وقد سنح لي أن أقدم قبل الشروع في المقصود سندي بالفقه الحنبلي تبركًا بذكر أساتذته، وتيمنًا بسرد أسماء جهابذته فأقول:
أخذت ولله الحمد فقه السادة الحنابلة ورويته عن شيخي وأستاذي الشيخ الإمام والعالم العامل الهمام فريد العصر ووحيد الدهر شيخِ الإسلام الإمام الصُّوفي العابد الناسك أبي العباس شهابَ الدين أحمد بن عبد الله بن أحمد البعلي (^٤) الأصل والشهرة الدمشقي الحنبلي مفتي السادة الحنابلة بدمشق الشام، وحضرت غالب دروسه الفقهية في حجرته داخل الخانقاه السميساتية (^٥)، وأجازني به وبسائر مروياته ومؤلفاته وتحريراته بعد أن أسمعني المسلسل بالأولية والآخرية، وهو آخذه عن جماعة أئمة منهم: والده عبد الله وجده أحمد المذكوران، وشيخ الإسلام محمد أبو المواهب الحنبلي، وأبو التقى عبد القادر التغلبي الدمشقي مفتي الحنابلة بعد شيخه أبي المواهب ومنهم الفاضل محمد بن عبد الجليل المواهبي، والشيخ مصطفى بن عبد الحق اللبدي، والفقيه عواد بن عبيد الكوري الحنبلي نزيلُ دمشق، قال: من الثلاثة الأخيرون والأول وهم المواهي واللبدي والكوري والبعلي أخذنا الفقه وتفقهنا على الشيخ أبي المواهب
_________________
(١) أورد المؤلف ترجمته في هذا الكتاب في الطبقة الثانية عشرة.
(٢) السميساتية: أو السميساطية نسبة إلى أبي القاسم علي بن محمد السميساطي وهي أمام طريق باب الجامع الأموي الشمالي [الدارس ٢/ ١٥١ - ثمار المقاصد ٢٢٦].
[ ٢٦ ]
والشيخ عبد القادر، زاد الأول فقال: وعن والدي الشهاب أحمد وأخذ الشيخ عبد القادر التغلبي عن أبي المواهب، وتفقه كل من الشيخ أبي المواهب والشيخ عبد القادر التغلبي والشهاب أحمد على الشيخ الإمام عبد الباقي بن عبد الباقي مفتي الحنابلة بدمشق والد أبي المواهب، وعلى قدوة الحنابلة في زمانه علمًا وعملًا أبي عبد الله محمد بن بدر الدين البلباني الدمشقي الصالحي وهما تفقها بالشيخ الإمام شيخ الإسلام الشهاب أحمد بن علي الوفائي المفلحي [٣ - ب]، وهو عن العلامة شرف الدين موسى بن أحمد بن موسى بن سالم الحجاوي صاحب (الإقناع) والقاضي برهان الدين إبراهيم بن مفلح، وتفقه كل من الحجاوي والبرهان على والد البرهان، هو الإمام نجم الدين بن مفلح، زاد الأول فقال: وعلى الشهاب أحمد بن أحمد بن أحمد الشويكي الصالحي، قال الشويكي: أخذت الفقه عن العلامة شهاب الدين أحمد بن عبد الله العُكري بضم العين المقدسي ثم الصالحي وتفقه العُكري بشيخ الإسلام مصحح المذهب ومقرب المأرب القاضي علاء الدين علي بن سليمان المرداوي المقدسي، وهو تفقه بالعلامة تقي الدين أبي بكر بن إبراهيم بن قندس البعلي، وهو تفقه بالشيخ العلامة علي بن محمد بن عباس البعلي المشهور بابن اللحام صاحب القواعد الأصولية، وتفقه ابن اللحام بالشيخ الإمام الحافظ المحقق زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي صاحب الطبقات، وهو تفقه بعلامة الدنيا على الإطلاق شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيّوب الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية، وهو تفقه بشيخ الإسلام بحر العلوم المحقق المدقق أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية الدمشقي.
(ح) وتفقه القاضي نجم الدين بن مفلح بوالده القاضي برهان الدين صاحب الفروع، وهو عن جده شرف الدين عبد الله بن مفلح والشيخ تقي
[ ٢٧ ]
الدين بن تيمية. زاد الشرف بن مفلح فقال: وعن جدي قاضي القضاة جمال الدين المرداوي عن التقي سليمان بن حمزة، وهو عن الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وهو عن عمه الشيخ موفق الدين بن قدامة.
(ح) وتفقه التقي بن تيمية على كل من شيخي الإسلام عبد الحليم وقاضي القضاة شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، وتفقه الأول منهما بوالده شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية الحراني وهو تفقه بجماعة منهم الفخر اسماعيل البغدادي وأبو بكر بن الحلاوي، وتفقه الثاني بعمه الولي الكامل العارف شيخ الإسلام الشيخ موفق الدين بن قدامة العمري الجَمَّاعيلي جد الفقير مؤلف هذا الكتاب، وتفقه كل من الموفق بن قدامة والفخر إسماعيل وابن الحلاوي بقطب المذهبين عريق النسبين الإمام الرباني والعارف الصمداني سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره العزيز، وبناصح الإسلام أبي النصح ابن المنى الذي قال في حقه الشيخ الإمام ناصح الإسلام ابن المنيل: فقهاء الحنابالة اليوم في سائر البلاد يرجعون إليه وإلى أصحابه، قال العلامة ابن رجب قلت: وإلى يومنا هذا الأمر على ذلك فإن أهل زماننا إنما يرجعون في الفقه من جهة [٤ - آ] الشيوخ والكتب إلى الشيخين موفق الدين المقدسي ومجد الدين بن تيمية الحراني. فأما الموفق فهو تلميذ ابن المنى، وأما ابن تيمية فهو تلميذ الحلاوي. زاد الموفق فقال: وأخذت الفقه عن الإمام الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، وتفقه كل من الأستاذ عبد القادر الكيلاني والحافظ عبد الرحمن بن الجوزي والإمام ناصح الإسلام ابن المنى بكل من الإمام أبي الوفا علي بن عقيل والإمام أبي الخطاب محفوظ الكلوذاني، والإمام أبي بكر بن الدينوري وغيرهم، وتفقه كلٌّ من هؤلاء الثلاثة بشيخ الإسلام القاضي أبي يعلى، وهو تفقه بشيخ الإسلام أبي
[ ٢٨ ]
عبد الله بن حامد، وهو تفقه بالإمام أبي بكر عبد العزيز المعروف بغلام الخلّال، وهو تفقه بشيخه أبي بكر الخلّال، وهو تفقه بالإمام أبي بكر المروزي، وهو تفقه بالإمام الأعظم والهمام المقدم العالم الرباني والهيكل الصمداني أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، وهو تفقه بجماعة منم: سفيان بن عيينة والإمام الأعظم أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أبي يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة، وتفقه ابن عيينة بجماعة منم: عمرو بن دينار، عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن أبويهما، وهما عن سيد الخلائق أجمعين ورسول رب العالمين، وقائد الغرّ المحجَّلين أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم -ﷺ-، وهو عن أمين الوحي جبريل وهو عمن ليس كمثله شيء رب العالمين ﵎.
* * * * * *
ولي في الفقه سند آخر فأقول: أجازني مكتبة من مدينة نابلس الشيخ الإمام العلامة الفهامة محمد بن أحمد السفاريني النابلسي الحنبلي بالفقه الشريف وبسائر ما يجوز له روايته باستدعاء بعض الفضلاء، والسفاريني أخذ الفقه دراية ورواية عن خاتمة الحنابلة بدمشق صدر الإسلام عبد القادر بن عمر التغلبي الشيباني الدمشقي، وهو أخذ الفقه عن العلامة تقي الدين عبد الباقي بن عبد الباقي مفتي السادة الحنابلة بدمشق وهو أخذه عن الإمام أبي اليمن عبد الرحمن البهوتي المصري، وهو عن الإمام تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي، عن والده العلامة الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز الفتوحي الشهير بابن النجار، وهو عن العلامة أبي حامد شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد الشيشيني القاهري قاضي القضاة بالديار المصرية، عن القاضي نصر الله بن أحمد الكناني القاهري، عن المجال عبد الله ابن [٤ - ب]
[ ٢٩ ]
القاضي علاء الدين علي الكناني، عن العلامة أبي الحسين علي بن محمد الفرضي الدمشقي، عن الفخر علي بن أحمد بن البخاري الدمشقي الصالحي، عن محمد الرصافي الكبر، عن أبي القاسم هبة الله بن الحسين، عن التميمي الواعظ عن الإمام أبي جعفر القطيعي عن الإمام الكبير عبد الله بن سيدنا الامام أحمد بن حنبل الشيباني، عن أبيه ناصر السنة وقامع البدعة أحمد بن حنبل عن الإمام سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سيدنا عبد الله عن عمر وسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن والديهما عن سيد الخلائق وجمال المذاهب والطرائق أَوّلِ خلق الله وخاتمِ أنبياء الله، محمدِ بن عبد الله ذي الفضل الكثير الكبير بلا ارتياب ولا اشتباه -ﷺ- وعلى آله وأصحابه الكرام البررة الثقات، وسيدنا رسول الله -ﷺ- تلقى ذلك عن أمين الوحي جبريل، وهو عن رب العالين وخالق الخلائق أجمعين جلّت أسماؤه وتباركت صفاته التي ظهرت بها أرضه وسماؤه.
هذا ولنا شيوخ آخرون من السادة الحنابلة، لهم أسانيد عالية، وروايات غالية، وفيما ذكرناه كفاية، لأولي الدراية والرواية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وعليه لا على غيره قصد السبيل، ولنشرع في ترجمة الامام الكبير (^٦) صاحب المقام الخطير، وذكر بعض مناقبه التي انطوى عليها تبركًا
_________________
(١) للتوسع في ترجمة الإمام أحمد أنظر تاريخ بغداد ٤/ ٤١٢ وفيات الأعيان ١/ ٢٠ طبقات الحنابلة ٣ - ١١ حلة الأولياء ٩/ ١٦١ تذكرة الحفاظ ٢/ ١٧ تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١١٠ تهذيب التهذيب ١/ ٧٢ البداية والنهاية ١٠/ ٣٢٥ شذرات الذهب ٢/ ٦٩ مرآة الجنان ٢/ ١٣٢ المجددون في الإسلام ١٣٨ معجم الؤلفين ٢/ ٩٦، مناقب الامام أحمد بن حنبل لابن الجوزي، ابن حنبل حياته وعصره لمحمد أبو زهرة. وفي المخطوطات التالية: تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر وسير أعلام النبلاء ٨/ ٤٥ عيون التواريخ ٦/ ١٣٩
[ ٣٠ ]
بذكرها، فإن عند ذكر الأولياء تنزل الرحمة، وتنكشف الغُمّة، فنقول معتمدين في النقل على ما ذكره الأئمة الفحول: