وَفِي سنة إِحْدَى وَخمسين توفّي الْوَلِيّ الصَّالح الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ الْحلَبِي تلميذ الشَّيْخ أَبُو بكر العبيدروس أَبَا أَحْمد آباد وَكَانَ قد تحكم للشَّيْخ العيدروس الْمَذْكُور وَأخذ عَنهُ وَتخرج بِهِ وأختص بنظره وَمكث فِي ملازمته نَحوا من عشْرين سنة ثمَّ أمره بِالدُّخُولِ إِلَى اهند والاقامة بهَا فَدَخلَهَا وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كَثِيرُونَ وأنتفع بِهِ خلائق لَا تحصى وَكَانَ قبل دُخُوله فِي ذها الطَّرِيق من أَعْيَان التُّجَّار فآثر زِيّ الفققر وَترك مَا كَانَ عَلَيْهِ من أَسبَاب التجراة وَكَانَ حسن الْخط
وَحكي أَنه كَانَ بِمَكَّة وَكَانَ يعاني تعلم الْخط فَلَقِيَهُ بجل بالمسعى وَقَالَ لَهُ أذهب فقد أعطيناك الْخط والحظ قَالَ فَلَمَّا لقِيت الشَّيْخ أَبَا بكر وتلمذت لَهُ قَالَ أَتَذكر مَا قَالَ لَك ذَلِك الشَّخْص وَتَدْرِي من هُوَ وَمَا عناه بذلك ثمَّ قَالَ الشَّيْخ هوالشيخ أَبُو الْعَبَّاس الْخضر وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ من الْحَظ فَهُوَ نَحن نفع الله بهم
وفيهَا فِي يَوْم السبت ثامن شهر ربيع الأول توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الفروعي جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر أَبَا قضام أَبُو محزمه يجْتَمع مَعَ الْفَقِيه الْعَلامَة عبد الله بن أَحْمد محزمه فِي الْأَب السَّادِس
ولد ببلدة الهجرين وَنَشَأ بهَا ثمَّ أرتحل إِلَى عدن لطلب الْعلم وَأخذ
[ ٢١٤ ]
عَن أماميها الْفَقِيه عبد الله بن أَحْمد محزمه والفقيه مُحَمَّد بن أَحْمد فضل ثمَّ أرتحل إِلَى زبيد وَأخذ عَن علمائها ثمَّ رَجَعَ إِلَى عدن ولازم الإِمَام عبد الله بن أَحْمد محزمة وَولده شهَاب الدّين أَحْمد وأنتفع بهما وَتخرج عَلَيْهِمَا وَلما أَن وصل الْعَلامَة مُحَمَّد بن الْحُسَيْن القماط قَاضِيا على عدن ثمَّ بعده الْعَلامَة أَحْمد بن عمر المزجد قَاضِيا أَيْضا لَازم كل مِنْهُمَا وَلم يزل مُجْتَهدا حَتَّى فاق أقرانه فِي الْفِقْه وَصَارَ فِي عدن بعد موت الأمامين عبد الله بن أَحْمد محزمه وَمُحَمّد بن أَحْمد فضل هُوَ الإِمَام فِي الْفِقْه الْمشَار إِلَيْهِ والعالم الْمعول عَلَيْهِ وأحتاج النَّاس إِلَى علمه وقصدوه بالفتاوى من النواحي الْبَعِيدَة لكنه قد كَانَ يتساهل فِي الْفَتَاوَى وَيتْرك الْمُرَاجَعَة لَا سِيمَا فِي آواخر عمره فاختلفت أجوبته وتناقضت فَتَاوِيهِ وَكَانَ ذَلِك مِمَّا عيب عَلَيْهِ ثمَّ كَانَ السُّلْطَان عَامر بن دَاوُد وَهُوَ آخر مُلُوك بني طَاهِر بعدن استماله فِي آخر عمره وَأحسن إِلَيْهِ لأغراض فَاسِدَة عزم عَلَيْهَا وَكَانَ إِذا عزم على أَمر فَاسد يتَعَلَّق بِالشَّرْعِ أرسل إِلَيْهِ من يشاوره فِي كتب سُؤال فِي الْقَضِيَّة على أَنه يُجيب عَلَيْهَا فَيُجِيبهُمْ إِلَى ذَلِك وَيكْتب على سؤالاتهم أجوبة توَافق أغراضهم فيتوصلون بهَا إِلَى مفاسد ى تَنْحَصِر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَحكي أَن النَّاس تركُوا فَتَاوِيهِ رَأْسا
وفيهَا مَاتَ شير شاه البتاتن يجمع ذَلِك عدد حُرُوف شير مَاتَ
سمة اثْنَيْنِ وَخمسين بعد التسْعمائَة (٩٥٢) هـ
وَفِي شهر جُمَادَى الآخر سنة اثْنَيْنِ وَخمسين توفّي الشَّيْخ الإِمَام والحبر لهمام الْعَلامَة أَبُو السُّعُود مُحَمَّد بن مصطفى بن عماد الاسكليبي نِسْبَة إِلَى أسكليب قَصَبَة فِي أماسية الرُّومِي الْمَشْهُور قَاضِي السُّلْطَان سُلَيْمَان سُلْطَان الرّوم صَاحب التَّفْسِير قَالَ الأنقشاري فِي تَارِيخ وَفَاته شعر أَمْسَى بجوار ربه ذِي الْحلم مفتي الْإِسْلَام بل سمي الِاسْم
وَالْعلم بَكَى مذ قيل فِي تَارِيخه قد مَاتَ أَبُو السُّعُود مولى الْعلم
وَله فِي اسكيب تَاسِع عشر صفر سنة سِتّ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة ووالدته بنت أخي العللامة مَوْلَانَا عَلَاء الدّين عَليّ القوشجي وَكَانَ وَالِده من أهل الْعلم وَالصَّلَاح كَذَا قيل وتربى صَاحب التَّرْجَمَة فِي حجر وَالِده المرحوم
[ ٢١٥ ]
مرتضعا ثدي الكمالات فِي مهد الْعُلُوم فحفظه وَالِده كتبا مِنْهَا الْمِفْتَاح للسكاكي فامتاز فِي صغره بفصاحة الْعَرَب العرباء وأشتغل بفنون الأداب وَدخل إِلَى الْفَضَائِل من كل بَاب وَأخذ عَن جمَاعَة من عُلَمَاء عصره وأنتهت إِلَيْهِ رئاسة الْفتيا والتدريس وَلما جمع السُّلْطَان سُلَيْمَان ﵀ الْعلمَاء بمجلسه وَأمرهمْ بالمناظرة رجح الْمشَار إِلَيْهِ فِي بَحثه وَتبين فَضله وأستحق التَّقْدِيم وَكَانَ أَهله وَكَانَ قبل ذَلِك قد ولي التدريس فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة ثمَّ ولي قَضَاء بروسا ثمَّ ولي قَضَاء اسطنبول
قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الْمُفْتِي وأجتمعت بِهِ فِي الرحلة الأولى وَهُوَ قَاضِي أسطنبول سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة فرأيته فصيحًا وَفِي الْفَنّ رجيحًا فعجبت لتِلْك الْعَرَبيَّة مِمَّن لم يسْلك ديار الْعَرَب وَلَا محَالة انها منح الرب ثمَّ ولي فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين قَضَاء الْعَسْكَر وَصَارَ يُخَاطب السُّلْطَان فِي الْأَمر وَالنَّهْي ثمَّ فِي سنة إِحْدَى وَخمسين ولي منصب الأفتاء وَكَانَ سلوكه لَا عوج فِيهَا وَلَا أمتى وسمعته يَقُول جَلَست يَوْمًا بعد صَلَاة الصُّبْح أكتب على الأسئلة المجتمعة فَكتبت إِلَى صَلَاة الْعَصْر على ألف وَأَرْبَعمِائَة واثني عشرَة فتيا وَكَانَ لَهُ فِي الْأَلْسِنَة الثَّلَاثَة شعر بديع وَمن قصائده الَّتِي سَارَتْ بهَا الركْبَان قصيدة ميمة غَرِيبَة الشَّأْن وَهِي طَوِيلَة ومطلعها هَذِه الأبيات أبعد سليمي مكطلب ومرام وَغير هَواهَا لوعة وغرام
وَفَوق حماها ملْجأ ومثابة وَدون ذراها موقف ومقام
وهيهات أَن يثني غير بَابهَا عنان المطايا أَو يشد حزَام
هِيَ الْغَايَة القصوى وَإِن فَاتَ نيلها فَكل من الدُّنْيَا عَليّ حرَام
سلوا النَّفس عَنْهَا واطمئن بنأيها سلوا رَضِيع قد عراه فطام
وصب سقَاهُ الرشد سلوان رشده فأمسى وَمَا فِي الْقلب مِنْهُ هيام
صَحا عَن سلاف الغي بعد أنهماكه عَلَيْهِ فبيان الكأس مِنْهُ وجام
محوت نقوش الجاه من لوح خاطري فاضحى كَانَ لم تجر فِيهِ قلام
وَمِنْهَا قد اخلق الْأَيَّام خلعة حسنها فالهم ضحت وديباج إلبها رمام
[ ٢١٦ ]
.. على حِين شيب قد الم بمفرقي وغادرها الشّعْر وَهُوَ ثغام
فَللَّه در الْهم حَيْثُ أمدني بطول حَياتِي فِي الهموم سمام
فسبحان رب الْعَرْش لَيْسَ لملكه تناه وحد مبدا وختام
قَالَ وَلم يزل فِي عزة إِلَى أَن متات رَحمَه الله تَعَالَى واتى نعيه إِلَى الْحرم فَنُوديَ بِالصَّلَاةِ من أَعلَى زَمْزَم وَصلي عَلَيْهِ صَلَاة الْغَائِب ورثاه جمَاعَة من أهل مَكَّة مِنْهُم الإِمَام الْهمام الشَّيْخ رَضِي الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد القازاني الشَّافِعِي بقصيدة ذكرهَا القطب الْحَنَفِيّ وَإِنَّمَا لم نأت بهَا هُنَا طلبا للاختصار