وَفِي الْمحرم سنة ثَلَاث وَعشْرين توفّي الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ على بن أبي بكر ﵃ بتريم وَدفن بهَا وَكَانَ مولده سنة خمسين وَثَمَانمِائَة وَكَانَ من الْأَوْلِيَاء العارفين والمشايخ الصَّالِحين زاهدًا عابدًا
وَحكي من مجاهداته أَنه كَانَ وَهُوَ صَغِير يخرج هُوَ وَابْن عَمه الشَّيْخ أَبُو بكر العيدروس إِلَى شعب من شعاب تريم يُقَال لَهُ النعير بعد مُضِيّ نصف اللَّيْل فينفرد كل مِنْهُمَا يقْرَأ عشرَة أَجزَاء فِي صَلَاة ثمَّ يرجعان إِلَى منازلهما قبل الْفجْر وَقَرَأَ الْأَحْيَاء على وَالِده أَرْبَعِينَ مرّة وَبَلغنِي أَنه كَانَ يغْتَسل لكل فرض وَمن مشايخه أَبوهُ الشَّيْخ عَليّ والفقيه مُحَمَّد بن أَحْمد أَبَا فضل الْعَدنِي والفقيه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن أَبَا الْحَاج أَبَا فضل والفقيه الدوسري وَكَانَ يحفط الْحَاوِي فِي الْفِقْه للقزويني والوردية فِي النَّحْو وَاجْتمعَ بالشيخ الْعَلامَة الصَّالح يحيى العامري وَله مِنْهُ اجازة
وَحكى أَنه لما اجْتمع بالشيخ العامري وَكَانَ مَعَه ابْن عَمه الشَّيْخ أَبُو بكر العيدروس فَالْتَمَسَا مِنْهُ أَن يريهما مَوضِع الْأَصَابِع النَّبَوِيَّة من ظَهره فكشف لَهما عَنْهَا فرأوها بالعيان
وَقَرِيب من هَذَا مَا أخبرنَا بِهِ صاحبنا الشَّيْخ الْعَلامَة البسكري قَالَ كَانَ عندنَا رجل من أهل الغرب يعلم الْقُرْآن وَكَانَ يُغطي احدى يَدَيْهِ فَلَا يكشفها لأحد فَسَأَلَهُ بَعضهم عَن السَّبَب فِي ذَلِك فَأبى أَن يُخبرهُ بِهِ فالح عَلَيْهِ فِي ذَلِك فَقَالَ كنت شَاعِرًا وامتدحت النَّبِي ﷺ بجملة قصائد ثمَّ اتّفق ان قلت قصيدة امتدحت بهَا بعض أهل الدُّنْيَا فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي النّوم وَهُوَ يعاتبني على ذَلِك ثمَّ أَمر بِقطع يَدي فَقطعت فشفع فِي الصّديق ﵁ فشفعه والتحمت فَعَادَت كَمَا كَانَت فانتبهت والعلامة ظَاهِرَة فِي يَدي ثمَّ كشف لَهُ عَن يَده فَإِذا مَحل الْقطع نور يتلألأ
وَمِمَّنْ أَخذ عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عَليّ من كبار الْعلمَاء الْفَقِيه عبد الله بن مُحَمَّد بن سهل أَبَا قُشَيْر والفقيه عمر أَبَا شَيبَان وَكَانَ مشاركًا فِي جَمِيع الْعُلُوم لَكِن غلب عَلَيْهِ علم التصوف وَكَانَ يقْرَأ لابي عَمْرو وَنَافِع وَيقْرَأ لعاصم بِرِوَايَة حَفْص
[ ١٠٥ ]
وَمن كراماته مَا حَكَاهُ بَعضهم أَنه قَالَ كنت جَالِسا عِنْده بِمَسْجِد أَبَا مَرْوَان بتريم فَسمِعت شَيْئا سقط فِي جَانب الْمَسْجِد فَقَالَ قُم هَات الَّذِي سقط فَقُمْت فَلَقِيت ورقة مغرية فَجئْت بهَا إِلَيْهِ فحملها وقراها ثمَّ أَخذ بَيَاضًا وَكتب ورقة وَقَالَ لي خُذ هَذِه الورقة واطرحها مَكَان الورقة الَّتِي وَجدتهَا فأخذتها وطرحتها مَكَان تِلْكَ الورقة الَّتِي وَجدتهَا وَبقيت الْتفت إِلَى الورقة فَإِذا طَائِر قد جَاءَ وَأخذ الورقة فَأَخْبَرته بذلك وسالته عَن الطَّائِر فَقَالَ أَن الشَّيْخ أَبَا عباد بَيْننَا وَبَينه معرفَة وَكتب لنا ورقة وردينا جوابها
وفيهَا فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع محرم توفّي الْعَلامَة الْحَافِظ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن عبد الْملك بن أَحْمد بن حُسَيْن بن عَليّ الْقُسْطَلَانِيّ الْمصْرِيّ الشَّافِعِي بِالْقَاهِرَةِ وَصلي عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْجُمُعَة بِجَامِع الْأَزْهَر وَدفن بِالْمَدْرَسَةِ العينية جوَار منزله ذكره السخاوي فِي ضوئه وان مولده ثَانِي عشر ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَخمسين وَثَمَانمِائَة بِمصْر وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وتلا للسبع وَحفظ الشاطبية والجزرية والوردية وَغير ذَلِك وَذكر لَهُ عدَّة مَشَايِخ مِنْهُم الشَّيْخ خَالِد الْأَزْهَرِي النَّحْوِيّ وَالْفَخْر المقسمي والجلال الْبكْرِيّ وَغَيرهم وَأَنه قَرَأَ صَحِيح البُخَارِيّ فِي خَمْسَة مجَالِس على الشاوي وَأَنه تلمذ لَهُ أَيْضا وَقَرَأَ عَلَيْهِ بعض مؤلفاته أَعنِي السخاوي وَأَنه حج غير مرّة وجاور سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَسنة أَربع وَتِسْعين وَأَنه أَخذ بِمَكَّة عَن جمَاعَة مِنْهُم االنجم بن فَهد وَأَنه ولي مشيخة مقَام سَيِّدي الشَّيْخ أَحْمد بن أبي الْعَبَّاس الْحرار بالقرافة الصُّغْرَى وَأَنه عمل تأليفًا فِي مَنَاقِب الشَّيْخ الْمَذْكُور وَسَماهُ نزهة الْأَبْرَار فِي مَنَاقِب الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس الْحرار وَأَنه كَانَ يعظ بالجامع الْعمريّ وَغَيره ويجتمع عِنْد الجم الْغَفِير وانه لم يكن لَهُ نَظِير فِي الْوَعْظ وَأَنه كتب بِخَطِّهِ شَيْئا كثيرا لنَفسِهِ وَلغيره واقرأ الطّلبَة وَأَنه تعَاطِي الشَّهَادَة ثمَّ انجمع وَاقْبَلْ على التَّأْلِيف
وَذكر من تصانيفه الْعُقُود السّنيَّة فِي شرح الْمُقدمَة الجزرية فِي علم التجويد والكنز فِي وقف حَمْزَة وَهِشَام على الْهمزَة وشرحًا على الشاطبية زَاد فِيهِ زيادات ابْن الْجَزرِي مَعَ فَوَائِد غَرِيبَة لَا تُوجد فِي شرح غَيره
[ ١٠٦ ]
وشرحًا على الْبردَة سَمَّاهُ الْأَنْوَار المضيئة وَكتاب نفائس الأنفاس فِي الصُّحْبَة واللباس وَالرَّوْض الزَّاهِر فِي مَنَاقِب الشَّيْخ عبد الْقَادِر وتحفة السَّامع والقاري بِخَتْم صَحِيح البُخَارِيّ ورسائل فِي الْعَمَل بِالربعِ الْمُجيب انْتهى مَا ذكره السخاوي مُلَخصا
قلت وارتفع شَأْنه بعد ذَلِك فاعطي السعد فِي قلمه وَكَلمه وصنف التصانيف المقبولة الَّتِي سَارَتْ بهَا الركْبَان فِي حَيَاته وَمن أجلهَا شَرحه على صَحِيح البُخَارِيّ مزجا فِي عشرَة أسفار كبار لَعَلَّه أحسن شروحه واجمعها والخصها وَمِنْهَا الْمَوَاهِب اللدنية بالمنح المحمدية وَهُوَ كتاب جليل الْمِقْدَار عَظِيم الوقع كثير النَّفْع لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي بَابه
ويحكى أَن الْحَافِظ السُّيُوطِيّ كَانَ يغض مِنْهُ وَيَزْعُم أَنه يَأْخُذ من كتبه ويستمد مِنْهَا وَلَا ينْسب النَّقْل إِلَيْهَا وانه ادّعى عَلَيْهِ بذلك بَين يَدي شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا فالزمه بِبَيَان مدعاه فعدد عَلَيْهِ مَوَاضِع قَالَ أَنه نقل فِيهَا عَن الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ أَن للبيهقي عدَّة مؤلفات فليذكر لنا مَا ذكر فِي أَي مؤلفاته ليعلم أَنه نقل عَن الْبَيْهَقِيّ وَلكنه رأى فِي مؤلفاتي ذَلِك النَّقْل عَن الْبَيْهَقِيّ فنقله برمتِهِ وَكَانَ الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يَقُول نقل السُّيُوطِيّ عَن الْبَيْهَقِيّ وَحكى الشَّيْخ جَار الله بن فَهد ﵀ أَن الشَّيْخ رَحمَه الله تَعَالَى قصد ازالة مَا فِي خاطر الْجلَال السُّيُوطِيّ فَمشى من الْقَاهِرَة إِلَى الرَّوْضَة وَكَانَ الْجلَال السُّيُوطِيّ مُعْتَزِلا عَن النَّاس بالروضة فوصل صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى بَاب السُّيُوطِيّ ودق الْبَاب فَقَالَ لَهُ من أَنْت فَقَالَ أَنا الْقُسْطَلَانِيّ جِئْت إِلَيْك حافيًا مَكْشُوف الرَّأْس ليطيب خاطرك عَليّ فَقَالَ لَهُ قد طَابَ خاطري عَلَيْك وَلم يفتح لَهُ الْبَاب وَلم يُقَابله
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ إِمَامًا حَافِظًا متقنًا جليل الْقدر حسن التَّقْرِير والتحرير لطيف الْإِشَارَة بليغ الْعبارَة حسن الْجمع والتأليف لطيف التَّرْتِيب والترصيف كَانَ زِينَة أهل عصره ونقاوة ذَوي دهره وَلَا يقْدَح فِيهِ تحامل معاصريه عَلَيْهِ فَلَا زَالَت الأكابر على هَذَا فِي كل عصر ﵏
وفيهَا فِي شهر الْمحرم توفّي فَقِيه مَدِينَة تعز ومفتيها ومدرسها الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الْبَارِي بن سُلَيْمَان الطَّوِيل
وفيهَا فِي عصر يَوْم الْجُمُعَة التَّاسِع وَالْعِشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور
[ ١٠٧ ]
توفّي الْعَلامَة الْكَبِير مفتي مَدِينَة زبيد وعالمها شيخ الْإِسْلَام مُفِيد الطالبين كَمَال الدّين مُوسَى بن زين العابدين بن أَحْمد بن أبي بكر الرداد الْبكْرِيّ الصديقي الشَّافِعِي الجهبذ الْمُحَقق المصقع المدقق شَافِعِيّ زَمَانه وَرَئِيس أقرانه علما وَعَملا
كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى بحرًا من بحار الْعلم وجبلًا من جبال الدّين لَهُ الْقدَم الراسخ فِي الْمَذْهَب والباع الطَّوِيل فِي كل مشرب نهد إِلَيْهِ الطالبون وَرغب فِي الْأَخْذ عَنهُ الراغبون تفقه بِالْقَاضِي الْعَلامَة شيخ مَشَايِخ الْإِسْلَام الطّيب النَّاشِرِيّ وَصدر الْعلمَاء المبرزين عمر الْفَتى وَالشَّمْس عَليّ بن مُحَمَّد الشَّرْعِيّ وَنجم الدّين يُوسُف الْمقري الجبائي
روى فقه الشَّافِعِي من طرق الْعِرَاقِيّين والمراوزة عَن الإِمَام عَليّ بن عطيف نزيل مَكَّة وَأهل طبقته ودرس وافتى وانتشر صيته فِي معرفَة الْخلاف والوفاق وطار طَائِر فَضله فِي جَمِيع الْآفَاق واعترف لَهُ الأكابر بِالْإِمَامَةِ وَقصد للْفَتْوَى من كل نجد وتهامة وتفقه بِهِ الجلة مِنْهُم ابْنه الْمُحَقق عَلامَة دهره ونادرة عصره الشَّيْخ فَخر الدّين أَبُو بكر وَأَبُو الْعَبَّاس الطبنداوي والفقيه عمر ابْن الْوَجِيه الدؤالي والزين النَّاشِرِيّ ويوسف بن النَّاصِر وَعِيسَى بن عطيفة وَغَيرهم وَله الجوابات الرائقة والبحوثات الفائقة والتفقهات الخارقة والمصنفات المقبولة والشروح المتداولة المنقولة فَمِنْهَا الْكَوْكَب الْوَقَّاد شرح الْإِرْشَاد فِي نَحْو أَربع وَعشْرين مجلدًا كتاب جليل لم يصنف مثله فِي كَثْرَة الْجمع والفوائد وَله شرح صَغِير على الْإِرْشَاد أَيْضا لكنه لم يظْهر لَكِن قَالَ الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو المكارم مفتي الْإِسْلَام أَحْمد بن مُحَمَّد الجابري الزبيدِيّ رحم الله روحه وقفت على بعض مِنْهُ فِي نَاحيَة الْجَبَل جِهَة المخلاف انْتهى
وَكَثِيرًا مَا ينْقل عَنهُ وَلَده فَخر الدّين فَيَقُول قَالَ شَيخنَا فِي شرح الْإِرْشَاد الصَّغِير وَرَأَيْت بِخَط الشَّيْخ الْعَلامَة عبد السَّلَام بن شيخ الْإِسْلَام عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد ان المُرَاد بالشرح الصَّغِير مسودة الْكَبِير انْتهى
وَله أَيْضا فَتَاوَى جمعهَا وَلَده الْمَذْكُور ورتبها ترتيبًا حسنا وَزَاد عَلَيْهَا بِزِيَادَة لَا غنى عَنْهَا
[ ١٠٨ ]
قَالَ الْعَلامَة مفتي الْوَقْت أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن النَّاشِرِيّ أبقاه الله تَعَالَى اتّفق لصَاحب التَّرْجَمَة مَا لم يتَّفق لأحد قبله بمحارث الْوَادي زبيد وَذَلِكَ أَنه زرع الْبر فِي أرضه واستغله وحرث غَيره فَلم يتم لَهُ ذَلِك وَكَانَ قوته فِي غَالب الْأَحْوَال اللوز وَالْعَسَل قَالَ وَمن جسام نعم الله عَلَيْهِ أَنه مكث أَرْبَعِينَ سنة مَا رزء فِي أحد من بَيته وَلم يخرج من بَيته بِجنَازَة بل الله ثراه بوابل الغفران والرضوان
وفيهَا فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثَانِي عشر شهر ربيع الآخر توفّي الْفَقِيه الْكَبِير الصَّالح تَقِيّ الدّين عمر بن مُحَمَّد بن أبي بكر جغمان بِبَيْت الْفَقِيه ابْن عجيل
وفيهَا فِي يَوْم السبت ثَانِي عشر ذِي الْحجَّة توفّي الشهَاب أَحْمد ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن زُهَيْر الرَّمْلِيّ ثمَّ الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي الْمقري الشَّاعِر إِمَام مَقْصُورَة جَامع بني أُميَّة بِدِمَشْق وَدفن بِبَاب الصَّغِير وَكَانَ مولده فِي شهر ربيع الأول سنة أَربع وَخمسين وَثَمَانمِائَة بالرملة وَنَشَأ بهَا ثمَّ تحول إِلَى دمشق وَحفظ الْمِنْهَاج وألفية النَّحْو والْحَدِيث والشاطبيتين والدرة فِي الْقرَاءَات الثَّلَاث لِابْنِ الْجَزرِي وَعرض على جمَاعَة وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ أَبُو زرْعَة الْمَقْدِسِي وَابْن عمرَان وخطاب وَعمر الطَّيِّبِيّ والزين الهيتمي وجعفر بِالْقَاهِرَةِ ودمشق وتميز فِيهَا وَولي مشيخة الاقراء بِجَامِع بني أُميَّة وبدار الحَدِيث الأشرفية وبتربة الأشرفية بعد خطاب وبتربة أم الصَّالح بعد البقاعي وَكَانَ لَازمه حِين اقامته بِدِمَشْق حَتَّى أَخذ عَنهُ فِي الفية الحَدِيث وَغَيرهَا وعادى أهل بَلَده أَو الْكثير مِنْهُم بِسَبَبِهِ وَكَذَا لَازم خطابا فِي الْفِقْه والعربية وَالْعرُوض وَغَيرهَا قِرَاءَة وسماعا وَالشَّمْس بن حَامِد فِي الْفِقْه واطراه فِيهِ والنجم ابْن قَاضِي عجلون فِي آخَرين كالعبادي والبكري بِالْقَاهِرَةِ وَأخذ الْمُخْتَصر قِرَاءَة والمطول سَمَاعا عَن ملازاده السَّمرقَنْدِي وَكَذَا أَخذ عَنهُ العقائد وَبَعض شرح المواقف وتكرر قدومه الْقَاهِرَة
كَذَا ذكره السخاوي فِي تَرْجَمته قَالَ وقصدني فِي بعض قدماته وَأخذ عني وأنشدني قصيدة من نظمه امتدح بهَا الخضيري وَكَانَ نَائِبه فِي
[ ١٠٩ ]
امامة مَقْصُورَة الْجَامِع الْأمَوِي ثمَّ نَاب فِي الْقَضَاء قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ خَفِيف مَعَ فَضِيلَة
قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد ﵀ أَقُول وَبعد الْمُؤلف اسْتمرّ نَائِبا فِي الْقَضَاء والإمامة وَعَلِيهِ ابهة ومهابة وحصلت لَهُ محنة مَعَ قُضَاة بَلَده طلبُوا إِلَى الْقَاهِرَة لأَجلهَا ونالهم التَّعَب بِسَبَبِهَا لإنكارهم على كَاتب سرها الاسلمي سَلامَة الله تَعَالَى على ضريح وَليهَا الشَّيْخ رسْلَان وهجاه بِأَبْيَات سَمعتهَا مِنْهُ مَعَ تكلم غَيرهَا فِي رحلتي لدمشق عَام اثْنَيْنِ وَعشْرين
وفيهَا تَغَيَّرت دولة الجراكسة بالعثمانية ففوضوا إِلَيْهِ قَضَاء الشَّافِعِيَّة فِي الْبِلَاد الشامية فَانْفَرد بذلك بَين فَانْتَفع بِهِ جمَاعَة من الْأَصْحَاب وَأَنا مِمَّن لاحظني بنظره وَحصل لي حجَّة على يَده فعدت بعْدهَا إِلَى بلدي ﵀
وفيهَا فِي يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر ربيع الآخر اسْتشْهد السُّلْطَان الْملك الظافر عَامر بن عبد الْوَهَّاب سُلْطَان الْيمن وَكَانَ على جَانب عَظِيم من الدّين وَالتَّقوى وَالْمَشْي فِي طَاعَة الله تَعَالَى لَا تعلم لَهُ صبوة وَكَانَ ملازمًا للطَّهَارَة والتلاوة والاذكار وَلَا يفتر عَن ذَلِك آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار كثير الصَّدقَات وَفعل المبرات
وَمن مآثره المخلدة لذكره على الدَّوَام والموجبة لحلوله دَار السَّلَام فِي حوار الْملك العلام عمَارَة الْجَامِع الْأَعْظَم بِمَدِينَة زبيد لم يسْبق إِلَى مثلهَا انفق فِي ذَلِك جملَة مستكثرة من أَمْوَاله وخالص حَلَاله وَعمارَة مدرسة من جنوبه الدَّار الْكَبِير بِمَدِينَة زبيد وَعمارَة مدرسة الشَّيْخ الْكَبِير إِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيم الجبرتي بهَا وَعمارَة مشْهد الْفَقِيه أبي بكر الْحداد خَارج بَاب القرتب بِظَاهِر مَدِينَة زبيد ومدرستين بِمَدِينَة تعز واجراء الْعين بهَا وَالْجَامِع الْكَبِير بالمقرانة وَمَسْجِد الْقبَّة بهَا ومدرسة عَظِيمَة برداع الْعَرْش وَمَسْجِد بداخل عدن واجراء الْمِيَاه بِظَاهِر بَاب الْبر مِنْهَا وصهريج عَظِيم بهَا لم يسْبق إِلَى مثله وَآخر بقرية عسيب وَمَا لَا يُحْصى من الْمَسَاجِد والصهاريج والآبار والأسداد فِي الْأَمَاكِن الْمُحْتَاج إِلَيْهَا والمواضع
[ ١١٠ ]
المنقطعة وَهُوَ اجرى التلاج إِلَى مَدِينَة عدن من أَمَاكِن بعيدَة وانفق فِي ذَلِك أَمْوَالًا عديدة وَله من أَعمال الْبر مَا لَا يُحْصى كَثْرَة ضاعف الله تَعَالَى لَهُ الثَّوَاب وَأحسن لَهُ الْمرجع والمآب وَكَانَت مُدَّة ملكه إِلَى انْقِضَاء دولته تسعا وَعشْرين سنة إِلَّا أَيَّامًا وللعلامة الديبع ﵀ فِيهِ اخلاي ضَاعَ الدّين من بعد عَامر وَبعد أَخِيه عَاد النَّاس فِي النَّاس
فمذ فقدا وَالله وَالله اننا من الْأَمْن والسلوان فِي غَايَة الياس
وَله فِيهِ تحطم من ركن الصّلاح مشيده وقوض من بُنْيَانه كل عَامر
فَمَا من صَلَاح فِيهِ بعد صَلَاحه وَلَا عَامر وَالله من بعد عَامر
سنة أَربع وَعشْرين بعد التسْعمائَة ٩٢٤ هـ
وَفِي سنة أَربع وَعشْرين توفّي الشريف الْفَاضِل الْعَالم الْعَامِل مُحَمَّد ابْن علوي بن الْفَقِيه الصَّالح الْوَلِيّ مُحَمَّد بن عَليّ صَاحب عيديد اشْتغل بِالْعلمِ حَتَّى برع فِيهِ تفقه بالفقيه أَحْمد بن يحيى رشيد بعدن وَنقل كتاب الارشاد للمقري وَسمع البُخَارِيّ على غَيره وَكَانَ جيد الْفَهم وَكَانَ شَيْخه الشَّيْخ القطب عبد الرَّحْمَن بن عَليّ نفعنا الله ببركاته يثنى عَلَيْهِ وَيَقُول اسْتَفَدْت مِنْهُ حَال قِرَاءَته عَليّ أَشْيَاء وَكَانَ على قدم من الصّلاح والزهد والخمول كثير التِّلَاوَة لكتاب الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته بعدن رَحمَه الله تَعَالَى وجده الْفَقِيه مُحَمَّد بن عَليّ صَاحب عيديد نفعنا الله ببركاته من كبار الْأَوْلِيَاء وَعَمه الشريف الصَّالح الْعَالم عبد الله وَهُوَ الَّذِي جمع كَلَام الاستاذ الْأَعْظَم الشَّيْخ عبد الله العيدروس فِي كتاب فَلهُ بذلك علينا الْمِنَّة معاشر الْأَصْحَاب
وفيهَا مَاتَ السُّلْطَان سليم سُلْطَان الرّوم وَتَوَلَّى بعده وَلَده السُّلْطَان سُلَيْمَان وَفِي أَيَّامه زَالَ ملك الجراكسة وَاعْتِبَار خلفاء بني الْعَبَّاس فسبحان من لَا يَزُول ملكه