أحمد بن زيد بن أبي بكر بن عمر بن محمود الجراعي بجيم ثم راء مهملة الصّالحي، الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أبي العباس. ذكره المؤرخ الشمس محمد بن طولون في مشائخه فقال: سمعت منه الأبيات التي أنشده إياها العلامة قطب الدين أبو الخير محمد بن عبد القوي المكي المالكي في يوم الاثنين تاسع رجب سنة أربع وأربعين وثمانمائة، يرثي الإمام أبا الفرج عبد الرحمن بن سليمان بن أبي بكر الصالحي الحنبلي الشهير بأبي شعر، وقد بلغه وفاته فقال:
أبو الفرج المرحومُ أودى حِمامُه … به وقضى نحبًا وذا العامُ عامُه
فيا قاسيونَ الشامِ مالكَ لم تَصِحْ … وصنوكُ طودُ العلمِ هُدَّ سنامُه
ويا أيُّها القاموسُ مالك لم تَغُر … وبحرُ علومِ الفقهِ غارَ جِمامُه (^٥)
ويا بدرَ هذا الأفقِ مالك لم تُغَل … وبدرُ سماءِ العلمِ غِيل تمامُه
فيا بنَ سليمانَ، الإمامةُ عُطلتْ … لفقدِك والتدريسُ حُلَّ نظامُه
وبعدَك لا الفضلُ المنيرُ ولا الأدا … لعلمٍ ولا الإقراء سِيمَ سَوامُه (^٦)
ولا الوعظُ في دارٍ يَقِرُّ قرارُه … ولا مصرُ تأويه ولا الشامُ شامُه
إليكَ انتهى التفسيرُ واللهُ شاهدٌ … بأنَّكَ خاشٍ حين يُتلى كلامُه
زهدتَ، تورعتَ، اعتزلتَ عن الورى … وأنت لهذا الشأنِ طُرًا ختامُه
غدا كلُّنا لما تواريتَ والهًا … فطِبتَ مقيلًا لا يُضاع ذِمامُه
تراني أُعزي من وَراه بزورِه … علا قدرُه عندي وعَزَّ مقامُه
أعزّي به الإسلامَ والدينَ والتقى … كذاك به حقًا يُعزّى إمامُه
_________________
(١) لم نعثر على ترجمته في المصادر.
(٢) الجِمام = بالكسر جمع جمّ وهو الكثير من كل شيء. القاموس.
(٣) السوام = الإبل وسيم رعي وفي البيت استعارة.
[ ٥٨ ]
ومالكُ والنعمانُ والشافعي الرضى … محمدٌ بن إدريسٍ يحق احترامُه
كذاك البخاريْ وابنُ حجاج مُسلمٌ … بعلمهما -واللهِ- كان اهتمامُه
فيا قبَره حقٌ علينا -وإن رأى … خلافًا لدى- تقبيله واستلامه
ثم سمع منه الأبيات التي أنشده إياها العلامة أبو الفضل محمد بن قاسم القرشي المخزومي في السواك فقال:
الحمد لله ولي النعمة … مُصلِّيًا على نبيِّ الرحمةِ
إخوانَنا تمسكوا بسنةٍ … جميلةٍ نافعةٍ حميدةٍ
فمن أرادَ سنةَ السواكِ … فإنه يكون من أراكِ
وعودِ نخل والبشامِ وكذا … في الطبراني عودُ زيتونٍ غدا
وكلَّما قد عُدَّ في الفضائلِ … خُصَّ به الأراكُ بالدلائلِ
وصحتْ الأخبارُ حيثُ توجدُ … قولًا وفعلًا، إنه مؤكدُ
ولا خلافَ أنه من القُربْ … واختلفوا أواجبٌ أم مستحبْ
وآكد السواكِ للقرآنِ … وعند الاصفرارِ للأسنانِ
وعند الانتباهِ للإنسانِ … كذاكَ للصلاةِ ذي الأركانِ
عندَ دخول البيتِ أيضًا نُدبا … وعند قصدِ نومِه قد طُلبا
عندَ الوضوءِ نَدْبُه قد وردا … وباطنُ الأضراس مرًا قصدا
وقدرُ شبر جعلُه للسنةِ … لا تمسكَنَّه بكلِ القبضةِ
بل فوقَه ثلاثةٌ تَلتامُ … وتحته الخِنصر والإبهامُ
وعَرْضًا اندبُه وباللسانِ … طُولًا كما يُكْرَه بالأسنانِ
بإصبع للغيرِ جازَ واتضحْ … بإصبع له، فلا، على الأصحْ
وخلفَ أُدنٍ خلِّه موضوعا … كما رواه البيهقي مرفوعا
[ ٥٩ ]
أمَّا أبو داودَ فهو قدْ وقفْ … هذا على زيدِ بن خالدٍ وكَفْ
ومن فوائد السواك ذِكْرا … مزيدُ صفوه لفيك طُهرا
رضىً لربنا مقوي اللثةِ … وإنه مطيبٌ للنكهة
وقاطعُ السوداءِ من كل البدنْ … وجهٌ يصيرُ ذا وَضاءةٍ حَسنْ
للحفر للأسنانِ والصداعِ … يذهبها وسائرَ الأوجاعِ
به يُقوّى الصُّلب من إنسانِ … وأنه مسخطةُ الشيطانِ
ويُذهب العذابَ في القبورِ … ويَصرفُ الفقرَ عن الفقيرِ
وأنه يذكر الشهادهْ … ويُذهبُ العَدُوَ في الحرابه
ملائكُ الله له تصافحْ … حين ترى النور بوجه لائحْ
وبالسواك تفضلُ الصلاةُ … سبعين ثَمَّ إنْ أتت وفاةُ
من قبل فعلها ينال إنْ نوى … تقربًا لله لا يرجو سوى
خذها أخي تبرعًا بلا ثمنْ … أللهَ أرجو برَّها بلا محنْ
محمد الفصيُّ خادم السُننْ … ضيفٌ (^٧) غريبٌ في البلاد ممتهنْ
في حبِ مولاه أتى مهاجرًا … بأهله ونجله يرجو القِرا
وفيه عن محمد السَّخاوي … عَصرّينا من نظمه للحاوي
ياربِّ سلم جمعنا من باسِ … ومن مَعاصٍ وشرور الناسِ
أسألُ ربَّ الخلقِ حُبَّ السنةِ … وفعلَها وجمعَها في الجنة
والحمد لله كما بدأتُ … أحمده ولاسمه شكرتُ
ثم على نبيه السلامُ … مع الصلاةِ لي بها ختامُ
وهذا لم يحصر فوائد السواك. ومن أراد استيعابها على حسب ما وقفت
_________________
(١) في الأصل: ضعيف. وهو تصحيف إذ لا يستقيم الوزن به، ويؤكد ذلك البيت الذي بعده.
[ ٦٠ ]
عليه فعليه بكتاب (تحقيق الإدراك لأخبار السواك) لشيخ الإسلام العلامة القاضي رضي الدين الغزي العامري (^٨) قدس سره، ومذكور في ذلك قول الجمال بن مكتوم وأجاد:
بالله إن جزتَ بوادي الأراك … وقبلتْ عيدانُه الخضرُ فاك
فاهدِ إلى المملوكِ من بعضها … فإنني والله ما لي سواك
ومثله قوله:
ويحكَ يا عودَ الأراكِ لثمتها … ما خفتَ يا عود الأراك أراكا
لو كان غيرُك يا سواكُ قطعْتُه … ما فازَ مني يا سواك سواكا
وختمه الفقير المسطر لهذا الكتاب بما ألغزه فيه أبو عبد الله محمد بن عبد المجيب الرفاء حيث قال:
ومصحوبٌ به أمرَ الرسولُ … به لوني المغيَّرُ والنحولُ
يُنعَّم في مكانٍ ما لخلقٍ … سواه إلى تقحُّمِه سبيلُ
ومن محفوظ كاتبه أيضًا لبعض السادة الفضلاء:
أراك ترومُ إدراكَ المعاني … وتزعم أنَّ عندكَ منهُ فهما
فما شيءٌ له طعمٌ وريحٌ … وذاكَ الشيءُ في شعري مُسمّى
ومن محفوظي فيه أيضًا جواب عن البيتين:
سألتَ هُديت عما فيه طعمٌ … تظنُ سواكَ ليس يُجيبُ نَظما
_________________
(١) هو محمد بن محمد بن أحمد العامري الغزي الدمشقي (رضي الدين، أبو الفضل) ولد بدمشق سنة ٨٦٢ هـ ونشأ بها وأخذ عن علمائها وولي القضاء وألف المؤلفات الكثيرة وتوفي بدمشق سنة ٩٣٥ هـ. معجم المؤلفين ١١/ ١٨٤، الكواكب السائرة ٢/ ٣، هدية العارفين ٢/ ٢٣٣، وقد فات من ترجم له ذكر كتاب تحقيق الإدراك … ضمن مؤلفاته.
[ ٦١ ]
فخذْ مني جوابًا ليس يَخفى … على ذي اللب في نظمي مُسمّى
ولبعضهم وقد رأيته مكتوبًا بمحراب مدرسة الشيخ أبي عمر (^٩) حكمة أدبية:
دارِ من الناس ملًا لاقِهم … مَنْ لم يدارِ النّاسَ مَلّوهُ
ومكرمُ النَّاسِ حبيبٌ لهمْ … من أكرمَ النَّاسَ أحبُّوه
ولبعضهم:
عرضْنا أنفسًا عَزَّت علينا … لديهم فاستحقَّ لها الهوانُ
ولوْ أَنَّا منعناها لعزَّتْ … ولكنْ كلُّ معروضٍ يُهانُ
ولبعضهم:
وإخوانٍ حسبتُهمُ دُروعًا … فكانوها ولكنْ للأعادي
وخِلتهمُ سِهَامًا صائباتٍ … فكانوها ولكنْ في فؤادي
وقالوا: قد صَفت منا قلوبٌ … لقد صدقوا ولكنْ من وِدادي
ولبعضهم:
رجوتهمُ لكشف الضُرِّ عنِّي … فلمْ أرَ فيهمُ أحدًا كريما
وما لي عندهمْ ذنبٌ قديمٌ … سوى أَنيِّ عرفتُهُمُ قديما
وكان صاحب الترجمة ملازمًا لقراءة القرآن ليلًا ونهارًا، ملازمًا للصلاة مع
_________________
(١) مدرسة أبي عمر في الصالحية في وسطها نهر يزيد قبلي الجامع المظفري وقفها وبناها الشيخ أبو عمر المقدسي محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي وهي الآن خراب مهملة. الدارس ٢/ ١٠٠ القلائد الجوهرية ١/ ١٦٥، غوطة دمشق ١٧٢ - ١٧٣. خطط الشام ٦/ ٩٧.
[ ٦٢ ]
الجماعة، لكن كان لسانه طلقًا في أعراض الناس. وجاوز سبعين سنة. وتوفي يوم الجمعة سابع عشرين صفر الخير من شهور سنة أربع وتسعمائة،. وصلي عليه بالجامع الظفري (^١٠)، ودفن بمقبرة الشيخ أبي عمر خارج الحواقة عند والده بسفح قاسيون. انتهى بحروفه من التاريخ المرقوم.