المفسر: إبراهيم بن صبغة الله بن أسعد الحيدري، فصيح الدين، ويقال له إبراهيم فصيح. ولد: سنة (١٢٣٥ هـ) خمس وثلاثين ومائتين وألف.
كلام العلماء فيه:
• قال محقق كتاب "النكت": "فقيه وأديب بغدادي المولد والمنشأ والوفاة، كردي الأصل، ينتمى إلى الأسرة الحيدرية، وهي أسرة خرجت كثيرًا من العلماء والسادة، وقد تكلم عنها المحامي عباس العزاوي ﵀ في كتابه "العراق بين احتلالين" (٣/ ٣٣١): هم كراد، وأرى مكانتهم العلمية فوق النسبة انتهى.
تولى إبراهيم نيابة القضاء في بغداد ثم سافر إلى إستانبول، وبقي فيها مدة طويلة، تقلد فيها مناصب جليلة، وذلك إبان حكم السلطان عبد الحميد الثاني ﵀ إلى أن سعى بعض الوشاة في تنكيله فرفع عنه منصبه وأعيد إلى بغداد، وبقي فيها منشغلًا بالتأليف والكتابة.
وقد ألف كُتبًا كثيرة في فنون شتى، وقد جمع ﵀ في مكتبته كتبًا نادرة، أوقفها قبيل وفاته في (التكية الخالدية)، وتدعى اليوم بحامع الإحساني.
والشيخ أشعري العقيدة، شافعي المذهب، معتدل في آرائه عن علماء ذلك القرن، وهذا يبدو جليًا في موقفه من الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما يبدو. ذلك في كتابه (عنوان الجد).
وفي كتابه "النكت الشنيعة" قال في النكتة الأولى: "إن الله تعالى قد حكم بأن جميع أفعال العباد من خير وشر مخلوقة له تعالى، واقعة بإرادته وقدرته ﷿، لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، وقوله: ﴿إِنَّا كُلْ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله: ﴿قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلَّ شَيءِ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَةَارُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقوله: ﴿هُوَ اللهُ الْخَالِقُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ خَالِقُ كُلَّ شَيءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقوله: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيِمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إلا اللهُ﴾ [النحل: ٧٩]، قوله: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وغير ذلك من الآيات.
_________________
(١) * معجم المفسرين (١/ ١٤)، الأعلام (١/ ٤٤)، أعيان القرن الثالث عشر (٢٤٨) معجم المؤلفين (١/ ٥١)، معجم المؤلفين العراقيين (١/ ٥١). المسك الأذفر (١٤٧) كتاب "النكت الشنيعة" تحقيق عبد العزيز بن صالح المحمود.
[ ١ / ٤١ ]
يعني أن جميع الحسنات بخلق الله تعالى، فما لهم لا يفهمون ذلك، أما العبد فليس له إلا الكسب، الذي هو دار الثواب.
وأما قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، فهو على سبيل الإنكار" أ. هـ.
قلت: -أي المحقق- معنى الكسب عند الأشعرية: أن أفعال العباد فعل الله، وليست فعل العبد، ولكنها نسبت إليه لكسبه إياها، فهي مكسوبة للعبد، وليست فعلًا له.
وقالوا: إن قدرة العبد لا تأثير لها في فعله، ولا في صفة من صفاته، وأن الله أجرى العادة بخلق مقدور العباد مقارنًا لقدرتهم، فيكون الفعل مخلوقًا ومفعولًا بالله، وكسبًا للعبد، وأخذوا يفرقون بين الكسب: عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، والخلق: عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة القديمة.
وهذا الفرق، كما يقول ابن تيمية لا حقيقة له؛ لأن كون المقدور في محل القدرة أو خارجًا عنها ليس راجعًا إلى تأثير القدرة فيه، ولا علاقة له بذلك، كما أنه لا فرق بين كون العبد كسب، وبين كونه فعل وأحدث، فإن فعله وإحداثه مقرون أيضًا بالقدرة الحادثة. نقلًا عن كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية "أقوم ما قيل في المشيئة والقضاء والقدر والتعليل" (ابن تيمية وقضية التأويل: ص ٤٢٠).
ثم قال في النكت أيضًا: "والكلام على تقدير همزة الاستفهام الإنكاري، والتقدير فما أصابك إلا الله تعالى، أي كيف تكون هذه التفرقة أو وارد على سبيل مجرد، ذلك دون الايجاد والخلق توفيقًا بين الكلامين؛ لأنه يمكن تأويل الآية الأخيرة بأحد هذين الوجهين المذكورين، ولا يمكن تأويل الأولى فيتعين حمل الثانية على الأولى دون العكس" أ. هـ.
قلت -أي المحقق-: أهل الكتاب والسنة لا يحتاجون إلى مثل هذا التفسير، أما الأشعرية وغيرهم، فقد أوقعوا أنفسهم في إشكال كانوا في غَنى عنه لو اتبعوا نهج السلف الصالح، ونبذوا علم الكلام وراء ظهورهم، ولاحظ كيف تكلّف المصنف ﵀ في تأويل هذه الآية، والله المستعان.
ثم قال في النكلت: "وأما قوله تعالى توبيخًا للكفار: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ٩٤]، وقو له: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ﴾ [البقرة: ٢٨]، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: ٧٥]، وقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ الْتَّذْكِرَةِ مُعْرَضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]، وقوله: ﴿وَتَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران: ٧١]، وقوله ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٩]، وقوله ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾، وأمثال ذلك من الآيات.
فهو محمول على السببية، والكسب، والجزء الاختياري الذي هو مناط التكليف، ومدار الثواب والعقاب لا على الإيجاد والحلق والتأثير، توفيقًا بين هذه الآيات بالحمل على الكسب، والجزء الاختياري، والسببية، ولا يمكن تأويل
[ ١ / ٤٢ ]
الآيات السابقة المصرحة بأن جميع أفعال العباد بخلق الله تعالى بتأويل حسن يقبله العقل المستقيم، كما أوّل بعض الشيعة بأن الفعل يجوز أن يسند إلى ما له دخل في الجملة، ولا شك أن الله تعالى مبدأ لجميع الكائنات، وينتهي إليه الكل، فلهذا السبب جاز إسناد أفعال العباد إليه تعالى.
أقول: ولا يخفى عليك أن تأويل الآيات الدالة على أن أفعال العباد بقدرتهم بمثل هذا التأويل، أولى أو أحق من تأويل الآيات المصرحة بأن جميع أفعال العباد بخلق الله تعالى بذلك التأويل؛ محافظة لتوحيد الخالق على أن نسبة المدخلية في الجملة إلي الله تعالى مع كونه الفاعل الخالق على الإطلاق.
إنما هو من سوء الأدب: ﴿وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، بل الحري بأن يكون له مدخل في الفعل، إنما هو العبد لكونه كاسبًا، وله الجزء الاختياري في فعله لا الخلق والإيجاد والتاثير، إذ لا مؤثر ولا خالق في الوجود سوى الله تعالى، مع أنه إن أراد بمدخلية الله تعالى في أفعال العباد أن أفعالهم صادرة بإرادته تعالى، فقد ثبت مطلوبنا من أنه لا يمكن صدور شيء في الوجود إلا بإرادته وقدرته تعالى، وإن أراد أن فعل العباد حادثة بمجموع قدرة الله تعالى، وقدرة العبد لزم القصور في قدرة الله تعالى.
والشيعة خالفوا ذلك فقالوا: إن أفعال العباد صادرة منهم بتأثيرهم وإيجادهم كالمعتزلة، نعم توحيد الخالق ليس من الأمور المهمة التي تجب محافظتها عند الشيعة؛ لأنهم يعتقدون أن عليًّا وأولاده - ﵃ - يتصرفون في الكائنات ويفعلون ما يشاؤون بإرادتهم بل قال بعضهما "إن عليًّا كرم الله وجهه هو المقدر للأرزاق" كما قال ابن معتوق الحويزي من شعرائهم لعنه الله في مدحه ﵁:
ومعدن العلم مهبط الوحي لا بل مقدر الأرزاق
والرافضة مع مخالفتهم لله تعالى فقد بارزوا الله تعالى بإثبات قدرة خالقه لهم كقدرته تعالى والكلام على هذه المسألة بالتفصيل لا يسعه هذا المختصر وقد استوفيت البحث في شرحي على رسالة خلق الأعمال لشيخنا المجدد قطب العارفين وغوث المرشدين حضرة مولانا خالد النقشبندي قدّس الله سره" أ. هـ النقل من كتاب "النكت" وكلام المحقق فيه.
* قلت: إذن هو أشعري العقيدة، نقشبندي الطريقة والسلوك، إلا أنه عالمًا معتدلًا في كثير من آرائه، والله أعلم.
وفاته: سنة (١٢٩٩ هـ) تسع وتسعين ومائتين وألف، وقيل (١٣٠٠ هـ) ثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "فصيح البيان في تفسير القرآن"، و"أعلى الرتبة في شرح النخبة" و"إمداد القاصد في شرح المقاصد" للنووي وغيرها.
[ ١ / ٤٣ ]