وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة رَابِع شهر صفر سنة اثْنَيْنِ وَتِسْعين توفّي الشَّيْخ الصَّالح الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن الشَّيْخ بدر الدّين العباسي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي باحمد اباد وعمره نَحْو التسعين وَدفن بهَا بتربة الْعَرَب بِالْقربِ من تِلْمِيذه وَصَاحبه الشَّيْخ مُحَمَّد بن علد الرَّحِيم العمودي ﵀ وَكَانَ بَينهمَا فِي حياتهما إتحاد ومحبة عَظِيمَة حَتَّى كَأَنَّهُمَا كَانَا روحان فِي جَسَد وَكَانَ مولده سنة ثَلَاث وَتِسْعمِائَة بِمصْر وَكَانَ من العلمآء العاملين وَعباد الله الصَّالِحين
وَمن مشايخه شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا الانصاري وَالشَّيْخ الْعَلامَة برهَان الدّين بن أبي شرِيف وَالشَّيْخ الإِمَام نور الدّين الْمحلي وَالشَّيْخ كَمَال الدّين الطَّوِيل وَالشَّيْخ زين الدّين الْغَزِّي وَالشَّيْخ نور الدّين المليجي بِالْجِيم وَاجْتمعَ بشيخ الْإِسْلَام الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس الطبنداوي الْبكْرِيّ بزبيد سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وتعسعمائة واخذ عَنهُ وَمن محفوظاته الْمِنْهَاج
[ ٣٦٠ ]
فِي الْفِقْه للنووي والشاطبية فِي الْقرَاءَات والعمدة فِي الحَدِيث الْمَقْدِسِي وَالْأَرْبَعِينَ النواوية والاجرومية فِي النَّحْو ومختصر أبي شُجَاع وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي علم الْحَرْف والفلك والميقات وَكَانَ شَدِيد الْوَرع قَلِيل الِاخْتِلَاط بِالنَّاسِ متمسكًا بِالْكتاب وَالسّنة وَطَرِيقَة السّلف الصَّالِحين مَعَ التَّقْوَى المفرطة والخمول الزَّائِد
وَحكي ان وَالِده مرض مَرضا شَدِيدا بِالشَّام فاستغاث بِالنَّبِيِّ ﷺ فَرَآهُ فِي الْمَنَام وَهُوَ يضْرب على كتفه وَيَقُول لَهُ قُم يَا أَبَا مُحَمَّد فانتبه معافا من ذَلِك امرض وَلم يكن مَعَه اذ ذَاك ولد اسْمه احْمَد وَكَانَ قد ترك زَوجته بِمصْر حَامِلا بِهِ فَبعد ايام جَاءَ الْخَبَر بانها وضعت غُلَاما فَسَماهُ أَحْمد وَمن شعره كَانَ البُخَارِيّ حَافِظًا ومحدثا جمع الصَّحِيح مكمل التَّحْرِير
ميلاده صدق ودة عمره فِيهَا حميد وانقضى نور
وَلما وقف على الابيات الْآتِيَة الَّتِي نظم فِيهَا بَعضهم مَا لكل فصل من الْمنَازل على اصْطِلَاح أهل الْيمن وَهِي شَرط البطين ثره يَا دبر هقعتها وهنعة الذرع فصل الصَّيف قد كملا
فنثرة الطّرف جبهة الزبرة انصرفت عوا سماك فَذا فصل الخريف خلا
غفر زبانا تكلل قلب شولتها نعائم بَلْدَة فصل الشتَاء كملا
وَاذْبَحْ بلاعًا سعود واخب فرعهما فِي بطن حوت فَذا فصل الرّبيع تَلا
استحسنها وَقَالَ انه أَجَاد فِيهَا غير انه اعْتمد فِي ذَلِك على حِسَاب الْمُتَقَدِّمين فِي الْمنَازل حَيْثُ بَدَأَ بالشرطين وعَلى حِسَاب الْمُتَأَخِّرين يكون الفرغ الْمُؤخر قَالَ فقفوت اثره فِي القافية وابتدأت بالفرغ الْمُؤخر على حِسَاب الْمُتَأَخِّرين فَقلت مُؤَخرا ورشا شَرط البطين ثروا دبرا وهقع ففصل الصَّيف قد كملا
وهنعة الذرع نثرًا لطرف جبهتها وزيرة الصّرْف ذَا فصل الخريف تَلا
عوى السماك وَغفر الزين كُله قلب وشولة ذَا فصل الرّبيع تَلا
[ ٣٦١ ]
ثمَّ قَالَ وترتيب الْفُصُول الْمَذْكُورَة فِي هذَيْن النظمين على طَريقَة أهل الْيمن قَالَ ثمَّ أَنِّي رتبتها أَيْضا فِي أَبْيَات على حكم مَا قَالَ الْحُكَمَاء فَقلت مُؤخر ورشا البطين ثروا دبر وهقع فَذا فصل الرّبيع خلا
وهنعة الذرع نثر الطّرف جبهتها وزبرة فَذا فصل الصَّيف قد كملا
عوى السماك وَغفر الزين كلله قلب وشولة ذَا فصل الشتا ارتحلا
وَكَانَ كثيرا مَا يتَمَثَّل بقول كَانَ الله فَقِيها عَالما وَله عرض مصون مَا اتهمَ
غير لَا يدْرِي مدارة الورى ومدارة الورى أَمر مُهِمّ
وَمِمَّا أملاه عَليّ بعض الصَّالِحين من تلامذته من حفظه قبيل مَوته بِمدَّة يسيرَة بمكارم الاخلاق كن مُتَخَلِّفًا ليفوح عرف ثنائك الْعطر الشذي
وامنح صديقك مَا اسْتَطَعْت صدابة وادفع عَدوك بِالَّتِي فَإِذا الَّذِي
وَمَا أملاه عَلَيْهِ أَيْضا قَالَ أَنْشدني الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الطبنداوي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ من لَفظه ومذ كنت مَا اهديت للحب خَاتمًا ومسكًا وكافورًا ولابست عينه
وَلَا الْقَلَم المبري أخْشَى عَدَاوَة تكون مدى الْأَيَّام بيني وَبَينه
وَمِمَّا أملاه عَلَيْهِ أَيْضا قَالَ سَمِعت الشَّيْخ الْعَلامَة عبد الله أَبَا كثير بِمَكَّة المشرفة قد حُدُود سنة ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة يَقُول جَاءَ شخص من عُلَمَاء مصر إِلَى مَكَّة المشرفة فِيمَا تقدم وجاور بهَا وَجلسَ فِي بعض الْأَيَّام على الْكُرْسِيّ ليعظ النَّاس فِي الْحرم الشريف فَكَانَ أول كَلَامه بعد أَن قَالَ الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله صلى الله عله وَسلم مِمَّا أَنْشدني وَالِدي تهذيبًا فِي أَيَّام الصِّبَا إِذا شِئْت أَن تحيا سليما من الْأَذَى وذنبك مغْفُور وعرضك صين
فَلَا ينْطق مِنْك اللِّسَان بسوءة فللناس سوآت وَلِلنَّاسِ السن
[ ٣٦٢ ]
.. وعينك إِن أَهْدَت إِلَيْك معايبا فغمض وَقل يَا عين للنَّاس أعين
وعاشر بِمَعْرُوف وسامح من اعْتدى وَلَا تدفع إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن
قلت وَقد روى عَن أَمَام دَار الْهِجْرَة مَالك بن أنس ﵀ أَنه قَالَ أدْركْت بِهَذِهِ الْبَلدة يَعْنِي الْمَدِينَة أَقْوَامًا لم تكن لَهُم عُيُوب فتكلموا فِي عُيُوب النَّاس فظهرت عيوبهم وَمِمَّا أملاه عَلَيْهِ أَيْضا عَن الشَّيْخ عبد الله أَبَا كثير الْمَذْكُور قَالَ جَاءَ اعرابي إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَفِي قرانك مثل هَذَا فَقَالَ لَهُ أيش أَو كَمَا قَالَ ﷺ فَقَالَ الْأَعرَابِي وَحي ذَوي الأظغان تسبي عُقُولهمْ تحيتك الْقُرْبَى فقد تدفع النغل
فَإِن جهروا بالْقَوْل فَاعْفُ تكرمًا وَأَن ستروا عَنْك الْمقَالة لم تبل
فَإِن الَّذِي يُؤْذِيك مِنْهُ أستماعه وَأَن الَّذِي قد قيل خَلفك لم يقل
قَالَ فَنزلت الْآيَة الشَّرِيفَة ﴿وَلَا تستوي الْحَسَنَة وَلَا السَّيئَة ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن فَإِذا الَّذِي بَيْنك وَبَينه عَدَاوَة كَأَنَّهُ ولي حميم﴾ وَمِمَّا أملاه عَلَيْهِ أَيْضا عَن الشَّيْخ عبد الله الْمَذْكُور من لم يبكوه ناصحوه يضْحك من حَاله عداهُ
أدبه الايام والليالي من لم يؤدبه والداه
وفيهَا فِي يَوْم الْجُمُعَة الْحَادِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة أَبُو السعادات مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ الفاكهي الْمَكِّيّ الْحَنْبَلِيّ وَكَانَ مولده سنة ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي جَمِيع الْعُلُوم وَأَنه قَرَأَ فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة
وَمن شُيُوخه الشَّيْخ الْكَبِير الْمُحَقق الْعَلامَة أَبُو الْحسن الْبكْرِيّ وَشَيخ الْإِسْلَام ابْن حجر الهيتمي وَالشَّيْخ مُحَمَّد الْحطاب فِي آخَرين من أهل مَكَّة وحضرموت وزبيد يكثر عَددهمْ وَيُقَال أَن الَّذين أَخذ عَنْهُم يزِيدُونَ على التسعين وأجازوه ومقروءاته كَثِيرَة جدا لَا تَنْحَصِر
وَمن محفوظاته الاربعين النواوية والعقائد النسفية وَالْمقنع فِي فقه
[ ٣٦٣ ]
الحنابله وَجمع الْجَوَامِع فِي أصُول الْفِقْه والفية ابْن مَالك فِي النَّحْو وتلخيص الْمِفْتَاح فِي الْمعَانِي وَالْبَيَان والشطبية فِي الْقرَاءَات وَنور الْعُيُون فِي السّير لِابْنِ سيد النَّاس وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم ويقرا للسبعة مَعَ التجويد ونظم ونثر والف غير وَاحِدَة من الرسائل المفيدة مِنْهَا الَّذِي نُكَلِّم فِيهَا على آيَة الْكُرْسِيّ وَهِي مفيدة جدا وَمِنْهَا شرح مُخْتَصر الانوار الْمُسَمّى نور الْأَبْصَار فِي فقه الشَّافِعِيَّة وَمِنْهَا رِسَالَة فِي اللُّغَة وَمِنْهَا كتاب جليل جعله باسم بعض السلاطين ورزق الْحَظ فِي زَمَانه وسمعته يَقُول الانس بِاللَّه نور سَاطِع والانس بِالنَّاسِ سم قَاطع
وَمن غَرِيب الِاتِّفَاق انه قَالَ حضرت مجْلِس بعض الوزراء فَوَقع الْكَلَام فِي الِاسْتِفْهَام الانكاري فَقَالَ بعض أهل الْعلم هَذَا كَقَوْلِه ﴿اتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون انفسكم وانتم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون﴾ وَأَشَارَ إِلَيّ بالعريض ففهمت مِنْهُ ذَلِك فاستحضرت حِينَئِذٍ وَقلت مُخَاطبا لَهُ قَوْله ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ آلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة فَمن يهديه من بعد الله أَفلا تذكرُونَ﴾ فَخَجِلَ ذَلِك الرجل وَكَانَ وَالِدي يُسَمِّيه شيخ الاسلام وَكَانَ جوادًا قَالَ بَعضهم مَا رايت اسخى مِنْهُ وَقَالَ آخر مَا أَظن أَن أحدا من الْأَشْرَاف وَالْعرب دخل الْهِنْد إِلَّا وَله عَلَيْهِ احسان وَكَانَ لَا يمسك شَيْئا وَلذَلِك كَانَ كثير الاستقراض وَكَانَ تغلب عَلَيْهِ الحدة وَكَانَ من شسدة تواضعه لأَصْحَابه رُبمَا ينسبونه إِلَى التملق وَكَانَ لَهُ عقيدة مفرطة فِي السَّادة آل أَبَا علوي وَذهب إِلَى حَضرمَوْت لزيارتهم فلقى جمَاعَة من اعيانهم وعادت عَلَيْهِ بركتهم وَدخل الْهِنْد وَأقَام بهَا مديدة ثمَّ رَجَعَ إِلَى وَطنه مَكَّة المشرفة فِي سنة سبع وَخمسين فحج ذَلِك الْعَام وزار النَّبِي ﷺ ثمَّ حج فِي السّنة الَّتِي تَلِيهَا وَعَاد إِلَى الْهِنْد فِي سنة سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فاقام بهَا إِلَى أَن توفّي ﵀ وَكَانَ مَعَ جلالة قدره يغْضب من ذكر الفار وَقيل انه لقب اخيه عبد الْقَادِر
[ ٣٦٤ ]
لقبه بِهِ من لَا خلاق لَهُ من أهل مَكَّة فَكَانَ الَّذِي يقصدون اذيته يذكرُونَهُ لَهُ فيتعب من ذَلِك وَكتب إِلَيْهِ بَعضهم هَذَا الاستفتاء يَا أَيهَا الشَّيْخ يَا من هُوَ بِدِينِهِ فار
يَا من إِذا مَا اشْتغل نَار الذكاء مِنْهُ فار
مَاذَا تَقول لنا فِي بركَة مَاتَ بهَا فار
تبددت مِنْهُ أجزاؤه وَلم يبْق فار
اجب لنا مسرعًا المَاء فِي التَّنور فار
وللأديب عَليّ أَبَا كثير الْمَكِّيّ ﵀ فِي الْمَعْنى يَا عُلَمَاء الْعَصْر مَا قَوْلكُم فِي مُشكل حير كل الْأُمَم
رَأَيْت فَارًّا عنْدكُمْ وَهُوَ لَا ييقتل فِي الْحل وَلَا فِي الْحرم
وَمن شعره طبعت على حب المعزة وَالثنَاء وأرجوهما فِي طول عمري ديدبي
وَهَا أَنا أوصِي كل خل معزز بَان لَا يداني للدنا من يَدي دني
ومدحه الشَّيْخ الْفَاضِل عبد اللَّطِيف الابير بقصيدة مِنْهَا يَا عَلامَة الدِّينَا وَيَا علم غَدا يقصر عَن غاياته فِي العلى الْبَدْر
وَمن لَاحَ مثل الصُّبْح فضل كَمَاله فضاء بِهِ الأقطار وافتخر الْعَصْر
وَيَا أَيهَا الْبَحْر الخضم لعلمه وللرفق بالطلاب يَا أَيهَا الْبر
وَفَاكِهَة الدِّينَا يهناه ذَا الهنى وَجمع عُلُوم فاح من طيبها النشر
أَب لسعادات وَاصل محامد فَمن أمه بالنجح آل كَذَا الْيُسْر
تباهب بِهِ كجرات لما ثوى بهَا فَإِن فخرت يَوْمًا يحِق لَهَا الْفَخر
وَمن الْعَجَائِب أَن الْمَشَايِخ الثَّلَاثَة هُوَ واخوه الشَّيْخ عبد الله وَالشَّيْخ عبد الْقَادِر كَانُوا كلهم أهل فضل وَعلم وكل وَاحِد من الثَّلَاثَة مَاتَ قبل الآخر بِعشر سِنِين فَكَانَ أَوَّلهمْ موتا الشَّيْخ عبد الله وَآخرهمْ صَاحب التَّرْجَمَة رَحِمهم الله تَعَالَى آمين
[ ٣٦٥ ]
غَرِيبَة
ذكر شيخ الاسلام أَبُو حجر الْعَسْقَلَانِي فِي مُعْجَمه أَن الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وهم الْعِرَاقِيّ والبلقيني وَابْن الملقن كَانُوا أعجوبة هَذَا الْعَصْر على رَأس القرنالأول فِي معرفَة الحَدِيث وفنونه وَالثَّانِي فِي التَّوَسُّع فِي معرفَة مَذْهَب الشَّافِعِي وَالثَّالِث فِي كَثْرَة التصانيف قَالَ وَمن الْعَجَائِب أَن كل وَاحِد من الثَّلَاثَة ولد قبل الآخر بِسنة وَمَات قبله بِسنة فأولهم ابْن الملقن ثمَّ البُلْقِينِيّ ثمَّ الْعِرَاقِيّ وَحكى بعض الْفُقَرَاء الصَّالِحين قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا اللسعادات الفاكهي ﵀ يَقُول لما سمع الْعَلامَة القَاضِي ابْن أبي عقامة اليمني قَول المعرري قابله الله بعدله إِذا مَا ذكرنَا آدمًا وفعاله وتزويج بنتيه بابنيه فِي الدنا
علمنَا بِأَن الْخلق مكن أصل زنية وَأَن جَمِيع النَّاس من عنصر الزِّنَا
قَالَ مجيبا لَهُ ورادًا عَلَيْهِ لعمرك أَن القَوْل فِيك لصَادِق وَتكذب فِي البَاقِينَ من شط أَو دنا
كَذَلِك اقرار الْفَتى لَازم لَهُ وَفِي غَيره لَغْو بذا جَاءَ شرعنا
قلت وللمعري أَيْضا يَد بِخمْس مئين عسجد وديت مَا بالها قطعت فِي ربع دِينَار
قَالَ الشريف الرضي رادًا عَلَيْهِ صِيَانة النَّفس أغلتها وأرخصتها خِيَانَة المَال فَانْظُر حِكْمَة الْبَارِي
وَله أَيْضا وَهُوَ مِمَّا يدل على عدم إيمَانه بِالْبَعْثِ والنشور قبحه الله ضحكنا وَكَانَ الضحك منا سفاهة وَحقّ لسكان البسيطة أَن يبكوا
تحطمنا الْأَيَّام حَتَّى كأننا زجاج وَلَكِن لَا يُعَاد لَهُ سبك
ورد عَلَيْهِ الإِمَام مُحَمَّد بن عَتيق التَّمِيمِي فَقَالَ كذبت وَبَيت الله حلفه صَادِق سيبكينا بعد الثوى من لَهُ الْملك
وَنَرْجِع أجسامًا صحاحا سليمَة تعرف فِي الفردوس مَا عندنَا شكّ
[ ٣٦٦ ]
وَفِي عجائب الْبلدَانِ للقزويني قَالَ وَذكر أَنه فِي آخر عمره تَابَ عَن أَمْثَال هَذِه واستغفر وَحسن اسلامه
قَالَ الْمجد الفيروزابادي صَاحب الْقَامُوس فِي كِتَابه الْبلْغَة فِي تَارِيخ أَئِمَّة اللُّغَة وَالنَّاس فِيهِ فرقتان فَمنهمْ من يكفره وَيَزْعُم أَنه كَانَ زنديقًا وَمِنْهُم من هُوَ بضد ذَلِك وَفِي ظَاهر أشعاره زندقة كَثِيرَة على أَن فِي شعره مَا يدل على التَّوْحِيد الصَّرِيح والاعتقاد الصَّحِيح كَقَوْلِه خلق النَّاس للبقاء فضلت أمة يحسبونها للنفاد
إِنَّمَا ينقلون من دَار أَعمال إِلَى دَار شقوة أَو رشاد
وَذكر عَنهُ أَنه املأ الْمُحكم والمخصص من صَدره
وَفِي عجائب الْبلدَانِ أَنه كَانَ لَهُ سَرِير يجلس عَلَيْهِ فجعلوتا فِي غيبته تَحت قوائمه أَرْبَعَة دراهنم تَحت كل قَائِمَة درهما فَقَالَ أَن الأَرْض قد ارْتَفَعت عَن مَكَانهَا شَيْئا يَسِيرا أَو السَّمَاء نزلت قَالَ وَمن الْعجب أَنه مَعَ ذكائه اختفت عَلَيْهِ الموجودات الَّتِي لَيست مجسمة كالجواهر الروحانية فَاعْتقد أَن كل مَوْجُود يكون مجسمًا
قلت وَلَا عجب لِأَن الْهِدَايَة والضلال ليسَا إِلَّا بِتَوْفِيق الله وهدايته أَو خذلانه وَعدم رعايته وَأَن غير الْعَاقِل قد يلهم كثيرا مِمَّا يحرمه الْعَاقِل قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾ وَمن يهد الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ ولعمري أَن الْعُقُول الَّتِي لم تستضيء بِنور الشَّرْع هِيَ عقول أضلها باريها وَقضى عَلَيْهَا بالشقاء قاضيها رزقنا الله تَعَالَى مُتَابعَة النَّبِي ﷺ وتعظيم شَرِيعَته وَجَعَلنَا من خِيَار أمته وانصار مِلَّته بمنه وَكَرمه آمين وَمَا أحسن قَول البوصري ﵀ رب إِن الْهدى هداك وآياتك نور تهدي بهَا من تشَاء
كم رَأينَا مَا لَيْسَ يعقل قد الْهم مَا لَيْسَ يلهم الْعُقَلَاء
[ ٣٦٧ ]
وَوجدت فِي بعض التَّعَالِيق بِخَط صاحبنا الْعَلامَة الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ البسكري ان الشَّيْخ عبد النافع بن الشَّيْخ أَحْمد بن عراق دَعَا الشَّيْخ أَبَا السعادات الفاكهي إِلَى ضِيَافَة مَعَ صَاحب لَهُ يُسمى بَاب الْمجد وَكتب إِلَيْهِ فِي الاستدعاء هذَيْن الْبَيْتَيْنِ أَبَا السعادات وَابْن الْمجد خادمكم أَخُو التضرع عبد النافع الدَّاعِي
يدعوكم سَاعَة تِلْقَاء منزله وَلَيْسَ يخفى الَّذِي فِي الشَّرْع للداعي
وَرَأَيْت بِخَط صاحبنا الْعَلامَة شهَاب الدّين ابْن الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ البسكري الْمَكِّيّ المغربي الْمَالِكِي رَحمَه الله تَعَالَى مَا صورته وجدت فِي تذكرة مَوْلَانَا الْعَلامَة ذِي الكمالات الشَّيْخ أبي السعادات هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما يَا أهل تدريس الْعُلُوم جَمِيعه وَذَوي عقول قد صفت من رِيبَة
هَل تعلمُونَ محلّة مَعْرُوفَة جمعت كمكة فِي عداد فَضِيلَة
فَكتبت جوابها زأنا الفقي إِلَى عَفْو الله أَحْمد البسكري فَقلت لَا وَالَّذِي برأَ الْأَنَام بأسرها مَا مثل مَكَّة شرفت من قَرْيَة
وَكَذَلِكَ مَا مثل الْحطيم وزمزم والمشعرين وركنها فِي خطه
وَكَذَا الصَّفَا وَالْحجر والميزاب وَالْبَيْت الشريف فَذَاك أعظم نعْمَة
إِلَّا على قَول الهزبر إمامنا شيخ الْأَنَام إِمَام أهل السّنة
ان الْمَدِينَة شرفت بمقام من قد حل فِيهَا فَهِيَ اشرف بقْعَة
صلى عَلَيْهِ الله رَبِّي سرمدا أبدا دواما مَا توالت غمضة
وفيهَا فِي لَيْلَة الْأَحَد السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر ذِي الْحجَّة الْحَرَام توفّي الْوَلِيّ الْكَبِير والقدوة الشهير الَّذِي وَقع على ولَايَته الاجماع والاتفاق وَقصد بالزيارة من الْآفَاق الشَّيْخ أَبُو بكر بن سَالم أَبَا علوي بعينات وَكَانَ من الْمَشَايِخ الأقراد المقصودين بالزيارة من أقْصَى ابلاد وانتفع ببركته الْحَاضِر والباد وانغمرت بنفحات أنفاسه الْعباد واشتهرت كراماته ومناقبه وآياته فِي الْآفَاق وسارت بِهِ الركْبَان والرفاق وَحصل لَهُ الْقبُول التَّام عِنْد الْخَاص وَالْعَام وعينات بِكَسْر الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة من تَحت وَقبل الْألف نون وَبعدهَا منشأة فوقية قَرْيَة بحضرموت على نصف
[ ٣٦٨ ]
مرحلة من تريم كَانَت إقاتمته بهَا وقصده إِلَيْهَا الزوار من الأقطار حَيا وَمَيتًا
وفيهَا توفّي الْحَكِيم شهَاب الدّين مَحْمُود بن شمس الدّين السندي وَكَانَ آيَة فِي الْحِكْمَة والمعالجات وَحكي ان بعض السلاطين اهدى إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود صَاحب كجرات أَشْيَاء نفيسة من جُمْلَتهَا جَارِيَة وصيفة فَأَعْطَاهَا السُّلْطَان لبَعض الوزراء فاتفق ان الْحَكِيم الْمَذْكُور جس نبضها قبل أَن يَمَسهَا ذَلِك الْوَزير فحذره من ذَلِك وَقَالَ ان من يُجَامِعهَا سيموت فأرادوا تجربته فِي ذَلِك فجاؤا بِعَبْد وادخلوه عَلَيْهَا فَمَاتَ لوقته فازداد تعجب الْوَزير وَسَأَلَهُ عَن السَّبَب فِيهِ فَقَالَ انهم اطعموا أمهَا فِي حَال حملهَا أَشْيَاء أورثت ذَلِك وان مهديها قصد هَلَاك السُّلْطَان
قلت فَللَّه دره من طَبِيب ماهر مَا احذقه وَقد ذكر الْقزْوِينِي فِي عجائب الْبلدَانِ مَا يقرب من هَذَا فَقَالَ عِنْد الْكَلَام على عجائب الْهِنْد وَمن عجائبها البيش وَهُوَ نبت لَا يُوجد إِلَّا فِي الْهِنْد سم قَاتل أَي حَيَوَان يَأْكُل مِنْهُ يَمُوت ويتولد تَحْتَهُ حَيَوَان يُقَال لَهُ فارة البيش تَأْكُل مِنْهُ وَلَا يَضرهَا وَمِمَّا ذكر أَن مُلُوك الْهِنْد إِذا أَرَادوا الْغدر بِأحد عَمدُوا إِلَى الْجَوَارِي إِذا ولدن وفرشوا من هَذَا النبت تَحت مهودهن زَمَانا ثمَّ تَحت فراشهن زَمَانا ثمَّ تَحت ثيابهن زَمَانا ثمَّ يطعموهن مِنْهُ فِي اللَّبن حَتَّى تصير الْجَارِيَة إِذا كَبرت تتَنَاوَل مِنْهُ وَلَا يَضرهَا ثمَّ يبْعَث بهَا مَعَ الْهَدَايَا إِلَى من أَرَادوا الْغدر بِهِ من الْمُلُوك فَإِنَّهُ إِذا غشيها مَاتَ