قلت: وألف مسنده المشهور وهو أصل من أصول هذه الأمة، قال الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني ﵁: هذا الكتاب: -يعني مسند الإمام أحمد بن حنبل قدس الله روحه- أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث انتقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجُعل إمامًا ومعتمدًا، وعند التنازع ملجأ ومستندًا، وقال الإمام أحمد (^٣٢) ﵁ لابن أخيه حنبل وابنيه صالح وعبد الله: إن هذا الكتاب -يعني مسنده- قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفًا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله -ﷺ- فارجعوا إليه، فإن كان فيه، وإلا فليس بحجة. وقال عبد الله بن أحمد رحمهما الله: كتب أبي عشرة آلاف ألف حديث لم يكتب سوادًا في بياض إلا حفظه، وقال عبد الله أيضًا: قلت لأبي: لم كرهت وضع الكتب وقد عملت المسند؟ فقال: عملت هذا الكتاب إمامًا إذا
_________________
(١) تاريخ بغداد ج ٤ ص ٤١٢.
(٢) مناقب الإمام أحمد ١٩١.
[ ٣٥ ]
اختلف الناس في سنة رسول الله -ﷺ-[٦ آ] رجع إليه. وقال أيضًا: أخرج أبي المسند من سبعمائة ألف حديثا. قال أبو موسى المديني: ولم يُخرّج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طعن في أمانته، ثم ذكر بإسناده إلى عبد الله ابن الإمام أحمد رحمة الله عليهما قال: سألت أبي عن عبد العزيز بن أبان، فقال: لم أُخَرّج عنه في المسند شيئًا، لمّا حدث بحديث المواقيت تركته. قال أبو موسى: فأما عدد أحاديث المسند فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفًا إلى أن قرأت على أبي منصور بن زريق ببغداد قال: أنبأنا أبو بكر الخطيب (^٣٣) قال: وقال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أروى عن أبيه منه يعني عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل لأنه سمع المسند وهو ثلاثون ألفًا والتفسير وهو مائة ألف وعشرون ألفًا، سمع منها ثلاثين (^٣٤) ألفًا والباقي وِجادة (^٣٥)، فلا أدري هذا الذي ذكر ابن المنادي أراد به ما لا يكرر فيه، أو أراد غيره مع المكرر، فيصح القولان جميعًا والاعتماد على قول ابن المنادي دون غيره قال: ولو وجدنا فراغًا لعددناه إن شاء الله، فأما عدد الصحابة ﵃ فيه فنحو من سبعمائة رجل.
وذكر الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (^٣٦) بسنده إلى سفيان بن وكيع أنه قال: أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد عندنا فهو فاسق، وقال الخطيب
_________________
(١) تاريخ بغداد ٩/ ٣٧٥.
(٢) في تاريخ بغداد: ثمانين.
(٣) الوجادة: هي إحدى طرق التلقي وذلك بأن يقف الراوي على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها بخطه ولم يلقه أو لقيه ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه ولا له منه إجازة ولا نحوها فله أن يقول: وجدت بخط فلان أو قرأت بخط فلان … [علوم الحديث لابن الصلاح ١٥٧، ١٥٨].
(٤) تاريخ بغداد ٤/ ٤٢٠.
[ ٣٦ ]
أيضًا: حدثني الحسن بن أبي طالب، ثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، ثنا محمد بن علي المقرئ قال: أنشدنا أبو جعفر محمد بن بَديْنا الموصلي قال: أنشدني ابن أعين في الإمام أحمد بن حنبل ﵁:
أضحى ابنُ حنبلَ محنةً مأمونةً … وبحبِّ أحمدَ يُعرف المتنسِّك
وإذا رأيتَ لأحمدٍ متنقِّصًا … فاعلم بأنَّ ستورَة سَتُهَتَّكُ
وروى كلام سفيان بن وكيع وهذين البيتين الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر.