حسن بن علي بن عبيد بن أحمد بن عبيد بن إبراهيم المرداوي [السعدي ثم] (^٣٥) الصالحي، الشيخ الإمام الفاضل بدر الدين أبو علي، حفظ القرآن وعدة كتب واشتغل قديمًا على جماعات، ترجمه الحافظ الشمس ابن طولون فقال: أخذ عن ابن السليمي ورحل إلى بعلبك مع ابن المبرد وله خط حسن ثم تكسب (^٣٦) بالشهادة، أجازني مشافهة غير ما مرّة، واستفدت منه عدة أشياء
_________________
(١) في الأصل خرق والتتمة من متعة الأذهان.
(٢) خرق في الأصل.
(٣) ترجمته في متعة الأذهان ورقة ٣٦ والكواكب السائرة ١/ ١٧٨، وشذرات الذهب ٨/ ٧٤، ومختصر طبقات الحنابلة ٧٧.
(٤) الزيادة من متعة الأذهان.
(٥) في الأصل (تسبب) وما أثبتناه فمن الكواكب السائرة وشذرات الذهب.
[ ٧٤ ]
منها: أنّ من الاعتراضات أنّ أبا العلاء المعري قال ما صورته:
إذا ما ذكرنا آدمًا وفِعالَهُ … وتزويجه بنتيه لابنيه في الخنا
علمنا بأنَّ الخلقَ من نسلِ فاجرٍ … وأنّ جميعَ النّاسِ من عُنْصرِ الزِّنا
فرد عليه:
لعمركَ أمّا فيكَ فالقولُ صادقٌ … وتكذبُ في الباقينَ من شَطَّ أو دنَا
كذلك إقرارُ الفتى لازمٌ له … وفي غيرهِ لغوٌ كذا جاءَ شرعُنَا
ومن المنسوب إليه يعني أبا العلاء المرقوم:
يد بخمسِ مئينَ عسجدٍ وُدَيتْ … ما بالها قُطعَتْ في ربعِ دينارِ
تناقضٌ مالنا إلّا السكوتُ له … ونستجيرُ بربِّ النّاسِ مِنْ نارِ
[فرد عليه أيضًا بقوله] (^٣٧):
وقاية النفسِ أغلاها وأرخصها … وقاية المالِ فافهم حكمة الباري
قال: معناه أنّ الشارع -ﷺ- لو لم يقطع اليد إلا في خمسمائة دينار لأفسد السُّراقُ أموالَ الناس بأن يسرقوا دون ذلك على الدوام، فلا يجب عليهم القطع لا سيّما والمسروق لا يكون إلا أقل من ذلك، ولو أن الشارع -ﷺ- لم يوجب في الجناية على اليد إلا ربع دينار لتجرأ الجناة على قطع اليد لسهولة المغرم. فالصيانة هي العلة في الصورتين، وهي الموجبة للحكمين المتناقضين. ومثل هذا يجمع الفرق، وهو أن يكون معنى واحدٌ يوجب أمرين متضادين. كما نقول في الصبي توفير ماله على مصالحه أوجب الحجرَ عليه، ومنَعه من
_________________
(١) الزيادة من مختصر طبقات الحنابلة. وقد أورد صاحب المختصر: (ويروى هكذا: عزّ القناعة أغلاها وأرخصها … ذل الخيانة فافهم حكمة الباري)
[ ٧٥ ]
التصّرف، وتوفير ماله على مصالحه الذي أوجب تنفيذَ تصرفه في الوصية والتدبير، فإنّ مصالح الآخرة هي المصالح العظمى والنعمة الكبرى، فانظر إلى هذه الحكمة واشكر مولاك على ما أولاك من هذه النعمة.
ومن المنسوب إلى أبي العلاء أيضًا:
في اللاذقية فتيةٌ … ما بين أحمد والمسيح
هذا يهز نواقسًا … والشيخُ من حنقٍ يصيح
كلٌّ معظمُ دِينِهِ … يا ليتَ شعري ما الصحيح!
فبلغ ذلك القاضي عبد الوهاب المالكي (^٣٨) فقال:
كلبٌ عوى بمعرَّةِ النُّعمانِ … لما خلا عن رُتبةِ الإيمانِ
أمعرّة النعمانِ لا قُدستِ إذ … أظهرتِ فيكِ معرّة العُميانِ
ووقف قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أسد المالكي على ما قاله القاضي عبد الوهاب المذكور من ذلك، فذيل عليه فقال:
يُمسي ويُصبحُ في الضَّلالةِ عامَها … ويرى نقيضَ الشّرع في الحيوانِ
ويقولُ إنّ نفوسَنَا تفنى كما … تَفنى الجسومُ ولا معادَ لفاني
تبًا له من جاهلٍ متغافلٍ … أو فيلسوفٍ حادَ عن عِرْفانِ
أمسى المعري والقريض غزاله … طوع القياد فما له من قاني
قد حاز فيه السَّبْقَ إلّا أنه … سَبَقَ الكتابُ عليه بالحِرمانِ
والقاضي عبد الوهاب هذا هو أبو محمد بن علي بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك بن طوق الثعلبي البغدادي الفقيه وهو من ذرية مالك بن
_________________
(١) سيورد المؤلف ترجمته بعد أسطر.
[ ٧٦ ]
طوق الثعلبى صاحب الترجمة. كان أديبًا شاعرًا فقيهًا، صنف في مذهب مالك كتاب (التلقين) وكتاب (المعرفة)، شرح الرسالة وغيرهما. ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (^٣٩) ومن شعره:
ونائمةٍ قَبّلتُها فتشبهَتْ … وقالت: تعالوا فاطلبوا اللِّصَّ بالحدِ
فقلت لها: إني فديتك غاصبٌ … وما حكموا في غاصبٍ بسوى الرّدِ
خذيها وكُفّي عن أثيمٍ ظُلامةً … وإن أنتِ لم ترضيْ فإنّا على العهدِ
فقالت: قصاصٌ تشهد النفسُ أنه … على كبدِ الجاني ألذُّ منَ الشهدِ
فباتَتْ يميني وهي هميانُ خَصْرِها … وباتت شمالي وهي واسطةُ العِقْدِ
فقالت: ألم تخبر بأنّك زاهدٌ … فقلتُ: بلى ما زلت أزهد في الزهدِ
واشتغل صاحب الترجمة آخرًا على الشيخ زين الدين بن العيني، فقرأ عليه شرحيه على (الألفية) وعلى (الخزرجية) وأخذ الحديث عن ابن السليمي كما تقدم، وعن ابن الشريفة والنظام بن مفلح، وسمع على جماعة كثيرين. ولما رحل إلى بعلبك صحبة الجمال بن المبرد سمع بها غالب مسموعاته، وكان يتكسب بالشهادة. وهو من شيوخ الشمس بن طولون ومجيزيه.
توفي يوم الخميس تاسع رمضان سنة عشر وتسعمائة، وقال النجم في الكواكب والعكري في الشذرات سنة ست عشرة وتسعمائة، وما في تاريخ ابن [١٨ - ب] طولون أثبت، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
_________________
(١) تاريخ بغداد ١١/ ٣١ ونسبه فيه التالي: (عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون …).
[ ٧٧ ]