فلم يكن يتناول من جهة من الجهات درهمًا فردًا، وأنه ما أخذ للأشرفية " فيها بلغتي " جامكية بل اشترى بها كتبًا ووقفها.
وقال ابن دقماق: إنه كان يجمع جامكيته عند الناظر، وكلما صار لح حق سنة اشترى له به ملكًا ويوقفه على دار الحديث، أو كتبًا فيوقفها على خزائنها.
وقال قاضي صفد العثماني: إنه لم يأخذ معلومًا قط، قال: وباشر مشيخة دار الحديث لمّا تعيّن عليه، فلم يتناول شيئًا من معلومها.
وقال غيرهم: إنه لم يتناول منها شيئًا إلا سنة أو سنتين. ولم يسكن قاعة المشيخة بها، بل سكنها غيره " كما قال التقي السبكي "، قال: وفعله حجة، يعني في إعارة المنافع المختصة بالتدريس والمشيخة ونحوهما، وعليه عمل الناس في تسامحهم في ذلك، على أن القفّال أفتى بخلافته، وأقره الشيخ، ولكنه مشي على ما اقتضاه العُرف، ورأى أنه لم يفت به غرض الواقف، ولذا أعارها، انتهى.
وكان لا يقبل من أحد شيئًا إلا إن تحقق دينه ومعرفته، ممن ليست له به علقة من إقراء أو انتفاع به، قصدًا للخروج من حديث: " إهداء القوس "، وربما أنه كان يرى نشر العلم متعينًا عليه، مع قناعة نفسه وصبرها، والأمور المتعينة لا يجوز أخذ الجزاء عليها، كالقرض الجارِّ إلى منفعة، فإنه حرام باتفاق العلماء.
قلت: وحديث القوس المشار إليه روي عن جماعة من الصحابة ﵃، منهم أبيّ بن كعب، فأخرجه البيهقي في سننه من طريق عطية بن قيس الكلابي، قال: عَلَّم أبيّ بن كعب ﵁ رجلًا القرآن، فأتى اليمن فأهدى له قوسًا، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: " إن أخذتها فخذ بها قوسًا من النار "، وقال: إنه منقطع.
قلت: وأورده الجوزقاني من طريق عبد الرحمن بن أبي أسلم عن عطية، وقال: عبد الرحمن ضعيف.
[ ٢٨ ]
ومنهم: عبادة بن الصامت، واختلف في سنده، فأخرجه أبو داود، ومن طريقه: البيهقي، في سننيهما، من طريق عبادة بن نُسَيِّ، قال مرة: عن الأسود بن ثعلبة ومرة: عن جنادة بن أبي أمية، كلاهما عن عبادة، قال: علّمت أُناسًا من أهل الصُّفَّة: الكتاب والقرآن، فأهدى إليّ رجل منهم قوسًا، فقلت: ليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله، لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله، أهدى رجل إليّ قوسًا ممن كنت أعلّمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله؟ قال: " إن كنت تحب أن تُطوّق بطوق من نار فاقبلها "، لفظ الأسود. ولفظ جنادة: فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله؟ فقال: " جمرة بين كتفيك، تقلدنها أو تعلقنها ".
ومنهم: أبو الدرداء، فأخرجه البيهقي من طريق إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا: " من أخذ قوسًا على تعليم القرآن قلّده الله قوسًا من نار "، ونُقل عن بعض الأئمة أنه ليس لها أصل، انتهى.
وكنت جالسًا بين يديه قبل وفاته بنحو شهرين، فدخل عليه فقير، وقال: الشيخ فلان من بلاد صرخد يسلم عليك، ولقد أرسل لك معي هذا الإبريق، قال: فقبله الشيخ وأمرني بوضعه في بيت حوائجه، فتعجبت من قبوله له، واستشعر بذلك فقال: أرسل إليّ بعض الفقراء نعلًا، وهذا إبريق، وكلاهما آلة السفر.
قلت: وفيها أدرجه الذهبي في كلام ابن العطار مما لم أقف عليه في النسخة التي وقفت عليها قال: وعزم عليه الشيخ برهان الدين الاسكندراي، أن يفطر عنده في رمضان، فقال: أحضر الطعام إلى هنا ونفطر جملة، قال ابن العطار: فأفطرنا ثلاثين أو أكثر، على لونين من الطعام، وكان الشيخ في بعض الأوقات يجمع بين إدامين، انتهى.
ورأيت رجلًا من أصحابه قشر خيارة ليطعمه إياها، فامتنع من أكلها وقال: أخشى أن ترطب جسمي وتجلب النوم.
قلت: ونحوه عدم تعاطيه البلح على عادة الدمشقيين، وكذا الماء المبرد " كما حكاه غير واحد " بل قال الشمس ابن الفخر: إنه قد ترك جميع ملاذ الدنيا من المأكول، إلا ما يأتيه من أبوه من كعك يابس وتين حوراني، والملبس إلا الثياب الرثة المرقعة، ولم يدخل الحمام، وترك الفواكه جميعها.
وقال اللخمي: كان أبوه وأمه يرسلان إليه بعض القوت فيأكله، وترسل أمه له القميص ونحوه ليلبسه، ولا يقبل من أحدٍ شيئًا غير أقاربه وبعض أهل الصلاح.
ولم يتزوج قط " فيما علمت " لاشتغاله بالعلم والعمل، وكذا جزم بكونه لم يتزوج غير واحد، منهم قاضي صفد.
وقال ابن دقماق: إنه كان يأكل من خبز يبعثه له أبوه من نوى، يخبزونه له، ويُسيّرون له ما يكفيه جمعة، فيأكله، ولا يأكل معه سوى لون واحد، إما دبس وإما خل وإما زيت. وأما اللحم ففي كل شهر مرة، ولا يكاد يجمع بين لونين من إدام بدًا.
وقال الكمال الإدفوي في " البدر السافر ": إنه كان لا يجمع بين إدامين، ولا يأكل اللحم إلا عندما يتوجه لنوى، انتهى.
وقلع ثوبه ففلاه بعض الطلبة، وكان فيه قمل، فنهاه، وقال: دعه. وذكر لي العلاّمة رشيد الدين إسماعيل بن المعلم الحنفي قال: عذلته في عدم دخول الحمام، وتضييق عيشه في أكله ولباسه وجميع أحواله، وقلت له: أخشى عليك مرضًا يعطلك عن أشياء أفضل مما تقصده، قال: فقال لي: إن فلانًا صام وعبد الله تعالى حتى اختصر عظمه. قال: فعرفت إنه ليس له غرض في المقام في دارنا، ولا الالتفات لما نحن فيه.
قلت: وقال الذهبي في " سير النبلاء ": كان عديم الميرة والرفاهية والتنعم، مع التقوى والقناعة والورع الثخين، والمراقبة لله في السر والعلانية، وترك رعونات النفس، من ثياب حسنة وأكل طيب وتجمّل في هيئة، بل طعامه جلْف الخبز بأيسر إدام، ولباسه ثوب خام وشيخنانية لطيفة ووصفه بأنه كان أسمر، كثّ اللحية، ربعةً مهيبًا، قليل الضحك، عديم اللعب، بل هو جِدٌّ صرف، يقول الحق وإن كان مُرًّا، لا يخاف في الله لومة لائم.
وقال في " تاريخ الإسلام ": وكان في ملبسه مثل آحاد الفقهاء من الحورانية لا يؤلبه له، عليه شيخنانية صغيرة. ووصفه بأن لحيته كانت سوداء فيها شعرات بيض، وعليه هيبة وسكينة.
[ ٢٩ ]
وفي " البدر السافر " حكاية عن قاضي القضاة الجمال سليمان الزرعي: أنه كان يتردد إليه وهو شاب، قال: فجئت إليه في يوم عيد، فوجدته يأكل حريرة مدخّنة، فقال: سليمان كًل فلم تطب لي، فقام أخوه وتوجه إلى السوق وأحضر شواء وحلواء، وقال له: كُلْ، فلم يأكل، فقال له: يا أخي، أهذا حرام؟ فقال: لا، ولكنه طعام الجبابرة.
وكأنه رأى المقام يقتضي ذلك، وفهم من الإعراض عن الحريرة الوارد عن النبي ﷺ أكلها، عدم الاستغناء عما اشتري وشبهه، وأنها طريقة لهم لازمة، أو لأن الحلواء المحضّرة كانت فيها زيادة تأنق وترفّه، ومن جهة كونها من سكر مثلًا، مع إضافة غيره من فستق ورائحة ونحوهما إليه، وإلا فقد كان ﷺ يحب الحلواء.
ولشدة ورعه لم يكن يُكثر من إقراء الشباب، بل كان يرشد من يقصده منهم للاشتغال، إلى الشيخ أمين الدين أبي العباس أحمد بن الشمس أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبد الجبار الأشتري، الحلبي، المتوفى في سنة إحدى وثمانين وستمائة، بعد الشيخ بسنتين، لعلمه بدينه وأمانته، وكذا كان يرشدهم إلى التاج ابن الفركاح، " كما أسلفه عند ذكر الأخذ عنه " إن صحت تلك الحكاية.
وكان الشيخ ﵀ يرى تحريم النظر مطلقًا، خلافًا للرافعي. قال العثماني قاضي صفد: إنه توجه لزيارة الزاهد الفقيه: فرج بن عبد الله الصفدي الشافعي، صحبة التاج المقدسي، فجرت مسألة النظر إلى الأمرد، وأن الرافعي يحرّم بشرط الشهوة، والنووي مطلقًا، فقال الشيخ فرح: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال: لي: الحقُّ في هذه المسألة مع النووي، فصاح تاج الدين وقال: صار الفقه بالمنامات، فخضع الشيخ فرح وقال: أستغفر الله، أنا حكيت ما رأيت، والبحث له طريق، فسكن التاج وقال: نحن في بيتك، انتهى.