وَفِي ربيع الثَّانِي سنة تسع سبعين توفّي الْفَقِيه الصُّوفِي الْجَامِع بَين الشَّرِيعَة والحقيقة حُسَيْن بن الْفَقِيه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر بن الْحَاج أَبَا فضل الشَّافِعِي الْحَضْرَمِيّ بتريم ولصاحبنا الأديب الْفَاضِل الْفَقِيه عبد الله بن أَحْمد بن فلاح الْحَضْرَمِيّ فِي تَارِيخ ذَلِك الْعَام بَيْتَيْنِ هما شَيخنَا حَيّ تَجدهُ ضَابِط الْعَام الَّذِي مَاتَ
فِيهِ حُسَيْن بن الْفَقِيه أَبَا فضل ابلحاج ذِي الكرامات
وَكَانَ من كمل الْمَشَايِخ العارفين الجامعين بَين عُلُوم الشَّرِيعَة وسلوك الطَّرِيقَة وشهود الْحَقِيقَة صَاحب أَحْوَال سنية ومقامات علية وفراسات صَادِقَة وكرامات خارقة وَله فِي التصوف رِسَالَة سَمَّاهَا الْفُصُول الفتحية والنفثات الروحية فِيمَا يُوجب الجمعية وَعدم البراح من جَانب الْحق والغناء والبقاء بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ والجزئية
وَمن كراماته أَنه كَانَ مرّة فِي مجْلِس وَبَين يَدَيْهِ مريده فضل بن غبراهيم فَكَانَ يتَكَلَّم بأَشْيَاء بطرِيق الْكَشْف كعادته وَكَانَ فِي ذَلِك الْمجْلس أخي السَّيِّد عبد الله فَالْتَفت إِلَيْهِ فضل الْمَذْكُور وَقَالَ أَن والدك ركب فِي بعض الْخشب وسرى هَذِه السَّاعَة فَقَالَ الشَّيْخ حُسَيْن مَا خرج
[ ٣٠٨ ]
من الْهِنْد أصلا فتراجعا فَقَالَ الشَّيْخ حُسَيْن اما عَليّ كَذَا أَو عَلَيْك كَذَا من بَاب الْبسط ثمَّ أتفقا على أَنه مَا خرج فاتفق أَن أخي كتب هَذِه الْقِصَّة فِي كتاب وَوَقع عزمه إِلَى الْهِنْد فِي تِلْكَ السّنة وَكَانَ الْكتاب الْمَذْكُور فِي صحبته فَلَمَّا رَآهُ وَالِد قَالَ صدق الِاثْنَان الشَّيْخ حُسَيْن ومريده إِلَّا أَن الشَّيْخ حُسَيْن كَانَ نظره يشرف على حقائق الْأَشْيَاء وَاخْبَرْ أَنه كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت الْيَوْم فِي ذَلِك الشَّهْر عزم من أَحْمد أباد بنية برعرب لِأَن الْوَزير وَهُوَ عماد الْملك الَّذِي كَانَ يعوق عَلَيْهِ ذَلِك خرج فِي تِلْكَ السّنة للصَّيْد فَلَمَّا كَانَ فِي أثْنَاء الطَّرِيق لحقه الْوَزير الْمَذْكُور فصد عَن ذَلِك قَالَ وَأما قَول فضل أَنه ركب بعض الْخشب وسرى هَذِه السَّاعَة فَإِن البهل إِذا مَشى بِهِ الْبَقر يشبه سرَايَة الْخشب فِي الْبَحْر وبينما هُوَ فِي بعض اللَّيَالِي يسير فِي الطَّرِيق اذ وجد وَالِدي ﵀ فوقفا يتذاكران واستمرا كَذَلِك إِلَى الصَّباح
وَحكي أَنه قَالَ مَا عندنَا من الْأَعْمَال الَّتِي نعتمد عَلَيْهَا شَيْئا إِلَّا ذرة من حب آل مُحَمَّد ﷺ فَبلغ ذَلِك الشَّيْخ أَحْمد بن الْحُسَيْن العيدروس فَقَالَ هَنِيئًا لَهُ هَذَا هُوَ الَّذِي عناه الشَّيْخ أَبُو بكر العيدروس بقوله لَك الهنا أَن حل فِيك ذرة من حبهم أَو لَاحَ مِنْك حظرة
بذكرهم مَا أعظم المسره طُوبَى لقلب حل حبهم فِيهِ
وَكَانَ مُولَعا بكتب الشاذلية وَكَانَ يمِيل إِلَى طريقتهم السّنيَّة حَتَّى قيل فِيهِ أَنه شاذلي زَمَانه رُوِيَ ذَلِك عَن الشَّيْخ الْكَبِير وَالْوَلِيّ الشهير أَحْمد بن سهل وَكَانَ يعظم الشَّيْخ محيي الدّين ابْن عَرَبِيّ ويقرئ كتبه وَكَانَ لَهُ أقتنائها أَشد عناية حَتَّى أَن كتاب الفتوحات المكية كَانَ لَا يُوجد بحضرموت إِلَّا عِنْده وَلما كتب وَالِدي إِلَى وَلَده السَّيِّد عبد اله يُرِيد يحصله لنَفسِهِ أَو لوالده فَقَالَ لَا بل لوالده فَأعْطَاهُ إِيَّاه
وَحكي أَن الشَّيْخ بل النُّسْخَة الَّتِي كَانَت عِنْده عِنْد وَفَاته مَا خلا بَاب الْوَصَايَا مِنْهُ وَقَالَ أَنما فعلته تَعْظِيمًا لشأنه لِأَن النَّاس لَا يفهمون مَعَانِيه فيقهون فِي الْغَلَط بِسَبَب ذَلِك
[ ٣٠٩ ]
قلت وَكَانَ الشَّيْخ من الْمَشَايِخ المربين وَكتب الشَّيْخ ابْن عَرَبِيّ أشتملت على عُلُوم لَا يفهمها إِلَّا أهل النهايات وتضر بأربابها البدايات
قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ وزالقول الْفَصْل عِنْدِي فِي ابْن عَرَبِيّ طَريقَة لَا يرضاها فرقنا فَأهل الْعَصْر لَا من يَعْتَقِدهُ وَلَا من يحط عَلَيْهِ وَهِي اعْتِقَاد وَلَا يته وَتَحْرِيم النّظر فِي كتبه
قلت وَحكى الشَّيْخ الامام الْعَلامَة بحرق سمع الشَّيْخ أَبَا بكر العيدروس يَقُول لَا اذكر ان وَالِدي ضَرَبَنِي وَلَا انتهرني إِلَّا مرّة وَاحِدَة بِسَبَب انه رأى بيَدي جُزْءا من كتاب الفتوحات المكية لِأَبْنِ عَرَبِيّ فَغَضب غَضبا شَدِيدا فهجرتها من يَوْمئِذٍ قَالَ وَكَانَ وَالِدي ينْهَى عَن مطالعة كتابي الْفتُوح والفصوص لِابْنِ عَرَبِيّ ويأمنر بِحسن الظم فِيهِ وباعتقاد انه من أكَابِر الْأَوْلِيَاء الْعلمَاء بِاللَّه العارفين وَيَقُول ان كتبه اشْتَمَلت على حقائق لَا يُدْرِكهَا إِلَّا ارباب النهايات وتضر بارباب البدايات
قَالَ الشَّيْخ بحرق وَأَنا أَيْضا على على هَذِه العقيدة وأد ركت عَلَيْهَا جمَاعَة من الْمَشَايِخ المقتدى ب بهم
قلت وَهَذَا مُقْتَضى كَلَام السُّيُوطِيّ ﵀ وَأَنا أَيْضا على هَذِه العقيدة وَهَذِه الطَّرِيقَة أسلم الله أعلم وَوجدت بِخَط صَاحب التَّرْجَمَة سَيِّدي الشَّيْخ حُسَيْن بن الْفَقِيه عبد الله بالحاج أَبَا فضل ﵁ ونفع بِهِ آمين ان الشَّيْخ الإِمَام ولي الله تَعَالَى محيي الدّين النَّوَوِيّ لما رأى كَلَامه وطالعه قَالَ الْكَلَام كَلَام صوفي ثمَّ قَالَ الشَّيْخ حُسَيْن وَهُوَ كَمَا قَالَه هَذَا الإِمَام ان كلامة كَلَام الصُّوفِيَّة وانما هُوَ بسط الْعبارَة فِي مَوضِع الْإِشَارَة ومكا يحملهُ من يُنكر على الصُّوفِيَّة وَوجدت بِخَطِّهِ أَيْضا مَا صورته هَذَا الأبيات تصلح فِي الشَّيْخ محيي الدّين دَعوه لَا تلوموه دَعوه فقد علم الَّذِي لم تعلموه
وَرَأى علم الْهدى فَسمى إِلَيْهِ وطالب مطلبًا لم تطلبوه
اجاب دَعَاهُ لما دَعَاهُ وَقَامَ بِحقِّهِ ووضعتموه
بنفسي من ممنوح قرب وطاعنم مطعما لم تطعموه
[ ٣١٠ ]
قلت وعَلى بالي حِكَايَة غَرِيبَة وَقعت للشَّيْخ ابْن عَرَبِيّ تدل على فَضله الْعَظِيم اذْكُرْهَا هُنَا تيمنًا بِذكرِهِ واستشعارا بعظيم قدره ولان المؤرخين يَقُولُونَ من ذكر انسانًا وَعلم لَهُ نادرة فَلم يذكرهَا فقد ظلمه ذكره بعض المعتنين بأخباره والمدونين لمحاسن آثاره ان صَاحب اشبيلية ارسل مَالا عَظِيما إِلَى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى وَأوصى الْوَكِيل ان لَا يفرق هَذَا المَال إِلَّا أعلم أهل الأَرْض وَاتفقَ أَنه اجتمعتلك السّنة بِمَكَّة شرفها الله تَعَالَى من الْمَشَايِخ وَالْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء وَمن كل ذِي فن من الْعُلُوم مَا لم يجْتَمع فِي عصر من الْأَعْصَار وَهِي السّنة الَّتِي اجْتمع فِيهَا الشَّيْخ شهَاب الدّين السهرودي بالشيخ ميحي الدّين ﵄ وَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي شَأْن صَاحبه مَا قَالَ فاجمع الْكل على الشَّيْخ محيي الدّين ﵁ وان لَا يفرق المَال سواهُ ففرقه فَلَمَّا فرغ من تفريقه قَالَ لَوْلَا ان خوفي خرق الاجماع لامتنعت فَقَالَ لهبعض أَصْحَابه لم ياسيدي قَالَ مَا اريد بِهِ وَجه الله بل اريد بِهِ التفاخر فَقَالَ لَهُ بَين لي ذَلِك فَقَالَ ان صَاحب الغرب اراد ان يفتخر بِي على سَائِر مُلُوك الأَرْض إِذْ قدم علم انه لَا يفرقه سواي فَمَا اراد بِهِ وَجه الله تَعَالَى بل أَرَادَ التفاخر فَبلغ ذَلِك الْمجْلس إِلَى صَاحب اشبيلية فَبكى وَقَالَ صدق الشَّيْخ هَذَا اردت
وَمن شعر وَلَده مُحَمَّد وَكَانَ قد جاور بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة فَطلب مِنْهُ بعض الْأَصْحَاب الْعود إِلَى وَطنه وَكتب إِلَيْهِ هَذِه الأبيات لَو قيل لي فِي حَضرمَوْت جَوَاهِر تُعْطِي بِلَا من لكل طليب
أَو قيل لي مَا تشْتَهي وماتهوى تَجدهُ غَايَة الْمَطْلُوب
لاخترت مِنْهَا نظرة وَفِي طيبَة وَالْمَوْت ياتي بعْدهَا بقريب
هَذَا خُلَاصَة رغبتي فِي غربتي فَافْهَم فديتك شرح حَال كئيب
مَاذَا يُرَاد ويشتهى فِي غَيرهَا لي جنَّة فِي رَوْضَة المحبوب
صلى عَلَيْهِ الله رَبِّي دَائِما مَا بَان نجم اَوْ هوى بغروب
مِنْهُ اتينا قبا قَالَ مَسْجده لنا مقَالا فصيحًا وَهُوَ بَيت من الشّعْر
لقد ضعت فِي قفر فَمَا لي عَائِد فواحسرتا إِذْ كتن فِي جَانب الْبر
[ ٣١١ ]
ولهذين الْبَيْتَيْنِ قصَّة عَجِيبَة وَهِي ان الْمشَار إِلَيْهِ كَانَ يخْتَلف كثيرا إِلَى مَسْجِد قبا وَكَانَ وقف الْمَسْجِد إِلَى جِهَة الشَّيْخ أبي اللَّطِيف الْبري وَمَا كَانَ يقوم بِخِدْمَة الْمَسْجِد وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْعِمَارَة وَغَيرهَا كَمَا يَنْبَغِي فَكتب هذَيْن الْبَيْتَيْنِ على مَسْجِد قبا
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ لطيف انظم رَقِيق الطَّبْع وَكَانَ صاحبنا الْفَقِيه أَحْمد بن الْفَقِيه مُحَمَّد أَبَا جَابر قد اجْتمع بِعْهُ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة فَحكى عَنهُ من النَّوَادِر المستظرفة والحكايات المستطرفة شَيْئا كثيرا وَله مُشَاركَة فِي كثير من الْعُلُوم وتقرأ عَلَيْهِ الطّلبَة فِي غير وَاحِد من الْفُنُون وَهُوَ إِلَى الْآن مَوْجُود كَانَ الله لَهُ وَله أَخ ثَانِي بحضرموت اسْمه زين عَليّ قدم وَالِده يشار إِلَيْهِ بالصلاح
وفيهَا فِي ضحى يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَانِي عشر شهر جُمَادَى الأولى توفّي الْفَقِيه عبد الْقَادِر بن الْفَقِيه عبد الله بن الْفَقِيه الصَّالح أَحْمد بن مُحَمَّد أَبَا فضل بعدن وَدفن دَاخل دَائِرَة مَقْبرَة جده الْفَقِيه مُحَمَّد بِالْقربِ من قَبره وَكَانَ رجلا لبيبًا عَاقِلا فَاضلا أديبًا بليغًا نحويًا يَقُول الشّعْر وَكَانَت لَهُ مُشَاركَة فِي افقه والْحَدِيث أَخذ عَن الْفَقِيه عبد الله بن عمرمحزمة والعلامة شهَاب الدّين أَحْمد بن عمر الْحَكِيم وَأخذ النَّحْو واللغة عَن الْفَقِيه محيي الدّين عبد الْقَادِر الْحَمَوِيّ وَذَلِكَ ببلدة عدن وَكَانَ قَائِما بوظيفة مَسْجِد الدرسة وَولي بناية الشَّافِعِيَّة بِمَدِينَة عدن وَكَانَت سيرته حَسَنَة محمودة رَحمَه الله تَعَالَى
وفيهَا مَاتَ قاضب الْقُضَاة مُحَمَّد حاجي بِمَكَّة المشرفة فَقَالَ الأديب عبد الرَّحْمَن الخفاجي الْمَكِّيّ مؤرخًا لذَلِك لقد رحم الْمُهَيْمِن قبر قَاض عَزِيز قد سما عز افتخاره
امام عَالم حبر تَقِيّ بِهِ الشَّرْع الشريف علا مناره
فَدلَّ على سعادته انطراح بِبَاب اله من قد عز جَاره
لَهُ عدل بِهِ الركْبَان سَارَتْ وزان جماله الأسى وقاره
بميزان يحل بِخَير أَرض فَكَانَ بِمَكَّة الغرا قراره
فتاريخ الْوَفَاة لَهُ بضبط وتحرير جنان الْخلد دَاره
[ ٣١٢ ]
وفيهَا بنى وَالِدي بِأَحْمَد آباد وَجَاء تَارِيخه بَيت السَّعَادَة وَجعل هَذَا التَّارِيخ الشَّيْخ عبد الْمُعْطِي أَبَا كثير ثمَّ نظمه فِي أَبْيَات فَقَالَ أكْرم بأرفع روشن قد زينت أرجاؤه إِذا صَار فِي غرفاته
قد اتقن الاستاذ صَنْعَة وَضعه فزها وفَاق بِذَاتِهِ وَصِفَاته
انشاه مَوْلَانَا الشيف بقصره العالي المنيف فشاد من بركاته
شمس الشموس العيدروس الْمُجْتَبى شيخ ابْن عبد الله شهم حماته
قطب الْوُجُود وغوثنا وملاذنا يارب متعنَا بطول حَيَاته
يَا سحنه من روشن فِي غرفَة قد زخرفت مِنْهُ بِحسن سماته
بالعيدروس سما وَجَاز نضارة مذ حل فِيهِ بِنَفسِهِ وبذاته
وَمن السَّعَادَة قد أَتَى تَارِيخه بيتالسعادة فَهُوَ من آيَاته
سنة ثَمَانِينَ بعد التسْعمائَة (٩٨٠) هـ وَفِي سنة ثَمَانِينَ توفّي العَبْد الصَّالح الشَّيْخ عبد الرَّحِيم بخضر خَادِم سَيِّدي الشَّيْخ الْوَالِد فَقير الشَّيْخ الْكَبِير سعيد بن عِيسَى العمودي وَكَانَ لَهُ حسن ظن مفرط فِي الْوَالِد حَتَّى أَنه كَانَ يبتلع بصاقه وَكَانَ مجذوبًا وَرويت عَنهُ كرامات ﵀ آمين
وفيهَا أَخذ السُّلْطَان أكبر بن همايون كجرات وَهُوَ من أَوْلَاد تيمورلنك بَينه وَبَينه أَرْبَعَة آبَاء وَكَانَ عَظِيم الشَّأْن ورزق السعد فِي أَيَّامه وطالت مُدَّة ولَايَته واتسع مكه جدا وَكَانَ عادلًا حَلِيمًا عَاقِلا حكيمًا وَالْكَلَام فِيهِ يطول والمسائل فِي شَأْنه تعول فلنقبض الْعَنَان واله الْمُسْتَعَان وَكَانَت مُدَّة سلطنته خمسين سنة وَتُوفِّي فِي شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وتاريخ الْعَام يجمعه غدي بِالْيَاءِ وَهِي لُغَة غير فصيحة فِي غَدا بِالْألف أَي ذهب وَقلت فِي ذَلِك غدي أكبر فِي الذاهبين وَذي سنة الله فِي الغابرين
وتولي بعده وَلَده سليم شاه
وفيهَا وَقع ختم إحجياء عُلُوم الدّين بِحَضْرَة سَيِّدي الْوَالِد فَأَنْشَأَ الشَّيْخ عبد الْمُعْطِي أَبَا كثير قصيدة وَهِي
[ ٣١٣ ]
.. ياسيد السادات ياابن الْمُصْطَفى يَا نسل حيدر يَا عظم الشان
يَا قطب يَا غوث الورى يَا من حوى بِالْعلمِ وَالتَّقوى أعز مَكَان
يَا شيخ يَا ابْن العيدروس وَمن سما ذاتًا وأوصافًا بِكُل زمَان
يَا خَادِم الْعلم الشريف بِقَلْبِه وَلسَانه وبسائر الْأَركان
أكملت أَحيَاء الْعُلُوم قِرَاءَة بالبحث والتصحيح والإتقان
أبديت فِيهِ فوائدا وفرائدًا بفصيح نطق مَعَ صَحِيح بَيَان
ابرزت درا من مكامن وَضعه كعرائس تجلى على الآذان
قررت كل دقيقة وجليلة بِعِبَارَة عذبت بِحسن بَيَان
فَكَأَن حضرتك الْعلية جنَّة فقطوف أثمار الْفَوَائِد دَان
أَو رَوْضَة قد أينعت أزهارها أَو مظهر الْمَعْرُوف والاحسان
وَكَأن ذاتك إِذا جَلَست بِمَجْلِس التدريس تلقي الدَّرْس كالسلطان
من حولك الْأَشْرَاف يمنة يسرة خير الْبَريَّة من بني عدنان
من آل أَبَا علوي أَعْلَام الْهدى أهل التقى وَالدّين وَالْقُرْآن
مُتَمَسِّكِينَ بِسنة وَجَمَاعَة متزينين بزينة الايمان
هَذَا هُوَ الْفَخر المنيف إِذا تعد مفاخرًا بِالدّينِ للْإنْسَان
بِالْعلمِ وَالنّسب الشرييف وبالتقى وَالسَّعْي دأبًا فِي رضَا الرَّحْمَن
فتهن يَا ابْن العيدروس بختمك الْأَحْيَاء تَمامًا فِي أقل أَوَان
ختم عَلَيْهِ من المهابة رونق زينته بجمالك الفتان
لَا زلت فِي درس الْعُلُوم مواصلًا ختمًا لدرس بابتداء ثَانِي
وَأسلم وَدم فِي عزة ومكانة فِي ذرْوَة الْعليا بِكُل زمَان
وَعَلَيْك من رب الْأَنَام تَحِيَّة مَا غردت ورق على الأغصان
سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ بعد التسْعمائَة (٩٨١) هـ
وَفِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ فقد مركب سَيِّدي الشَّيْخ الْوَالِد الْمُسَمّى بالعيدروسي وَهُوَ مُسَافر من الشحر إِلَى الديو وَكَانَ فِيهِ جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَغَيرهم فحصلت لَهُم الشَّهَادَة
وفيهَا قدم الإِمَام أَبُو بكر بن الإِمَام برهَان الدّين إِبْرَاهِيم مطير بندر المخا فَكتب إِلَيْهِ الشريف الْفَاضِل الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى السَّيِّد الْخَاتم حَاتِم بن أَحْمد الأهدل هَذَا السُّؤَال وَهُوَ
[ ٣١٤ ]
.. يَا من لَهُ فِي النَّحْو فهم ثاقب ودراية فِي الشّعْر من بَين الملا
اوضح بِفَضْلِك فِي جَوَابا شافيا عَن بَيت شعر شكله قد أشكلا
الْبَيْت هَذَا من قصيد قَالَه عبد الرَّحِيم فصح لنظم قد حلا
ذكر الْمعَاهد وَالزَّمَان الأولا فَبكى لأيام العندليب وأعولا
وبدا لَهُ برق بابرق رامة وَهنا فَبَاتَ من الجوى متململا
نَامَتْ عُيُون الْعَالمين فَلم ينم وسلت قولب العاشقين وَمَا سلا
إِن كَانَ فَارقه الْفَرِيق فروحه مَعَهم تسير مَعَ الهوادج فِي الفلا
هَل أَن ترَاهَا فِي الْأَخير بكسرة أَو فَتْحة حقق هديت تفضلا
فَأجَاب إِن فِي الْكَلَام بكسرة شَرْطِيَّة والفآء جَوَابا جآء بعد مفصلا
وَيُرِيد ان هم فارقوه فروحه مَعَهم مُلَازمَة تساير فِي الفلا
وَالْفَتْح لم يظْهر لَهُ معنى وَأَن قُلْنَا بِهِ جآء الْجَواب معطلا
وَلَقَد أَجَاد الشَّاعِر الْمنطق فِي لفظ بديع مَعَ فَصَاحَته حلا
حَالَتْ بلاغته القريظ فخلته وشيًا على الحسنا يفوق على الحلا
لازالت الْأَلْفَاظ طوع مُرَاده وفؤاده بالدر صَار مكللا
ثمَّ الصَّلَاة على النَّبِي وَآله وصحابه واتابعين على الولا
وفيهَا جَاءَ السُّلْطَان أكبر إِلَى كجرات وَذَلِكَ أَنه بعد أَن أَخذهَا ترك فِيهَا بعض الوزراء وَرجع فحاول من بَقِي من أُمَرَاء كجرات أَن يستنزعوها من يَد ذَلِك الْوَزير وحاصروه بجموع عديدة وكادوا أَن يظهروا عَلَيْهِ فَلَمَّا سمع السُّلْطَان بِهَذَا الْخَبَر دهمهم بِجُنُود كَثِيرَة وَوصل إِلَيْهَا فِي مُدَّة قَليلَة وحاربهم أَشد الْمُحَاربَة حَتَّى قَتلهمْ عَن آخِرهم
وَفِيه وَقع باحمد اباد ريح عاصف عَظِيم مَعَ غيار كثير حَتَّى أظلمت الأَرْض وَعقبَة رعد وبرق وَقَلِيل مطر