كان القاضي أحمد بن أبي دؤاد (^٣٩) ممن نشأ في العلم، وتضلع بعلم الكلام وصحب فيه هياج بن العلاء السُلَمي صاحب واصل بن عطاء (^٤٠) أحد رؤوس
_________________
(١) المناقب ٤١٥.
(٢) أحمد بن أبي دؤاد بن جرير بن مالك الإيادي أحد القضاة المشهورين من المعتزلة ورأس فتنة القول بخلق القرآن قدم به أبوه من قنسرين إلى دمشق فنشأ بها ثم رحل إلى العراق كان فصيحًا داهية توفي مفلوجًا في أول خلافة المتوكل سنة ١٢٣٣ [الأعلام ١/ ١١٢٠].
(٣) واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة ومن أئمة البلغاء والمتكلمين سمي أصحابه بالمعتزلة لاعتزاله حلقة درس الحسن البصري ومنهم طائفة تنسب إليه تسمى (الواصلية) وهو الذي نشر مذهب الاعتزال في الآفاق ولد بالمدينة سنة ٨٠ هـ وكانت به لثغة استطاع أن يتغلب عليها له تصانيف وتوفى سنة ١٣١ هـ.
[ ٣٨ ]
المعتزلة، وكان ابن أبي دؤاد رجلًا فصيحًا. قال أبو العيناء: ما رأيت رئيسًا قط أفصحَ ولا أنطق منه، وكان كريمًا ممدّحًا وفيه يقول بعضهم:
لقد أنْسَتْ مساوئ كلِ دهرٍ … محاسن أحمدَ بن أبي دُؤَاد
وما طوَّفْت في الآفاقِ إلا … ومن جدواكَ راحلتي وزادي
يقيم الظنُّ عندك والأماني … وإن قلقت ركابي في البلاد
وكان مُعظمًا عند المأمون أميرِ المؤمنين يَقبل شفاعاته ويصغي إلى كلامه.
وأخباره في هذا كثيرة، فدس ابن أبي دؤاد له القول بخلق القرآن وحسّنه عنده وصيّره يعتقده حقًا مبينًا إلى أن أجمع رأيه في سنة ثمان عشرة ومائتين على الدعاء إليه فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي (^٤١) ابنِ عم طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتابًا يقول فيه: وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا روية ولا استضاءة بنور العم وبرهانه أهل جهالة بالله وعمىً عنه وضلالةٍ عن حقيقة دينه وقصور أن يَقْدُرُوا الله حق قدره، ويعرفوه كنه صرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه وذلك أخي ساووا بين الله وبين خلقه، وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا على أنه قديم [٧ آ] لم يخلقه ويخترعه، وقد قال تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنًا عربيًا﴾ (^٤٢) فكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال. ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ (^٤٣) وقال: (نقص عليك من أنباء ما قد سبق﴾ (^٤٤) فأخبر أنه قصص لأمور أحدثها بعدها، وقال ﴿أحكمت آياته ثم
_________________
(١) إسحق بن إبراهيم بن الحسين المصعبي الخزاعي صاحب الشرطة أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل مات ببغداد سنة ٢٣٥ هـ. الأعلام ١/ ٢٨٣.
(٢) سورة الزخرف الآية ٣.
(٣) سورة الأنعام الآية ١.
(٤) سورة طه الآية ٩٩.
[ ٣٩ ]
فصلت﴾ (^٤٥)، والله محكم كتابه ومفصله. فهو خالقه ومبتدعه. ثم انتسبوا إلى السنة وأنهم أهل الحق والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال، حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم، فنزعوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم، إلى أن قال: فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظًا أوعية الجهالة، وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين الله، وأحق أن يتهم في صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به، من عمى عن رشده وحظه عن الإيمان بالتوحيد، وكان عما سوى ذلك أعمى وأضلَ سبيلًا، ولعمر أمير المؤمنين إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه، وتخرص الباطل ولم يعرف الله حقيقة معرفته، فأجمع من بحضرتك من القضاة، فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فما يقولون واكشفهم عما يعتقدون في خلق الله وإحداثه، وأعلمهم أني غيرُ مستعين في عمل ولا واثق بمن بلا يوثق بدينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترك من لم يقر أنه مخلوق، واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك.
وكتب المأمون إليه أيضًا في إشخاص سبعة أنفس وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقي. فأشخصوا إليه فامتحنهم بخلق القرآن، فأجابوه فردهم من الرَّقَّة إلى بغداد. وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولًا ثم أجابوه تقيّة.
_________________
(١) سورة هود الآية ١.
[ ٤٠ ]
وكتب إلى إسحق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة، ففعل ذلك فأجابه طائفة وامتنع آخرون، فكان يحيى بن معين وغيره يقولون: أجبنا خوفًا من السيف.
ثم كتب المأمون كتابًا آخر من جنس الأول إلى إسحق وأمره بإحضار من امتنع فأحضر جماعة منهم: أحمد بن حنبل وبشر بن الوليد الكندي، وأبو حسان الزيادي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، وعبيد الله بن عمر القواريري، وعلي بن الجعد [٧ ب] وسجاده، والذبال بن الهيثم، وقتيبة بن سعيد، وكان حينئذ ببغداد، وسعدويه الواسطي، وإسحق بن أبي إسرائيل وابن الهر، وابن علية الأكبر، ومحمد بن نوح العجلي، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وأبو نصر التمار، وأبو معتمر القطيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون وغيرهم، وعرض عليهم كتاب المأمون فعرّضوا ووروا ولم يجيبوا ولم ينكروا فقال بشر بن الوليد: ما تقول؟ قال: قد عَرَّفت أمير المؤمنين غير مرة، قال: وإن تعد تجدد من أمير المؤمنين كتاب: قال: أقول: كلام الله. قال: لم أسألك عن هذا، مخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلتُ لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه. ثم قال لعلي بن مقاتل: ما تقول؟: قال: القرآن كلام الله، وإنما أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا. وأجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك. ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول؟ قال: كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله، لا أزيد على هذا. ثم امتحن الباقين وكتب بجواباتهم. وقال ابن البكاء الأكبر: أقول القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك، فقال له إسحق بن إبراهيم: والمجعول مخلوق؟ قال: نعم، قال: فالقرآن مخلوق قال: لا أقول: مخلوق. ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون، فورد عليه كتاب المأمون: بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة
[ ٤١ ]
وملتمسو الرئاسة فيما ليسوا له بأهل، فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية. ويقول في الكتاب: فأما ما قال بشر فقد كذب، ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك عهد أكثر من إخبار أمير المؤمنين من اعتقاده كمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق، فادع به إليك، فإن تاب فأشهر أمره، وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقًا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه وابعث إلينا برأسه، وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه، فإن أجاب وإلا فاضرب عنقه، وأما علي بن أبي مقاتل فقل له: ألست القائل لأمير المؤمنين: إنك تحلل وتحرم. وأما الذبال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي سرقه من الأنبار ما يشغله. وأما أحمد بن يزيد أبو العوام وقوله: إنه لا يحسن الجواب في القرآن فأعلمه أنه صبي في عقله لا في سنه، جاهل، سيحسن الجواب إذا أُدِّب، ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك. وأما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته، واستدل على جهله وآفته بها. وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة يعني في ولايته القضاء، وأما الزيادي فأعمه أنه كان منتحلًا وِلاءَ دعيٍ فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد بن أبيه، وإنما قيل له الزيادي [٨ آ] لأمر من الأمور قال: وأما أبو نصر التّمار فإن أمير المؤمنين شبّه خساسة عقله بخساسة متجرِه، وأما ابنُ نوح وابن حاتم فأعلمهم أنهم مشاغيلُ بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد، وإن أمير المؤمنين لو لم يسجل محاربتهم في الله إلا لآرائهم وما نزل به في كتاب الله في أمثالهم لاستحل ذلك فكيف بهم وقد جمعوا مع الأربا شركًا. وصاروا للنصارى شبهًا، وأما ابن شجاع فأعلمه أنه صاحبه بالأمس والمستخرج منه ما استخرجه من المال الذي كان استحل من مال الأمير علي بن هشام. وأما
[ ٤٢ ]
سعدويه الواسطي فقل له: قبح الله رجلًا بلغ به التصنع للحديث والحرص على الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة، وأما المعروف بسجادة وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من العلماء القول: بأن القرآن مخلوق فأعلمه أن في شغله وإعداد النوى وحكمه لإصلاح سجادته وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد. وأما القواريري ففيما تكشف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وبسخافة عقله ودينه. وأما يحيى العمري فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف. وأما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم فإنه لو كان مقتديًا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه وأنه بعدُ صبي يحتاج إلى أن يُعَلّم، وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصّه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن فحمحم ولجلج فيها، حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف فأقر ذميمًا، فانصصه عن إقراره، فإن كان مقيمًا عليه فأشهر ذلك وأظهره، ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر وابن المهدي فاحملهم موثّقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم، فإن لم يرجعوا حملهم على السيف قال: فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل وسجاده ومحمد بن نوح والقواريري فأمر بهم إسحق فقيّدوا، ثم سألهم من الغد وهم في القيود فأجاب سجاده ثم عاودهم ثالثًا فأجاب القواريري، ووجه بأحمد بن حنبل ومحمد بن نوح المضروب إلى طرسوس، ثم لما بلغ أميرَ المؤمنين أنهم إنما أجابوا مكرهين فغضب وأمر بإحضارهم إليه. فلما صاروا إلى الرَّقّةَ بلغتهم وفاة المأمون، وكذا جاء الخبر بموت المأمون إلى أحمد ولطف الله وفرّج. وأما محمد بن نوح فكان عديلًا لأحمد بن حنبل في المحمل فمات فوليه أحمد بالرجعة، وصلى عليه ودفنه رحمه الله تعالى. وأما المأمون فمرض بالروم، فما اشتد مرضه طلب ابنه العباس ليقدم عليه وهو يظن أنه لا يدركه، فأتاه وهو مجهود وقد نفذت الكتب إلى [٨ ب] البلدان فيها:
[ ٤٣ ]
"من عبد الله المأمون وأخيه أبي إسحق الخليفة من بعده" بهذا النص فقيل: إن ذلك وقع بأمر المأمون، وقيل: بل كتبوا ذلك وقت غشي أصابه فأقام العباس عنده أيامًا حتى مات، وكان المأمون قد كتب وصية تطول حكايتها ضمنها تحريض الخليفة بعده على حمل الخلق على القول بخلق القرآن، ثم توفي في رجب ودفن بطرسوس. واستقل أمير المؤمنين المعتصم بالخلافة فكان من سعادة المأمون موته قبل أن يحضر أحمد بن حنبل إلى بين يديه، فلم يكن ضربُهُ على يديه، وكانت هذه الفتنة عظيمة الموقع. وأول من امتحن فيها من العلماء عفان بن مسلم الحافظ، ولا دعي وعرض عليه القول بخلق القرآن فامتنع قيل: قد رسمنا بقطع عطائك، وكان يعطى ألف درهم في كل شهر فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (^٤٦)، وكانت عنده عائلة كثيرة قيلَ فدقّ عليه الباب داقٌّ في ذلك اليوم لا يعرف وقال: خذ هذه الألف ولك كل شهر عندي ألفٌ يا أبا عثمان ثبتك الله كما ثبّتَّ الدين. ثم امتحن الناس بعده قال محمد بن إبراهيم البوشَنْجي (^٤٧): سمعت أحمد بن حنبل يقول: تبينت الإجابة في دعوتين؛ دعوت الله أن لا يجمع بيني وبين المأمون، ودعوته أن لا أرى المتوكل، فلم أر المأمون؛ مات بالبدندون، وهو نهر الروم، وأحمد محبوس بالرقة حتى بويع المعتصم بالروم ورجع فرد أحمد إلى بغداد، وأما التوكل فإنه لما أَحضرَ أحمد دار الخلافة ليحدث ولده قعد له التوكل في خوخة حتى نظر إلى أحمد ولم يره أحمد. قال صالح بن أحمد بن حنبل (^٤٨): لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس ردا في أقيادهما، فلما صارا إلى الرقة حملا في سفينة فلما
_________________
(١) سورة الذاريات آية ٢٢.
(٢) البوشنجي: نسبة إلى بوشنج وهي بلدة على سبعة فراسخ من هراة [اللباب ١٥٢].
(٣) المناقب ٣١٥.
[ ٤٤ ]
وصلا إلى عانات (^٤٩) توفي محمد فأطلق عنه قيده وصلى عليه أبي، وقال حنبل: قال أبو عبد الله: ما رأيت أحدًا على حداثة سنه وقدر عمه أقومَ بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير، قال [محمد بن نوح] لي ذات يوم يا أبا عبد الله: الله الله إنك لست مثلي أنت رجل يقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك لا يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله أو نحوَ هذا. فمات وصليت عليه ودفنته أظنه قال بعانة قال صالح: صار أبي إلى بغداد مقيدًا فمكث بالياسرية (^٥٠) أيامًا، ثم حبس بدار اكتريت له عند دار عمارة، ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية فقال: إني كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد، فلما كان في رمضان سنة تسع عشرة حولت إلى دار إسحق بن إبراهيم، وأما حنبل بن إسحق فقال: حبس أبو عبد الله في دار عارة ببغداد في إصطبل لمحمد بن [٩ آ] إبراهيم أخي إسحق بن إبراهيم وكان في حبس ضيق ومرض في رمضان فحبس في ذلك الحبس قليلًا، ثم حول إلى حبس العامة فمكث في السجن نحوًا من ثلاثين شهرًا. وكنا نأتيه. وقرأ علي كتاب الإرجاء وغيره في الحبس، فرأيته يصلي بأهل الحبس وعليه القيد، فكان يخرج رجله من حلقة القيد وقت الصلاة والنوم، وكان يوجه إليّ كل يوم برجلين أحدهما يقال له أحمد بن رباح، والآخر أبو شعيب الحجاولانري لا يناظرانني حتى إذا أرادا الانصراف دعي بقيد فزيد في قيوده، قال: فصار في رجله أربعة أقياد قال أبي: فلما كان في اليوم الثالث دخل علي أحد الرجلين فناظرني فقلت له: ما تقول في علم الله؟ قال: علم الله مخلوق، فقلت له: كفرت. فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحق بن إبراهيم: إن
_________________
(١) عانات: قرى بالفرات وعانة جزيرة بالفرات وهي بلد مشهورة بين الرحبة وهيت … وقرى من جانبي الفرات [مراصد الإطلاع]
(٢) الياسرية: قرية كبيرة على ضفة نهر عيسى بينها وبين بغداد ميلان [معجم البلدان]
[ ٤٥ ]
هذا رسول أمير المؤمنين فقلت له: إنه هذا قد كفر، فلما كان في الليلة الرابعة وجه يعني المعتصم ببغا الذي كان يقال له: الكبير إلى إسحق فأمره بحملي إليه فأدخلت على إسحق فقال: يا أحمد إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربًا بعد ضرب، وأن يلقيك (^٥١) في موضع لا تُرى فيه شمس ولا قمر أليس قد قال الله ﷿: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (^٥٢). أفيكون مجعولًا إلا مخلوقًا قلت: فقد قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (^٥٣) أفخلقهم قال: فسكت. فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت [وجيء] بدابة فحملت عليها وعليّ الأقياد ما معي أحد يمسكني، فكدت غير مرة أن أخر على وجهي لثقل القيود، فجيء بي إلى دار المعتصم فأدخلت حجرة، وأدخلت إلى بيت وأقفل الباب علي، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فأردت أن أتمسح للصلاة، فمددت يدي فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع فتوضأت وصليت فلما كان من الغد أخرجت تكتي من السراويل وشددت بها الأقياد أحملها وعطفت سراويلي فجاء رسول المعتصم، فقال: أجب، فأخذ بيدي وأدخلني عليه، والتكة في يدي أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع خلقًا كثيرًا من أصحابه فقال لي يعني المعتصم ادنه، ادنه فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال لي: اجلس فجلست وقد أثقلتني الأقياد فمكثت قليلًا ثم قلت: أتأذن لي في الكلام؟ فقال: تكلم، فقلت: إلامَ دعا الله ورسوله؟ فسكت هنيئة ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، ثم
_________________
(١) في الأصل يقتلك وما أثبتناه فمن مناقب الإمام أحمد ٣٢٠.
(٢) سورة ٤٣ آية ٣.
(٣) سورة الفيل.
[ ٤٦ ]
قلت: إن جدك ابن عباس يقول: لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله -ﷺ- سألوه عن الإيمان فقال: (أتدرون ما الإيمان؟) قالوا: الله ورسوله أعلم قال: (شهادة أن [٩ ب] لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وأن تعطوا الخُمس من المغنم) قال أبي: قال يعني المعتصم: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك، ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحق، ألم آمرك برفع المحنة، فقلت: الله أكبر إن في هذا لفرجًا للمسلمين. ثم قال له: ناظروه، كلموه، يا عبد الرحمن كلمه، فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ قلت له: ما تقول في علم الله؟ فسكت، فقال لي بعضهم: أليس قد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (^٥٤)﴾ والقرآن أليس هو شيء: فقلت: قال الله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا (^٥٥)﴾، فدمرت إلا ما أراد الله فقال بعضهم: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ (^٥٦)﴾ أفيكون محدث إلا مخلوقًا؟ فقلت: قال الله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (^٥٧)﴾، فالذكر هو القرآن وتلك ليس فيها ألف ولام. وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين [﵁] (إن الله ﷿ خلق الذكر) فقلت: هذا خطأ، حدثنا غير واحد: (إن الله كتب الذكر). واحتجوا بحديث ابن مسعود: (ما خلق الله من جنة ولا نار، ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي)، فقلت: إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض، ولم يقع على القرآن. فقال بعضهم: حديث خباب (يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه.) فقلت:
_________________
(١) سورة الرعد الآية ١٦ وسورة الزمر الآية ٦٢.
(٢) سورة الأحقاف الآية ٢٥.
(٣) سورة الأنبياء الآية ٢ وسورة الشعراء الآية ٥.
(٤) سورة ص الآية ٢.
[ ٤٧ ]
هكذا هو. قال صالح بن أحمد فجعل أحمد بن أبي دؤاد ينظر إلى أبي كالمغضب، قال أبي؛ وكان يتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين هو والله ضالّ مضلّ مبتدع. فيقول: كلموه ناظروه، فيكلمني هذا فأرد عليه ويكلمني هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقول لي المعتصم: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسول الله حتى أقول به، فيقول ابن أبي دؤاد: أنت لا تقول إلا ما في كتاب الله أو سنة رسول الله، فقلت له: تأولت تأويلًا فأنت أعلم، وما تأولتُ ما يحبس عليه وما يقيد عليه. ثم إن المعتصم دعا أحمد مرتين في مجلسين يطول شرحهما، وهو يدعوه إلى البدعة، وأحمد ﵁ يأبي عليه أشد الإباء. قال أحمد (^٥٨) ﵁: ولما كانت الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غدًا من أمري شيء، فقلت لبعض من كان معي الموكل بي: أريد لي خيطًا. فجاءني بخيط فشددت به الأقياد، ورددت التكة إلى سراويلي مخافة أن يحدث من أمري شي فأتَعَرّى فلما كان من الغد في اليوم الثالث وجه إلي، فأدخلت فإذا الدار غاصة فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء فلما انتهيت إليه قال اقعد، ثم قال: ناظروه كلموه، فجعلوا يناظرونني، ويتكلم هذا فأرد عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم، فجعل بعض من على رأسه قائم يومئ إلي بيده، فلما طال المجلس نحاني، ثم خلا بهم، ثم نحاهم وردني إلى عنده، وقال: ويحك يا أحمد أجبني حتى أطلق عنك بيدي، فرددت عليه نحوًا مما كنت أرد، فقال لي: عليك وذكر اللعنة، وقال: خذوه واسحبوه
_________________
(١) المناقب ٣٢٥.
[ ٤٨ ]
وخَلّعوه، قال فسحبت ثم خُلّعت، قال: وقد كان صار إلي شعر من شعر النبي -ﷺ-[فصررته] (^٥٩) في كم قميصي، فوجه إليّ إسحق بن ابراهيم ما هذا المصرور في كمك؟ قلت: شعر من شعر رسول الله -ﷺ-. قال: وسعى بعض القوم إلى القميص ليُخرِّقه علي، فقال لهم يعني المعتصم: لا تخرقوه، فنزع القميص عني، قال: فظننت أنه إنما درأ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه قال: وجلس على كرسي يعني المعتصم ثم قال: العقابين والسياط، فجيء بالعقابين فمدت يداي،، فقال بعض من حضر خلفي: خذ بأي الخشبتين بيديك وشدّ عليهما، فلم أفهم ماقال، فتخلعت يداي وقال محمد بن إبراهيم البوسنجي (^٦٠)! ذكروا أن المعتصم لان في أمر أحمد لما علق بالعقابين، ورأى ثبوته وتصميمه وصلابته في أمره حتى أغراه ابن أبي دؤاد وقال له: إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله، فهاجه ذلك على ضربه. قال صالح (^٦١): قال أبي: لما جيء بالسياط نظر إلي المعتصم فقال ايتوني بغيرها ثم قال للجلادين تقدموا فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين وهو يقول في كل ذلك: شد، قطح الله يدك ثم يتنحى ويتقدم الآخر فيضربني سوطين وهو يقول في كل ذلك قطع الله يدك. فلما ضربت تسعة عشر سوطًا قام إلي يعني المعتصم فقال: يا أحمد علام تقتل نفسك؟! إني والله عليك لشفيق قال: فجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه، وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم. وجعل بعضهم يقول: ويلك الخليفة على رأسك قائم. وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي اقتله. وجعلوا يقولون: يا أمير
_________________
(١) المناقب ٣٢٦.
(٢) المناقب ٣٢٦.
(٣) المناقب ٣٢٧.
[ ٤٩ ]
المؤمنين أنت صائم وأنت في الشمس قائم. فقال لي: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله -ﷺ- أقول به. فرجع وجلس وقال للجلاد: تقدم وأوجع قطع الله يدك، ثم قام الثانية فجعل يقول: ويحك يا أحمد أجبني، فجعلوا يقبلون علي ويقولون: يا أحمد إمامك على رأسك قائم، وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟! وجعل المعتصم يقول: ويحك أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله، [أو سنة رسوله حتى أقول به] (^٦٢) فرجع وقال للجلادين: تقدموا، فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين. [١٠ ب] ويتنحى، وفي خلال ذلك يقول: شد قطع الله يدك، قال أبي: فذهب عقلي فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أطلقت عني فقال رجل ممن حضر: إنا كببناك على وجهك وطرحناك على ظهرك ودسناك. قال أبي: فما شعرت بذلك. فأتوني بسويق فقالوا لي اشرب وتقيأ فقلت: لا أفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحق بن إبراهيم فحضرت صلاة الظهر فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك، فقلت قد صلى عمر وجرحه يثغب دما قال صالح: ثم خلي عنه. فصار إلى منزله وكان مكثه في السجن منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرًا. ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه قال: يا بن أخي رحمة الله على أبي عبد الله، والله ما رأيت أحدًا يشبهه، ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام يا أبا عبد الله أنت صائم وأنت في موضع تقية ولقد عطش فقال لصاحب الشراب ناولني فناوله قدحًا فيه ماء وثلج فأخذه ونظر إليه هنيئة ثم رده ولم يشرب فجعلت
_________________
(١) المناقب ٣٢٨.
[ ٥٠ ]
أعجب من صبره على الجوع والعطش وهو فيما هو فيه من الهول. قال صالح: كنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعامًا أو رغيفًا في تلك الأيام فلم أقدر، وأخبرني رجل حضره أنه تفقده في هذه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه فما لحن في كلمة وما ظننت أن أحدًا يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه، وروى (^٦٣) أنه لما ضرب سوطًا قال: بسم الله، فما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما ضرب الرابع قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾. فضربه تسعة وعشرين سوطًا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته فرمى [أحمد] بطرفه إلى السماء فحرك شفتيه فما كان بأسرع من ثبوت السراويل على حالته لم يتزحزح، قال الراوي: فدخلت على أحمد بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبد الله رأيتك وقد انحل سراويلك فرفعت طرفك نحو السماء فثبت ما الذي قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش، إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك بي سترًا. وفي رواية: لما أقبل الدم من أكتافه انقطع خيط السراويل ونزل رفع طرفه نحو السماء فعاد من لحظه فسئل أحمد فقال: قلت: إلهي وسيدي وقفتني هذا الموقف فلا تهتكني على رؤوس الخلائق. وروي أنه كان كلما ضرب سوطًا أبرأ ذمّة المعتصم فسئل فقال: [١١ آ] كرهت أن آتي يوم القيامة فيقال: هذا غريم ابن عم النبي -ﷺ- أو رجل من أهل بيت النبي -ﷺ-.
* * *
فهذا مختصر من حال سيدنا الإمام أحمد في المحنة، ولنقتصر هنا على هذه النبذة من مناقب هذا الإمام وفضائل هذا الهمام، فإن ترجمته أفردها الأئمة
_________________
(١) المناقب ٣٣١.
[ ٥١ ]
الحفاظ بالتأليف وسلكوا بها صنوفًا من التصنيف. فرضي الله تعالى عنه ونفعنا والمسلمين ببركاته وبركات علومه في الدنيا والآخرة وحشرنا في زمرته تحت لواء سيد المرسلين إلى الجنان العلية الفاخرة آمين.
ولنبدأ بترجمة العلامة العُلَيْمي (^٦٤) الذي جعلنا كتابنا ذيلًا لكتابه فنقول: