وَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين توفّي الْعَلامَة مُحَمَّد بن أسعد جلال الدّين الصّديق الدواني بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون نِسْبَة لقرية من كازرون الكاروني الشَّافِعِي القَاضِي بإقليم فَارس الْمَذْكُور بِالْعلمِ الْكثير وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ المحيوي اللاري وَحسن بن الْبَقَّال وَتقدم فِي الْعُلُوم سِيمَا العقليات وَأخذ عَنهُ أهل تِلْكَ النواحي وَارْتَحَلُوا إِلَيْهِ من الرّوم وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر
ذكره السخاوي فِي ضوئه قَالَ وَسمعت الثَّنَاء عَلَيْهِ من جمَاعَة مِمَّن أَخذ عني فاستقره السُّلْطَان يَعْقُوب فِي الْقَضَاء وصنف الْكثير من ذَلِك
[ ١٢٣ ]
شرح على شرح التَّجْرِيد للطوسي عَم الِانْتِفَاع بِهِ وَكَذَا كتب على العضدي مَعَ فصاحة وبلاغة وَصَلَاح وتواضع وَهُوَ الْآن فِي سنة تسع وَتِسْعين حَيّ ابْن بضع وَسبعين انْتهى
وفيهَا سُئِلَ الْحَكِيم بدر الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد القوصوني بِمَا صورته مَا قَوْلكُم رَضِي الله عَنْكُم ونفع بعلومكم الْمُسلمين فِي القهوة هَل أستعمالها مُضر أم نَافِع وَهل طبعها الْحَرَارَة أم الْبُرُودَة أم اليبوسة أم الرُّطُوبَة وَإِذا قُلْتُمْ بِأَن اسْتِعْمَالهَا نَافِع فَمَا الْقدر النافع مِنْهَا وَمَا المضر وَهل الاكثار مِنْهَا ضار أم لَا وَهل فِيهَا تَقْوِيَة للباه أم لَا وَهل اسْتِعْمَالهَا على الشِّبَع مُضر أم نَافِع وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالهَا على الْجُوع هَل هُوَ مُضر أم نَافِع وَهل فِيهَا هضم وَهل اسْتِعْمَالهَا حارة أولى من اسْتِعْمَالهَا فاترة أم عَكسه وَهل يُضَاف إِلَيْهَا شَيْء من الْأَشْيَاء عِنْد طبخها أم لَا افتونا مَأْجُورِينَ أثابكم الله الْجنَّة
فَأجَاب الْحَمد الله لم أجد ذكرا للبن فضلا عَن القهوة فِي شَيْء من كتب الطِّبّ الَّتِي طالعتها واطلعت عَلَيْهَا وَالَّذِي نتكلم فِيهِ الْآن إِنَّمَا هُوَ بِحَسب مَا ظهر لنا من آثارها بطرِيق التجربة فَأَما هَل اسْتِعْمَالهَا مُضر أم لَا فَنَقُول إِنَّه لَيْسَ يمكننا الحكم على دَوَاء من الْأَدْوِيَة بِأَنَّهُ نَافِع مُطلقًا وَلَا بِأَنَّهُ ضار مُطلقًا فِي كل حَال بل أَن أثبتنا لَهُ نفعا فِي بعض الْأَحْوَال فَلَا يُنَافِي ذَلِك أَن يكون لَهُ مضرَّة فِي حَالَة أُخْرَى وَأَن يكون غَيره أَنْفَع مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَال ونوضح ذَلِك بمثال فَنَقُول الدرياق الْفَارُوق قد اجْمَعْ الْأَطِبَّاء أَنه أعظم الْأَدْوِيَة وَمَعَ ذَلِك لَا يُمكن أَن يُقَال بنفعه مُطلقًا وَفِي كل حَال بل بعض الْأَدْوِيَة المبردة كبزر قطونا للمحموم مثلا أَنْفَع مِنْهُ بِكَثِير فَبَقيَ أَن يُقَال إِن القهوة كَغَيْرِهَا من الْأَدْوِيَة لَهَا نفع فِي بعض الْأَحْوَال
فَأَما طبع القهوة فَنَقُول إِن فِي الكيفيتين الفاعلتين أَعنِي الْحَرَارَة والبرودة فَالظَّاهِر أَنَّهَا معتدلة ومائلة إِلَى الْبرد قَلِيلا وَلَا يبعد أَن يكون لَهَا جُزْء حَار بِهِ يكون الهضم وَنَحْوه من أفعالها فَإِن كثيرا من الْأَدْوِيَة كَذَلِك وَأما فِي الكيفيتين المنفعلتين فتجدها مائلة إِلَى جَانب اليبس لأَنا نجدها تجفف الْأَبدَان وَتغَير أَصْحَاب الْأَمْرَاض الْيَابِسَة
[ ١٢٤ ]
وَأما الْقدر النافع مِنْهَا فَهُوَ مُخْتَلف بِحَسب مزاج مستعملها
وَأما هَل الْإِكْثَار مِنْهَا مُضر فقد قَالَ الْأَطِبَّاء إِن كل كَثْرَة عَدو للطبيعة وَلَا شكّ أَن الْإِكْثَار من القهوة مُضر خُصُوصا بذوي الأمزجة الْيَابِسَة
وَأما هَل فِيهَا تَقْوِيَة للباه فَنَقُول لَا نبعد ذَلِك بِوَاسِطَة تجفيفها للرطوبات المرطبة للأعصاب فَيكون ذَلِك بطرِيق الْعرض
وَأما هَل اسْتِعْمَالهَا على الشِّبَع مُضر فنقلول قد نهى الْأَطِبَّاء عَن اسْتِعْمَال سَائِر المشروبات عقب اسْتِعْمَال الْغذَاء لما يفجج الْغذَاء وينفذه قبل انهضامه لَكِن الْقَلِيل من المشروبات خُصُوصا الْمعينَة على الهضم كالقهوة وَنَحْوهَا نافعة بِشَرْط أَن لَا تبلغ إِلَى حد تنفذ الْغذَاء إِلَى فجاجته وَأولى مَا اسْتعْملت القهوة بعد أَخذ الْغذَاء فِي حَالَة الانهضام فَأَما على الْجُوع فمجففة تَنْفَع أَصْحَاب الأمزجة الْبَارِدَة الرّطبَة وَتغَير المهزولين ويابسي الأمزجة واستعمالها فاترة أولى لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تكون ألذ طعمًا وَأقوى على النّفُوذ
وَأما هَل أَنه يُضَاف إِلَيْهَا دَوَاء عِنْد الطَّبْخ فَنَقُول لَا يتَعَذَّر أَن يُضَاف إِلَيْهَا أدوية مصلحَة لمزاجها مقوية لافعالها لَكِن تخرج عَن كَونهَا قهوة وَتدْخل فِي جملَة الادوية النافعة وَلَكِن الأولى أَن يُضَاف إِلَيْهَا شيئ من السكر أَو الْعَسَل لباردي المزاج ليعين ذَلِك على نفوذها وَالله أعلم قَالَه بدر الدّين مُحَمَّد القوصوني فِي الْمحرم سنة ٩٣٨ هـ