محمد الشيخ الإمام العلَّامة شمس الدين القاهري المعروف بالفارضي الشاعر المشهور، الذي لم تسمح بمثله الدهور، شيخ أهل الأدب ومن أتته الرقة والرشاقة في شعره، ينسلون إليه من كلّ حدب، مركز الفصاحة والبلاغة وأحد الأفراد في جودة السبك للمعاني والصياغة، فهو في هذا الشأن المضاهي لقسّ وسحبان، والشار إليه بالبنان ترجمه الحافظ العارف نجم الدين الغزي في الكواكب فقال: أخذ عن جماعة من عماء مصر واجتمع بشيخ الإسلام الوالد
_________________
(١) ترجمته في الكواكب السائرة ٣/ ٨٣، وشذرات الذهب ٨/ ٣٩٣. ومختصر طبقات الحنابلة ٨٨.
[ ١٤٢ ]
(يعني البدر) حين كان بالقاهرة سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة وكان بدينا سمينا فقال الوالد يداعبه:
الفارضي الحنبلي الرضي … في النحو والشعر عظيم (^٤) المثيل
قيل ومع ذا فهو ذو خفة … فقلت كلّا بل رزين ثقيل
واستشهد الشيخ شمس الدين العلقمي بكلامه في شرح الجامع الصغير من ذلك قوله في معنى ما رواه الدينوري في المجالسة والسلفي في بعض تخاريجه عن سفيان الثوري قال: أوحى الله إلى موسى ﵇ (لأن تدخل يدك إلى المنكبين في فم التنين خير من أن ترفها إلى ذي نعمة قد عالج الفقر).
إدخالكَ اليدَ في التنِّين توصلها … لِمِرْفَقٍ منكَ مستعلٍ (^٥) فيقطمها (^٦)
خيرٌ من المرءَ يُرجى في الغنى ولهُ … خصاصةٌ سبقتْ قد كان يسنحها
ومن بدائع شعره:
إذا ما رأيت الله للكلِّ فاعلًا … رأيتَ جميعَ الكائناتِ مِلاحا
وإنْ لا ترى إلا مضاهيَ صنعِهِ … حجبت فصيرت المساءَ صباحا
ومن محاسنه أنّه صلى شخص إلى جانبه ذات يوم فخفف جدًا فنهاه فقال: أنا حنفي فقال الفارضي:
معاشر النَّاسِ جمعًا حسبما رسمَتْ … أهل الهدى والحجِى من كلِّ من نَبُها
ما حرّم العَلمُ النُّعمان في سَنَدٍ … يومًا طُمَأْنينةً أصلًا ولا كَرِها
وكونُها عندَه ليستْ بواجبةٍ … لا يُوجِبُ التركَ فيما قرّر الفُقها
_________________
(١) كذا في الأصل والكواكب وفي الشذرات (عديم).
(٢) كذا في الأصل وفي الكواكب والشذرات (مستعدٍ) ولعلها أصوب.
(٣) كذا في الأصل وفي الكواكب والشذرات (يقضمها).
[ ١٤٣ ]
فيا مُصِرًّا على تفويتها أبدًا … عُدْو انتبه رحمَ الله الذي انتبها
قال العلامة النجم: واجتمع به شيخنا القاضي محبّ الدين الحموي الحنفي بالقاهرة حين كان بها، صحبةَ محمد أفندي بن محمد بن إلياس المعروف بجوي زادة، وذكره في رحلته. وأخبرنا أنّ الفارضي كتب إليه وهو قاضٍ [بفوه] (^٧) يوصيه بأناس من أهاليها يعرفون بأولاد السعد ما صورته: (مولانا حرسه الله وحماه وأكسبه قوّة [بفوّه] (^٨) كما شرّف به حمص وحماة. معروض الفقير: أن أولاد السعد لَهُمْ خبر مطوَّل وليس إلا على فَضْل مولانا فيه المعوّل. ملَخّصه أو مختصره: وقفية ادّعى شخص بيعها وأنه احتج بملك ريعها، والمسألة متعلقة بأيتام ومولانا حسنة هذه الأيام، فمولانا لا يخلّيهم من العناية أدام الله له الرعاية، ولا يخفى الحث على إكرام اليتيم وقد جاء ذلك في الذكر الحكيم. وبقيتم في عافية وهمة كافية شافية). وأخبرنا شيخنا أيضًا أن بعض طلبة العلم سأل الشيخ الفارضي أن ينظم له ترتيب التوابع فنظمها في في بيت جامع وهو:
إذا اجتمعت فالنعتُ قدم به اعتلق … بيانٌ وتوكيدٌ وجاء بدل نسق
قال شيخنا يعني القاضي محب الدين ونظمها الفقير في ذلك الحال في بيتين فقال:
إذا اجتمعت يومًا لديك توابعٌ … ورُمْتَ لها الترتيبَ في ذلك النسَقْ
فنعتٌ بيانٌ ثم توكيد بعدَهُ … إلى بدلٍ ثم اختِمِ الكلَّ بالنسقْ
وأنشدني الشيخ العلامة الفقيه شمس الدين محمد المقدسي العلمي مدرس
_________________
(١) الزيادة من الكواكب. وجاء في هامش الكواكب ما يلي: في الأصل بفيّوم وقد ضرب على الكلمة وكتبت في الهامش: "بفوّه".
(٢) الزيادة من الكواكب.
[ ١٤٤ ]
القصّاعية (^٩) بدمشق قال أنشدنا الشيخ (^١٠) العلامة الشاعر المجيد محمد الفارضي المصري الحنبليّ لنفسه وذكر أنّ القاضي البيضاوي خطّأ من أدغم الراء في اللام ونسبه إلى أبي عمرو:
أنكرَ بعضُ الورى على مَنْ … يُدغمُ (^١١) في الّلام عنه راءُ
ولا نخطّي أبا شعيبٍ … والحق (^١٢) يغفرُ لِمَنْ يشاءُ
وأنشدني عنه أنه أنشده لنفسه:
اجرر محلًا وانصِبن وارفعْ نا … في ربنا مع أننا سمعنا
وأنشدني شيخنا المحبُّ الحنفي رحمَه الله تعالى قال: أنشدنا الفارضي الشاعر لنفسه:
ألا خذ حكمةً منِّي … وخلِّ القيلَ والقالا
فساد الدِّين والدُّنيا … قبولُ الحاكمِ المالا
وأنشدنا شيخنا [٣٥ - أ] المشار إليه إلى الفارضي قال يرثي الشيخ مغوش التونسي المغربي حين مات بمصر:
تقَضَّى التونسيُّ فقلتُ بيتًا … يُروِّحُ كلَّ ذي شجنٍ ويونسْ
أتوحشنا وتونسُ بطن لحدٍ … ولكن مثلي ما أوحشت تونسْ
_________________
(١) القصاعية: [في محلة الخضيرية جنوب سوق مدحت باشا اليوم] بحارة القصاعية أنشأتها خطبلس خاتون بنت ككجا سنة ٥٩٣ - … [الدارس ١/ ٥٦٥].
(٢) في الكواكب: شيخنا.
(٣) في الشذرات: تدغم.
(٤) في الشذرات: والله.
[ ١٤٥ ]
قلتْ (^١٣): وقفت لصاحب الترجمة على هذه القصيدة القصورة مادحًا بها المرحوم المولى أبا السعود أفندي مفتي الروم:
١ - اقصد إذا خفت كلالًا ووجى … بعيسجور ألفت جذب البرى
٢ - وسر بها الوخذَ إذا علّلتها … أو الذميل ما تحريت الوحا
٣ - عِدْها ظلالًا بشعاب المنحنى … ورِدْ بها الماء نميرًا بالنقا
٤ - خض في طلاب المجد كلّ مكره … ولو تجرعت لهُ مرَّ الحسا
٥ - إنّ قصارى الحزم حمدٌ أو غنى … وقيل جُدّوا تحمدوا غِبَّ السرى
٦ - من طلب العلياء أشفى دونها … وعَدَّ مرَّ الصابِ أحلى مُجتنى
٧ - من قعد الجبنَ وآثرَ الثوى … بجانبِ المجدِ فقد [] (^١٤) الأسى
٨ - فلا يهولنك بنقع بتك … إن لحن يورثن المنايا في الشفا
٩ - يا رُبَّ خُبثٍ جبته في حالكٍ … بمشخرٍّ دون مرماه الحمى
١٠ - يمورُ مورًا كظليمٍ نامرٍ … أهوج [] (١٦) القوى عبل الشوى
١١ - يطفو كما المشجونُ هب زعزعٌ … به فطارَ فوقه إذا طما
١٢ - إذا هوى من حدب إلى هوي … يخاله خرير سيل من ربا
١٣ - فلو جرى وهو جواد ما كبا … ولو فرى وهو حسام ما نبا
١٤ - أنخسته في الجنب محرور المطا … والمعط قد أجهدها فرط الطوى (^١٥)
١٥ - ثم انبرى يخب في حرز وما … تمزقت بعد سراويل الدجى
١٦ - أغذ بي في ذات سِدرٍ وغضى … موحشةٍ أنيسُها ذئبٌ عوى
١٧ - أطلبُ نجدًا وبنجدٍ شجني … مهاجرًا من الهوى إلى الهوى
١٨ - لله حين سمحَ الدهرُ به … في داره تمّ بها ثمَّ المنى
_________________
(١) جاء ما بعدها مستدركا في هامش الورقة ٤٠.
(٢) فراغ في الأصل.
(٣) ما بعدها جاء في هامش الورقة ٣٤ ب.
[ ١٤٦ ]
١٩ - كنتُ بها لم أخشَ بينًا آمنًا … أرفل بين الأخشبين فمنى
٢٠ - معالم خلستُ فيها لذةً … واستُلبتْ قسرًا بايجاب النوى
٢١ - بها وفودي فاحم قُمت فلا … أسلو وللشيب برأسي مختطى
٢٢ - ومن تكن عذرته صبوته … فهو قنيصُ الحب مأسورُ الهوى
٢٣ - لم يثنه العذل، ولا يعطفُهُ … طولُ النوى ولا تداويه الدُّمى
٢٤ - أقصرْ أخا الّلوم ملامًا أو أَطلْ … صبّ صبا لا يلتوي عن اللوى
٢٥ - لو جرع الصابَ كؤوسًا ماسلا … فاقطع رجاءً وقلِ انقدّ السلا
٢٦ - لا يطيبه دون سلع مربعٌ … ولم يرقّ للبقا إلا النقا
٢٧ - يا ليت شعري والرجال مطمع … هل تترامى أحدٌ بي في السرا
٢٨ - إن تختبرها في غدوٍ فالخفا … أو ترتقبها في رواح فالقطا
٢٩ - من ضمُر شارفَ رضوى غدوة … وبتن بالوفد ثبيرًا وحرى
٣٠ - سقى هضابًا بالعقيق واللوى … من برد صَيِّبٍ كصافي بردى
٣١ - حتى ترى غدرانها مفعمةً … وتنبتُ المرداء شيحًا وكبا
٣٢ - من هُمْ له بصُدّا مستوى … كأنما سيْط بنعماء الحجا
٣٣ - خاتمةُ الفرد الحسيب محتدا … أبو السعود الرحلة السَّامي العُلا
٣٤ - من بأسه لمن عدا وجاهه … بمن رعى وجوده لمن عرا
٣٥ - كهفٌ له العافون تأتي زمرا … في القيظ والمشتاة يدعو الجفلى
٣٦ - يهوى السخا متهمًا أو منجدًا … فكلُّ حيٍّ فيه أرسى يعتفى
٣٧ - هو الخضمُّ طاب عِلمًا وندى … فقل لمن فاخرَة أطرق كرا
٣٨ - ليقصروا فإنني عن جمعهمْ … أجلّه قاطبةً وكيف لا
٣٩ - في مرتقى العلياءِ خيرُ مرتضى … ومبتغى الهيجاءِ سيفٌ منتضى
٤٠ - معتمدٌ يومَ الهدى ووابلٌ … يومَ الندى وجحفلٌ يومَ الوغى
٤١ - فإنْ أفادَ أسبلت مزنُ الحيا … وإن أبادَ أشبلت أسدُ الشرى
[ ١٤٧ ]
٤٢ - فما تحدى خصمه إلّا وهى … وما تصدى ضدُّه إلا هوى
٤٣ - ضلّ مشانيه فقد باد وما … قيل له يوم عثار: دعدعا
٤٤ - عده الإخا وعدّهُ النأي ودع … شأن العدا فلا دواءَ للعدى
٤٥ - محضته بالغيب ودًّا خالصًا … كأنما صاحبني قبلُ بلى
٤٦ - تسلسل المدح له والبذلُ لي … بدورَ رُشدٍ فكلانا ما غوى
٤٧ - ما جهد ما أهديه لو ألّفت في … ثناه أفراد النجوم تجتلى
٤٨ - كهفُ القِرى بالروم كنزُ الفقرا … أبو المساكينِ سلامٌ للقرى
٤٩ - دام عمادًا وافر الآلاء ما … سبّحَ للهِ بجرعاء الحصى
٥٠ - ورُبّ غيداء رخيمٌ دلها … زُفّتْ إلى علياه تمشي الخيزلى
٥١ - مصرية طابت حجازًا فسعت … في رَمَلٍ قَبُولها أقصى المنى
٥٢ - غبطتها إذ أدلجت واعتاقني الـ … حظ ولكن عارضَ اليأسُ الرجا
٥٣ - ما أقدر الله وإن شطّت قصى … يدني كلمح الطرف سيبًا من كدا
٥٤ - وقد بعثت هذه مع شاغلٍ … باسطةَ العذر لها وللفتى
٥٥ - من خُرَّدٍ يأبيْنَ بعلًا غيرَهُ … فهو لهنَّ مستجادٌ مُنتقى
٥٦ - ينصفُها الحرُّ إذا شامَ لها … من العُلا بارقةً والعبدُ لا
٥٧ - لو برزت لابن دريدٍ سالفًا … لا ستلبت منه الحجى وما درى
٥٨ - يا شعرها قد نيط بالشعرى علا … فانحطّ في سافله أبو العلا
٥٩ - خاضوا بحارًا من قريض خضتها … ولم يخوضوا قسطلًا يوم الوغى