محمد بن خليل، الشيخ الزاهد العابد المعتقد المربي شمس الدين الشهير بابن قيصر القبيباتي الدمشقي الصوفي، قدوة العباد، ورئيس العبّاد [٣٢ - آ] وأحد الأفراد، وأحد الأئمة الأمجاد، صحب سيدي علي بن ميمون وتلميذه سيدي محمد بن عراق واجتمع بأكابر ذلك العصر وعمائه كالتَقَوي ابن قاضي عجلون وتوجه إلى بلاد الروم فاجتمع بحماة بالشيخ بالعارف علوان المحوي وابن عبدو وحصل له بالروم غاية الإكرام والتعظيم من إبراهيم باشا الوزير
_________________
(١) لم نعثر له على ترجمة.
(٢) انظر ترجمته في الكواكب ٣/ ٥٨. والشذرات ٨/ ٣٧٩. ومختصر طبقات الحنابلة ٨٦.
[ ١٣٣ ]
وأعيان الدّولة وقضاة العساكر ثم رجع إلى دمشق، وانجمع عن الناس. وكان يقيم الذكر بعد صلاة الجمعة بالمشهد الشرقي داخل الجامع الأموي تحت المنارة الشرقية بحيث عرف المشهد به ثم يركب حماره ويذهب إلى منزله بالقُبيبات فلا يخرج منه إلى يوم الجمعة القابلة وكان نائب الشام عيسى باشا يحبه ويتردد إلى زيارته، وكذلك الأمراء والقضاة، وللناس فيه اعتقاد تام. وكان متقللًا من العيش، قانعًا في الدنيا، يؤثر لبس القطن الأبيض. وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان بالجامع الأموي في المشهد المذكور، وكان يحضر ختم الشيخ الطيبي كلّ سنة. قال الشمس ابن طولون في تاريخه (^٣٥): وفي سنة سبع وثلاثين وتسعمائة سألني الشيخ محمد بن قيصر القبيباتي الحنبلي في عمل شرح على أبيات ثلاثة نظمها في عقيدته وهي:
في الله أعتقدُ الذي قد قالَهُ … عن نفسِهِ وكذا الذي قال الرُسُلْ
عنهُ بغيرِ تأوُّلٍ في ذاتِهِ … وصفاته أو كلّ فعلٍ قد فعلْ
فهوَ الإله الفردُ ليسَ كمثلِهِ … شيءٌ سواه وغيرَ هذا لْمْ أَقلْ
قال النجم الغزي قدس الله سره: قلت: ووقفت على شرح ابن طولون على هذه الأبيات في تعاليقه بخطه: والإيمان بما جاء في الكتاب، والأخبار من الصفات من غير تأويل مذهب السلف، وهو أسلم من مذهب التأويل وهو مذهب الخلف. ورأيت بخط بعض العماء الفضلاء لابن قيصر المذكور:
قنعتُ من الدنيا بأيسرِ بُلغَةٍ … وثوبٍ يواريني وزوجة واحده (^٣٦)
وذلك يكفينيْ من الكون كلِّهِ … وما زاد عن هذا فما فيه فائده
_________________
(١) هو كتاب مفاكهة الخلان.
(٢) كذا في الأصل ولا يستقيم الوزن ولعل الصواب: (وزوجي واحدة).
[ ١٣٤ ]
انتهى كلام النجم ورأيت في المعنى للإمام الشافعي ﵁:
العبد حر إن قَنِع … والحر عبد إن قَنَع (^٣٧)
فاقنع ولا تقنع فما … شيءٍ أذلُ من الطمع
وللعارف بالله حسين الحلاج البغددي:
خذ القناعة من دنياكَ وارضَ بها … وخذْ لنفسِكَ منها راحةَ البدنِ
قولوا لمن ملك الدنيا بأجمعها … هل راح منها بغير القطنِ والكفنِ؟!
ورأيت بخط المرحوم عبد الباقي الحنبلي مفتي الحنابلة بدمشق لبعضهم في معنى ذلك:
يا طالبا صفو عيش كله كدر … أفنيت عمرك أيَّ الشيء تنتظرُ
حملتَ ثقلَ ذنوبٍ لو تحمَّلَها … صمُّ الشواهق لم يُعرف لها أثرُ
فحذِّر النفس قبل الموت وازجُرها … عن المعاصي عسى أن ينفع الحذر
[وقال بعضهم في المعنى] (^٣٨):
المال بعدك للوُرَّاث تجمعه … بعد انصرافك من دار إلى دارِ
وطولَ عمرك مشغولٌ أخا سفرٍ … تحت المشقة في عسر وإيسارِ
حتى إذا صارت الأموال وافرةً … وأنت تُتبعُ أسفارًا بأسفارِ
_________________
(١) قَنَعَ أي ذلّ للسؤال (اللسان).
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من الهامش الذي كتبه الشيخ عبد السلام الشطي الحنبلي ثم قال: عجيب من المؤلف ﵀ كيف ذكر هذه الأبيات في نسق واحد مع أن الثلاثة أبيات لا تناسب قافية الخمسة الباقيات فالأولى فصلها كما حررنا. انتهى كتبه عبد السلام الشطي الحنبلي لطف الله به في ٦ شعبان ١٢٩٤.
[ ١٣٥ ]
صارت لغيرك قبل الصبح كاملةً … وقد أتوك بحمّال وحفّارِ
فلا تغرنّك الدنيا وزينتُها … وانظر إلى فعلها بالأهل والجارِ
ورأيت لجدي والد والدي شيخ الإسلام شمس الدين محمد أبي المعالي الغزي العامري قدس الله سره هذا البيت المفرد وهو:
اقنع برزقك غيرَ طالبِ كثرةٍ … فالحِلُّ يَقْطُر والحرامُ يسيلُ
وكانت وفاة صاحب الترجمة في سنة خمس وسبعين وتسعمائة بمنزله بالقبيبات (^٣٩) وكثر تأسف الناس عليه، وازدحموا على حمل تابوته وترجمه الحافظ النجم الغزي العامري قدس الله سره في الكواكب والشيخ عبد الحي العكري في الشذرات ولم يوف المترجم حق الترجمة رحمهم الله تعالى.